موجة حر تاريخية تُغلق مفاعلات نووية في أوروبا وتكشف هشاشة منظومة الطاقة أمام المناخ
سجّلت فرنسا أعلى حرارة منذ 1947 في يونيو 2026 فأُغلقت محطات نووية لارتفاع حرارة مياه التبريد، مما يكشف تناقضاً بنيوياً في استراتيجيات الطاقة الأوروبية أمام التغير المناخي.

في الثالث والعشرين من يونيو 2026، سجّلت فرنسا أعلى درجة حرارة لها منذ عام 1947، إذ تجاوزت الحرارة 44 درجة مئوية في أجزاء متعددة من البلاد. وفي الأيام الموالية، اضطرت شركة EDF الفرنسية للطاقة إلى تعطيل وحدة طاقة في محطة غولفيش النووية جنوبي البلاد، وتخفيض إنتاج مفاعلات في محطة نوجان-سور-سين، حين ارتفعت درجة حرارة مياه نهر غارون المُستخدمة في تبريد المفاعلات إلى ما يتخطى الحدود التنظيمية المسموح بها.
يكشف هذا المشهد عن تناقض بنيوي في منظومة الطاقة الأوروبية: المفاعلات النووية، التي تُصنَّف مصدراً للطاقة منخفض الكربون وركيزةً في استراتيجيات إزالة الكربون، تعتمد في تشغيلها على برودة الأنهار، مما يجعلها هشّةً بالضبط في أشد اللحظات التي يرتفع فيها الطلب على الكهرباء خلال موجات الحر المتزايدة.
تُلزم اللوائح الفرنسية لحماية البيئة المائية المشغّلِين بوقف أو تخفيض إنتاج محطاتهم حين تتجاوز حرارة المياه المُعادة إلى الأنهار عتبات محددة، لتفادي التلوث الحراري الذي يُهدد النظم البيئية المائية. وهو ما حدث حرفياً في غولفيش، حيث سقط الرهان بين الحرارة ومتطلبات التبريد لصالح الحرارة.
ولا تقتصر الأزمة على النووي ولا على فرنسا وحدها: في المملكة المتحدة، سجّلت خمس محطات طاقة تعمل بالغاز الطبيعي انخفاضاً في طاقتها الإجمالية بما يبلغ 2.5 جيغاواط جراء ارتفاع درجات الحرارة التي تُقلّل كفاءة أبراج التبريد والمعدات. وعلى مستوى أوروبي أوسع، تراجعت الطاقة الكهرومائية بنسبة 13% في الأشهر الخمسة الأولى من عام 2025 بسبب انخفاض مناسيب الأنهار جراء موجات الجفاف المتتالية.
وفي المشهد العالمي الأشمل، يتوقع خبراء الطاقة تضاعف الطلب على التكييف بحلول عام 2050 مع استمرار ارتفاع المتوسطات الحرارية. وهذا يُشكّل حلقةً مفرغة مقلقة: المزيد من الحرارة يُقلّل إنتاج الكهرباء في الوقت الذي يرفع فيه الطلب عليها بحدة، خاصةً مع الضغط الإضافي الذي تفرضه مراكز البيانات اللازمة لتشغيل تطبيقات الذكاء الاصطناعي.
تُقدّر شركة EDF أن تكيّف منشآتها مع التحولات المناخية يتطلب إنفاق 600 مليون يورو سنوياً على مدى خمسة عشر عاماً، وهو ثمن باهظ لكنه يبدو ضرورياً في ضوء تكرار موجات الحر. وتتضمن هذه الترقيات تحسين منظومات التبريد وتوسيع خزانات التبريد الاصطناعي للتخفيف من الاعتماد المباشر على حرارة الأنهار.
ولا تبتعد هذه الدلالة عن العالم العربي؛ إذ تُسجّل دول الخليج العربي درجات حرارة صيفية تتجاوز 50 درجة مئوية بانتظام، مما يُلقي بعبء ضخم على منظومات التبريد والطاقة. وقد دشّنت الإمارات العربية المتحدة محطة براكة النووية على ساحل الخليج العربي، إذ تستخدم مياه البحر للتبريد بديلاً عن مياه الأنهار — وهو خيار يحميها نسبياً من الإجهاد الحراري البري الذي عانت منه أوروبا. غير أن ارتفاع حرارة مياه الخليج ذاتها بفعل التغير المناخي يطرح تساؤلات جدية حول مستقبل كفاءة التبريد. وفيما تخطط المملكة العربية السعودية لإنشاء محطاتها النووية ضمن رؤية 2030، يغدو درسُ أوروبا في صيف 2026 توجيهاً مباشراً لصانعي القرار العرب: الطاقة النووية ليست بمنأى عن تقلبات المناخ، وتصميم أنظمة التبريد للمناخ المستقبلي لا المناخ الماضي شرطٌ أساسي لأي استراتيجية طاقة نووية عربية.
هذا الحدث ليس استثناءً مؤلماً بل هو تحذير مما ينتظر: البنية التحتية للطاقة الأوروبية وُجدت في مناخ مختلف، وتحتاج إلى إعادة تصميم جوهرية لمناخ المستقبل إذا أُريد لها أن تصمد في وجه موجات حر آتية ستكون أشد وأطول.
المزيد من بيئة

بلورة ذهبية مجهرية تُنجز الحوسبة الكمومية في درجة حرارة الغرفة للمرة الأولى
ابتكر باحثو جامعة ولاية لويزيانا أول مادة كمومية وظيفية تعمل دون تبريد شديد البرودة مُزيلةً أكبر عائق أمام انتشار تقنيات الكم في الاستخدامات اليومية، ونُشر البحث في مجلة Nature.

ضوء الشمس يُولّد التشابك الكمومي دون ليزر في إنجاز يُعيد رسم حدود تقنيات الكم
نجح باحثون كنديون وألمان في توليد التشابك الكمومي مباشرةً من ضوء الشمس بكفاءة 94% مما يفتح الباب أمام أقمار اصطناعية وأجهزة تشفير كمومية أرخص وأخف وزناً.

اختراق في خلايا الوقود الهيدروجينية قد يُحوّل مراكز البيانات إلى محطات طاقة نظيفة
طوّر باحثو جامعة واشنطن بنيةً كربونية نانوية تُقلّص استخدام البلاتين في خلايا الوقود مع الحفاظ على 85% من الكفاءة بعد 150 ألف دورة تشغيل وعمر تشغيلي يبلغ 25 ألف ساعة.

دوامات بلازمية بالغة الصغر تُكتشف على سطح الشمس بتلسكوب إينوي للمرة الأولى
رصد علماء معهد ماكس بلانك بتلسكوب إينوي الشمسي دوامات بلازمية لا يتجاوز قطرها 20 كيلومتراً وهي بنى كانت خفيةً لعقود وقد تُجيب عن لغز تسخين الإكليل الشمسي.

نيزك اخترق سقف منزل في نيوجيرسي يحمل أسرار نشأة الحياة في الكون
رصد علماء معهد SETI نيزكاً نادراً من نوع الكوندريت الكربوني سقط في هيلزبورو بنيوجيرسي ويحمل سوائل مالحة قديمة وأحماضاً أمينية قد تكشف كيف نشأت الحياة على الأرض.

مركز بيانات أمازون في تكساس قد يُصبح أكبر ملوِّث مناخي في الولايات المتحدة
تخطط أمازون لإنشاء محطة توليد غاز طبيعي ملحقة بمركز بياناتها الجديد في تكساس بطاقة انبعاثية تتجاوز 33 مليون طن من ثاني أكسيد الكربون سنوياً مما يتناقض مع تعهداتها المناخية.