محرك حراري كمي فائق التوصيل: خطوة نحو تقليص تكاليف الحاسوب الكمي
بنى علماء جامعة آلتو الفنلندية أول محرك حراري كمي فائق التوصيل في العالم، ينتج شغلًا مفيدًا عند الصفر المطلق تقريبًا، في إنجاز قد يُغيّر مستقبل الحاسوب الكمي ويُقلّص تكاليفه بشكل جذري.

أعلن علماء من جامعة آلتو الفنلندية عن إنجاز علمي استثنائي يُعدّ الأول من نوعه في تاريخ العلم، إذ نجحوا في تصميم وبناء محرك حراري كمي فائق التوصيل يعمل في درجات حرارة قريبة من الصفر المطلق، وينتج شغلًا مفيدًا من حرارة شديدة الانخفاض. نُشرت نتائج هذا البحث في دورية "نيتشر كوميونيكيشنز" المرموقة، وتُمثّل قفزةً نوعية تربط بين ميكانيكا الكم وعلم الديناميكا الحرارية، مُثبتةً أن مبادئ المحركات الحرارية الكلاسيكية قابلة للتطبيق الفعلي في عالم الجسيمات الكمية.
يتألف الجهاز من ثلاثة مكونات أساسية تعمل بتوافق دقيق: كيوبت من نوع ترانسمون يُشكّل قلب المحرك النابض، ورنّان كمي يعمل وسيطًا لتبادل الطاقة بين أجزاء المنظومة، ومبرّد كمي متعدد الوظائف يتولى ضبط التدفقات الحرارية داخل الدائرة. تعمل هذه المنظومة في بيئة بالغة البرودة لا تتعدى بضعة ميلي-كلفن فوق الصفر المطلق، وهي درجات حرارة أشدّ برودةً من الفضاء الخارجي بمئات المرات. وعلى الرغم من هذه الظروف القصوى، استطاع الفريق إثبات أن المحرك يُنتج شغلًا موجبًا صافيًا، وهو ما لم يكن في متناول التقنية الحالية حتى وقت قريب.
يستلهم المحرك الجديد تصميمه من دورة أوتو الحرارية الكلاسيكية، وهي الدورة ذاتها التي تُشغّل محركات الاحتراق الداخلي في السيارات منذ أكثر من قرن. غير أن التنفيذ هنا يجري في عالم مختلف كليًا؛ فبدلًا من الغاز والمكابس الميكانيكية، تُدار الدورة داخل دائرة إلكترونية فائقة التوصيل لا تتجاوز أبعادها الميليمترات، حيث تسود قوانين ميكانيكا الكم وتُحكم قبضتها على سلوك الجسيمات. ومن أبرز ما يُميّز هذا التصميم أن مبرّدًا كميًا واحدًا يكفي للقيام بعمليتَي التسخين والتبريد معًا، مما يُبسّط البنية الهندسية للجهاز ويُهيّئه للدمج في أنظمة أكبر وأكثر تعقيدًا.
تتجاوز أهمية هذا الاكتشاف الإثراءَ النظري لتطرح إجابات عملية لأبرز التحديات التي تواجه صناعة الحاسوب الكمي. فالحواسيب الكمية الكبيرة الحجم التي تُطورها شركات التقنية والحكومات تستلزم ملايين الكابلات الميكروويفية للتحكم في كيوبتاتها وقراءة حالاتها؛ ويبلغ سعر كل كابل من هذه الكابلات نحو ألف يورو. بيد أن المشكلة لا تقتصر على التكلفة المالية الباهظة وحدها؛ فهذه الكابلات تُولّد ضوضاء إلكترونية مستمرة تُخلّ بدقة الكيوبتات وتُقصّر أوقات الترابط الكمي، وهما عاملان حاسمان في قدرة الحاسوب الكمي على إنجاز عملياته بكفاءة عالية.
تستهدف استراتيجية فنلندا الوطنية للتكنولوجيا الكمية الوصول إلى ألف كيوبت منطقي بحلول عام 2035. ولأن كل كيوبت منطقي يتطلب آلاف الكيوبتات الفيزيائية لتصحيح الأخطاء الكمية وضمان دقة النتائج، فإن تحقيق هذا الهدف يستوجب تشغيل مئات الآلاف من الكيوبتات في آنٍ واحد، وهو ما يُضاعف حجم التحدي اللوجستي والمالي. وهنا يبرز الدور المحوري للمحرك الحراري الكمي المستقل؛ إذ يستطيع قراءة حالات الكيوبتات ذاتيًا دون الحاجة إلى بثّ نبضات ميكروويفية من خارج الجهاز، مما يُتيح الاستغناء عن كميات كبيرة من الكابلات وتقليص الضوضاء المصاحبة لها تقليصًا جوهريًا.
أُجريت التجربة في منشأة أوتانانو، البنية التحتية الوطنية الفنلندية المتخصصة في الأبحاث الكمية، التي تُعدّ من أكثر المنشآت تجهيزًا في أوروبا لإجراء التجارب الكمية الدقيقة. توفر هذه المنشأة بيئةً معملية مُحكَمة العزل عن أي تأثيرات إلكترومغناطيسية أو حرارية خارجية قد تُشوّه نتائج التجارب البالغة الحساسية. وقد أتاحت هذه الإمكانيات للباحثين ضبط المتغيرات بدقة فائقة وقياس الشغل الناتج في ظروف موثوقة وقابلة للتكرار.
يرى الفريق البحثي أن هذا الإنجاز لا يُمثّل نهاية المطاف، بل خطوة افتتاحية في رحلة بحثية طويلة المدى. ستنصبّ الجهود القادمة على تحسين كفاءة المحرك ورفع قدرته على إنتاج الشغل في كل دورة، واستكشاف إمكانية دمجه في منظومات حوسبة كمية تضم مئات الكيوبتات أو تتجاوزها. وإذا ما نجحت هذه المساعي، فإن المحرك الحراري الكمي قد يُغيّر بصورة جذرية طريقة تصميم الحواسيب الكمية المستقبلية وتشغيلها، مُسهمًا في إزالة أحد أكبر العوائق التي تحول دون تحوّل هذه التقنية إلى تطبيقات تجارية واسعة النطاق.
تعكس هذه الخطوة العلمية أهميةً مباشرة لمبادرات الحوسبة الكمية التي تُطلقها دول عربية كالإمارات والسعودية وقطر بخُطى متسارعة. فشركة G42 الإماراتية المتخصصة في الذكاء الاصطناعي والحوسبة الفائقة تمتلك استراتيجيةً واضحةً نحو الحوسبة الكمية، وكذلك معهد قطر لبحوث الحوسبة (QCRI) ومركز الملك عبدالعزيز للحوسبة عالية الأداء في الرياض. وأكبر عائق أمام توسيع هذه الحواسيب هو تكلفة البنية التحتية الكريوجينية وكابلات التحكم بالكيوبتات. فإذا ما نجح المحرك الحراري الكمي الفنلندي في تقليص هذه الحاجة، فإن مراكز الحوسبة الكمية الخليجية قد تجد طريقها نحو التوسع التجاري قبل نهاية العقد الحالي بتكاليف أكثر واقعية.
تُسلّط هذه النتائج الضوء على حقيقة علمية بالغة الأثر: إن قوانين الديناميكا الحرارية التي صاغها علماء القرن التاسع عشر لا تزال صالحة حتى في العوالم الكمية الأكثر غرابةً وتجريدًا. وربما يكون هذا الاكتشاف نافذةً تُطلّ منها الإنسانية على أفق جديد من الفهم، حيث يلتقي عالما الكم والحرارة في حوار خصيب يُلهم أجيالًا قادمة من الفيزيائيين والمهندسين نحو ابتكارات لم تكن متخيَّلة بالأمس.
المزيد من علوم

صيف 2026: الأشد حرارةً في التاريخ وتحذيرات من أن 2027 قد يكون أسوأ
سجّل صيف 2026 أرقامًا قياسية في درجات الحرارة عبر أوروبا والولايات المتحدة وكوريا الجنوبية، في ظل ظاهرة النينيو الأشد على الإطلاق التي تُنذر بأن عام 2027 قد يكون أكثر سخونةً.

تلسكوب جيمس ويب يرصد معادن الطين على أقمار نبتون الداخلية
رصد تلسكوب جيمس ويب الفضائي لأول مرة معادن الطين الدالة على وجود الماء على أقمار نبتون الداخلية، مما يدعم نظرية كارثة فلكية قديمة دمّرت المنظومة القمرية الأصلية لكوكب نبتون.

هرمون التوتر يُساعد الدماغ على إصلاح الميالين بعد الإصابة
اكتشف علماء معهد ماكس بلانك أن خلايا دماغية سلفية تُفرز هرمون إطلاق الكورتيكوتروبين بعد الإصابة لتنظيم إصلاح الميالين، مما يفتح آفاقًا جديدة لعلاج التصلب المتعدد وأمراض الدماغ.

تلسكوب جيمس ويب يكتشف «نجم الثقب الأسود» في فجر الكون
رصد تلسكوب جيمس ويب الفضائي جسمًا فلكيًا استثنائيًا في الكون المبكر يُنتج طاقةً تعادل مئة مليار ضعف طاقة أي نجم معروف، ويُرجَّح أنه نجم الثقب الأسود: ثقب أسود هائل يحيطه غلاف غازي ضخم.

دليل جديد: الحياة على الأرض ربما نشأت مرتين بشكل مستقل قبل 4 مليارات سنة
توصل باحثون ألمان إلى أدلة على أن البكتيريا والعتائق طوّرتا إنزيمات مختلفة لأيض متطابق، مما يُشير إلى نشأتين مستقلتين للخلايا الحرة في الأرض البدائية.

دراسة MIT: الدماغ يفكّر منطقياً باستقلالية تامة عن مناطق اللغة
أثبت علماء أعصاب من MIT أن مرضى فقدان النطق يحلّون الألغاز المنطقية بكفاءة مساوية للأصحاء، مما يكشف أن التفكير المنطقي يعمل بنظام دماغي مستقل تماماً عن اللغة.