منحوتات على بيض النعام قبل 60 ألف سنة تكشف عن قواعد هندسية منظّمة لدى الإنسان القديم

كشف باحثون من جامعة بولونيا أن نقوشاً على قشور بيض النعام من جنوب أفريقيا تتبع تنميطاً هندسياً واعياً ومقنَّناً، مُغيّرةً فهمنا لنشأة التفكير المجرد والفن الرمزي لدى البشر الأوائل.

تحرير
ألمعي · هيئة التحرير
النشر
١٢ أغسطس ٢٠٢٦
المصدر
ScienceDaily
القراءات
٠
الوقت
قراءة دقيقتين
شظايا قشور بيض النعام المنقوشة المكتشفة في ملجأ ديبكلوف الصخري بجنوب أفريقيا

قبل ستين ألف سنة، في كهوف متناثرة على امتداد جنوب أفريقيا وناميبيا، كانت يدٌ بشرية ترسم خطوطاً متوازية وزوايا قائمة على قشور بيض النعام بدقة تجعل المراقب المعاصر يتوقف مندهشاً. لم تكن هذه مجرد تزيينات عفوية؛ بل كانت، وفق دراسة أجرتها جامعة بولونيا الإيطالية ونُشرت نتائجها في التاسع من أغسطس 2026، تعبيراً عن ذهن منتظم يعرف كيف يُخطّط قبل أن يُنفّذ.

حلّل الفريق البحثي 112 قطعة من قشور بيض النعام المنقوشة مستخرَجة من ثلاثة مواقع أثرية: ملجأ Diepkloof الصخري وكليبدريفت في جنوب أفريقيا، ومغارة أبولو 11 في ناميبيا. باستخدام أسلوب التحليل الكمي الدقيق، تمكّن الباحثون من رصد نمط صادم: أكثر من 80% من التشكيلات النقشية كانت تتبع ترتيبات فضائية ثابتة، تتكرر فيها الزوايا القائمة (90 درجة) والخطوط المتوازية والتماثل الهندسي بصورة لا يمكن عزوها إلى المصادفة.

ما يُميّز هذه الاكتشافات عن النقوش الأثرية المعروفة من قبل هو ما يُسمّيه الباحثون "قواعداً مرئية في طور التشكّل": أي وجود نظام ضمني يُنظّم الأشكال ويُحكم علاقاتها ببعضها، شبيه بما نُسمّيه اليوم القواعد النحوية في اللغة. فالنقوش لا تتشابه فحسب، بل تُنشئ علاقات هرمية بين العناصر؛ إذ تتضمّن أنماطاً صغيرة مُدرَجة داخل أنماط أكبر في ما يُشبه البنية التشعبية.

ما الذي يعنيه ذلك من منظور علم التطور المعرفي؟ يشير الباحثون إلى أن وجود هذا التنميط الهندسي المقنّن يستلزم قدرات ذهنية متقدمة: التخطيط المسبق قبل النحت، والتصوّر الفضائي المجرد، والنقل الثقافي عبر الأجيال (إذ تتشابه الأنماط بين مواقع متباعدة)، فضلاً عن الوعي بالجماليات والانتظام. هذه القدرات كانت تُعدّ حتى وقت قريب أحدث تطوراً مما تُثبته هذه المنحوتات.

السياق الثقافي لهذه القطع يُضيف أبعاداً مثيرة أخرى: إذ ارتبطت بيضة النعام في أفريقيا القديمة بالمياه والحياة بسبب قدرتها على حفظ السوائل، وكانت تُستخدم وعاءً للتخزين وللزينة. ما يُوحي به هذا السياق هو أن النقش عليها لم يكن عملاً عشوائياً بل طقساً اجتماعياً أو رمزياً ذا معنى، يستدعي مهارةً وقصداً.

تنتمي هذه القطع إلى ثقافة Howiesons Poort، وهي مرحلة ثقافية تمتد بين 65 و59 ألف سنة قبل الحاضر وتتميز بدليل واضح على استخدام الرموز والأدوات المُصغَّرة. تُعزّز الدراسة الجديدة فرضية أن هذه الحقبة شهدت قفزة نوعية في التعقيد المعرفي البشري، وليس مجرد تطور تدريجي.

تتقاطع هذه الاكتشافات مع ما تكشفه الأبحاث الأثرية في شبه الجزيرة العربية؛ إذ أثبتت الدراسات الحديثة في منطقة العُلا وتبوك أن الإنسان القديم سلك الجزيرة العربية ممراً حيوياً في موجات الهجرة الأولى من أفريقيا نحو آسيا وأوروبا. وتزخر منطقة الحرّة والجوف بنقوش صخرية تعود إلى آلاف السنين تُحقّق فيها هيئة التراث السعودية ومنظمة اليونسكو حالياً، وقد شرعت المؤسسات الأثرية العربية في توظيف تقنيات التحليل الكمّي الرقمي المشابهة لتلك المستخدمة في هذه الدراسة للكشف عمّا إذا كانت النقوش الصخرية العربية تنطوي على أنماط هندسية ممنهجة مماثلة.

في عالم تُهيمن فيه الذكاء الاصطناعي والحوسبة على أجندة الابتكار، تُذكّرنا هذه الاكتشافات بحقيقة بالغة الأثر: أن القدرة على التفكير المجرد وخلق الرموز وتنظيمها في أنساق قابلة للتواصل هي ما جعل منّا بشراً في المقام الأول، قبل عشرات الآلاف من السنين.

المصدر الأصلي
ScienceDaily
قراءة المقال الأصلي ↗
قصة اليوم · كل صباح

أعجبك التقرير؟ استلم واحداً كل صباح.

قصةٌ تقنية واحدة تستحقّ وقتك، بالعربية. بلا إعلانات، بلا إزعاج.

بلا إعلانات · إلغاء الاشتراك بنقرة واحدة · بياناتك آمنة

اقرأ أيضًا

المزيد من علوم

زحل وغلافه المغناطيسي كما أظهرته بيانات مسبار كاسيني

بيانات كاسيني تكشف أن دوران زحل يُعيد تشكيل غلافه المغناطيسي بصورة مغايرة للأرض

كشف تحليل جديد لبيانات مهمة كاسيني-هويغنز أن سرعة دوران زحل الفائقة تُزيح قمة غلافه المغناطيسي نحو المساء بدلاً من الظهيرة، في ظاهرة تُعيد رسم فهمنا لفيزياء الكواكب العملاقة.

ScienceDaily
رسم تصوري لزاحف Silescelida acristata من العصر الترياسي

حفرية برازيلية عمرها 240 مليون سنة تكشف فصلاً مفقوداً قبيل ظهور الديناصورات

اكتشف علماء حفريات برازيليون نوعاً جديداً من الزواحف البدائية من العصر الترياسي الأوسط، يُلقي الضوء على الفجوة التطورية التي سبقت انفصال سلالة الديناصورات عن التماسيح.

ScienceDaily
وحدة Unity-3 لاختبار غطاء التوليد في مفاعلات الاندماج

شركة يابانية تنطلق لبناء مكوّن حيوي لمفاعلات الاندماج النووي التجاري في أمريكا

حصلت Kyoto Fusioneering اليابانية على منح حكومية أمريكية لبناء نموذج أولي لغطاء التوليد في معمل أوك ريدج، في خطوة تُقرّب الاندماج النووي التجاري من الواقع.

TechCrunch
نموذج كلود من أنثروبيك

نموذج ذكاء اصطناعي من أنثروبيك يُحرز تقدماً على حدسية ريمان بعد 150 عاماً من التحدي

نجح نموذج ذكاء اصطناعي لم يُطلَق بعد من شركة أنثروبيك في إحراز تقدم لافت نحو حل حدسية ريمان باستخدام 60 عميلاً فرعياً و31 مليون رمز خلال 36 ساعة من العمل المتواصل.

TechCrunch
شخص يُمارس تمارين القوة بالأوزان في صالة رياضية

90 دقيقة أسبوعياً من تمارين القوة تُخفض خطر الوفاة المبكرة بنسبة 13%

دراسة ضخمة على 150 ألف ممرض أمريكي خلال ثلاثة عقود تُحدد النطاق الأمثل لتمارين القوة، وتُثبت أن دمجها مع الأيروبيك يُخفض خطر الوفاة إلى 45%.

ScienceDaily
وكيل ذكاء اصطناعي يُحاكي عالماً في مختبر رقمي

الذكاء الاصطناعي الوكيل هو المستقبل للعلم لا مجرد النماذج الكبيرة للبيانات

يُجادل باحثو معهد ماساتشوستس للتقنية بأن الكشف العلمي المستقبلي يحتاج وكلاء ذكاء اصطناعي قادرين على الاستدلال والتجربة لا نماذج تتنبأ فحسب من بيانات ضخمة.

MIT Technology Review