دراسة جديدة: القهوة بكافيين أو بدونه تُعيد تشكيل ميكروبيوم الأمعاء والمزاج
وجدت دراسة أيرلندية أن القهوة بنوعيها العادي ومنزوع الكافيين تُغيّر بكتيريا الأمعاء وتخفض الشعور بالتوتر والاكتئاب، فيما تحسّن النسخة منزوعة الكافيين التعلم والذاكرة وتعزز نسخة الكافيين التركيز.

توصل باحثون من مركز "إيه بي سي" لأبحاث الميكروبيوم في جامعة كوليدج كورك الأيرلندية إلى أن تناول القهوة، سواء كانت عادية تحتوي على الكافيين أو منزوعة منه، يُحدث تغيرات ملموسة في ميكروبيوم الأمعاء، وينعكس ذلك بدوره على المزاج ومستوى التوتر والذاكرة والانتباه، عبر ما يُعرف بمحور الأمعاء والدماغ، وهو نظام تواصل ثنائي الاتجاه يربط الجهاز الهضمي بالجهاز العصبي المركزي. ونُشرت الدراسة في 28 سبتمبر الجاري في مجلة "نيتشر كوميونيكيشنز".
وشملت الدراسة 62 مشاركًا، مناصفة بين 31 من متناولي القهوة بانتظام و31 من غير المتناولين لها، وخضع المشاركون لفترة انقطاع عن القهوة استمرت أسبوعين قبل بدء التجربة، بهدف قياس التغيرات بدقة أكبر عند إعادة إدخالها إلى النظام الغذائي بمعدل يومي يتراوح بين ثلاثة وخمسة أكواب، وهو المعدل الذي تعتبره الهيئة الأوروبية لسلامة الغذاء آمنًا ومعتدلًا.
وأظهرت النتائج أن كلا نوعي القهوة، العادية والمنزوعة الكافيين، أديا إلى انخفاض في درجات الشعور بالتوتر والاكتئاب والاندفاعية لدى المشاركين، إلى جانب إحداث تغيرات محددة في تركيبة بكتيريا الأمعاء، من بينها تغيرات في بكتيريا من نوعي "إيغرتيلا" و"كريبتوباكتيريوم كورتوم"، فضلًا عن زيادة في بكتيريا فئة "فيرميكيوتيس" التي ترتبط، بحسب الدراسة، بمشاعر إيجابية أكثر لدى الإناث تحديدًا.
لكن الدراسة كشفت أيضًا عن فروق دقيقة بين النوعين؛ إذ ارتبط تناول القهوة منزوعة الكافيين تحديدًا بتحسّن في قدرات التعلم والذاكرة لدى المشاركين، في حين ارتبط تناول القهوة العادية المحتوية على الكافيين بانخفاض مستوى القلق وتحسّن التركيز واليقظة الذهنية، إلى جانب انخفاض في مؤشرات خطر الالتهاب داخل الجسم. وتشير هذه النتائج إلى أن الكافيين ليس العامل الوحيد المسؤول عن التأثيرات الإيجابية للقهوة، بل إن مكونات أخرى في القهوة تلعب دورًا مستقلًا وموازيًا.
ويكمن السر في ذلك، وفق الباحثين، في احتواء القهوة على آلاف المركبات الكيميائية المختلفة، من بينها مجموعة من البوليفينولات، وهي مركبات نباتية مضادة للأكسدة موجودة أيضًا في الفواكه والخضروات وزيت الزيتون. وتتفاعل هذه المركبات مع الميكروبات المعوية لإنتاج مستقلبات كيميائية تؤثر بدورها في محور الأمعاء والدماغ عبر مسارات متعددة، تشمل الجهاز المناعي والهرمونات والأعصاب والإشارات الكيميائية الميكروبية المتبادلة بين الأمعاء والدماغ.
وعلّق الأستاذ جون كريان، أحد المشاركين في الدراسة، على هذه النتائج بقوله: "القهوة أكثر من مجرد كافيين، إنها عامل غذائي معقد يتفاعل مع ميكروبات أمعائنا وعملية الأيض لدينا، بل وحتى مع حالتنا العاطفية". وتعكس هذه المقولة تحولًا في فهم العلماء لطبيعة تأثير القهوة، إذ لم تعد تُدرَس فقط كمنبه للجهاز العصبي، بل كعامل غذائي متكامل يتفاعل مع منظومة الجسم البيولوجية بأكملها.
وتتقاطع هذه النتائج مع واقع ثقافي وصحي خاص بالعالم العربي، إذ تُعدّ القهوة -سواء القهوة العربية التقليدية بالهيل في الخليج أو القهوة المغربية أو الاسبريسو المنتشر في الشام ومصر- من أكثر المشروبات تجذراً في الثقافة اليومية. ومع ارتفاع معدلات السمنة والسكري من النوع الثاني في المنطقة فوق المعدلات العالمية، قد تُفتح أمام مراكز الأبحاث كجامعة الملك عبدالعزيز في جدة ومستشفى كليفلاند كلينك أبوظبي فرصٌ لدراسة تأثير هذا المشروب المتجذر ثقافياً في ميكروبيوم السكان العرب تحديداً، مما قد يُفضي إلى توصيات غذائية مخصصة لهذه الفئات.
وتفتح هذه النتائج آفاقًا جديدة أمام الباحثين في مجال التغذية والصحة النفسية، إذ قد تساعد على تصميم توصيات غذائية أكثر دقة تراعي التفاعل بين نوع المشروب المُستهلك وتركيبة ميكروبيوم الفرد الخاصة به. ومع ذلك، يشدد الباحثون على أن هذه النتائج لا تعني أن الجميع يجب أن يبدأوا بتناول القهوة، خصوصًا من يعانون من حساسية تجاه الكافيين، بل تفتح الباب أمام مزيد من الأبحاث حول كيفية استغلال هذه المركبات الطبيعية لتحسين الصحة النفسية والهضمية بطرق أكثر استهدافًا وفعالية.
المزيد من صحة

مفاجأة علمية: محرك خفي لمرض الزهايمر قد ينشط خارج الدماغ تماماً
اكتشف باحثون في جامعة واشنطن مساراً مناعياً غير متوقع ينطلق من العقد الليمفاوية خارج الدماغ ويؤدي دوراً رئيسياً في التنكس العصبي المرتبط بالزهايمر، فتح آفاقاً علاجية جديدة.

هل الكون لانهائي؟ قياسات إشعاع الخلفية الكونية تكشف إجابة محيّرة
تُظهر قياسات دقيقة لإشعاع الخلفية الكونية الميكروي أن الكون مسطح هندسياً، لكن العلماء يوضحون أن التسطح لا يعني بالضرورة أن الكون لانهائي الامتداد.

من المختبر إلى الشبكة الكهربائية.. سباق تجاري لتوصيل طاقة الاندماج النووي
تستعد شركتا Commonwealth Fusion Systems وHelion لنقل طاقة الاندماج النووي من مرحلة الإثبات العلمي إلى محطات فعلية تغذي الشبكة الكهربائية، وسط تمويل يتجاوز مليارات الدولارات.
بروتينات عمرها 160 مليون عام تتفوق على أدويتنا الحديثة في مواجهة البكتيريا
أعاد باحثون في جامعة أوريغون إحياء ببتيدات مضادة للميكروبات من ثدييات منقرضة عاشت قبل 160 مليون عام، ووجدوا أن بعض نسخها القديمة أكثر فعالية من نظيراتها البشرية الحديثة في قتل البكتيريا المقاومة للمضادات الحيوية.
دراسة: بكتيريا الأمعاء تفسر سبب إصابة رواد الفضاء بالإمساك في المدار
تحليل عينات دم 52 رائد فضاء كشف أن الجاذبية الصغرى تُبطئ حركة الأمعاء وتدفع بكتيريا القناة الهضمية إلى تخمّر البروتين بدلًا من الألياف، بما قد يؤثر في الكلى والمزاج خلال الرحلات الطويلة.

جيمس ويب يكشف أن تشكّل الكواكب العملاقة سباق محموم مع الزمن
رصد تلسكوب جيمس ويب الفضائي 72 قرصًا كوكبيًا حول نجوم فتية، كاشفًا كيف تتسارع رياح ونفثات وإشعاعات نجمية في تبديد الغاز، تاركة نافذة زمنية ضيقة لتشكّل كواكب عملاقة كالمشتري.