محاكاة جديدة تكشف أن جيولوجيا الأرض وتيا حدّدت مصير تكوّن القمر
اكتشف علماء في معهد ساوثويست للأبحاث أن درجة الحرارة وخصائص مادة الأرض وتيا عند الاصطدام قبل 4.5 مليار سنة تُحدّد جوهرياً سيناريو تكوّن القمر، مما يتحدى الافتراضات السائدة في نظرية الارتطام العملاق.

توصّل علماء من معهد ساوثويست للأبحاث وجامعة أريزونا في الولايات المتحدة، في سبتمبر 2026، إلى نتائج تُعيد النظر في أحد أكثر الأحداث الكونية درامية في تاريخ نظامنا الشمسي: التصادم الذي أسفر عن ولادة القمر قبل نحو أربعة وخمسة أعشار مليار سنة. نُشرت نتائج الدراسة في مجلة The Astrophysical Journal Letters.
تقوم نظرية الارتطام العملاق التي تحظى بقبول واسع في الأوساط العلمية على فرضية مفادها أن جسماً بحجم كوكب المريخ يُعرف بـ"تيا" اصطدم بالأرض الفتية قبل مليارات السنين. وقد ظلت المحاكاات الحاسوبية لهذا الحدث الهائل، ومنها الدراسة الرائدة التي أجرتها روبين كانوب عام 2001، تعتمد على فرضية تبسيطية مفادها أن الطاقة الهائلة للتصادم تجعل كلا الجسمين يتصرّفان كالسوائل، مما أجاز التعامل معهما باعتبارهما كتلتين سائلتين في التدفق.
أما الدراسة الجديدة فتُفنّد هذه الفرضية المُبسّطة، مُثبتةً أن الخصائص الجيولوجية لكلٍّ من الأرض وتيا قبل التصادم تُغيّر تغييراً جوهرياً مسار تكوّن القمر وطريقته. تقول الباحثة أديني دينتون: "اكتشفنا أن الجيولوجيا البدائية للجسم الأوّلي بحجم المريخ تُحدث فارقاً. حين تُحاكي تصادم الأرض وتيا باعتبارهما جسمين ذوَي خصائص جيولوجية، فإن ذلك يُغيّر طريقة تشكّل القمر من ذلك التصادم."
استعان الفريق بتقنية ديناميكا الجسيمات الهيدروديناميكية المنعّمة بصيغتها المتطورة التي تأخذ في الحسبان متانة المواد وصلابتها، بدلاً من معاملتها كسوائل. وكشفت هذه المحاكاات عن سيناريوهين متباينين جذرياً تبعاً للظروف الحرارية والجيولوجية المبدئية.
في السيناريو الأول الذي يُشبه النموذج التقليدي، ينتهي التصادم بتفكّك تيا وتشتّت مادتها لتُكوّن القرص قبل القمري، وهو حزام من الحطام يدور حول الأرض ويتراكم تدريجياً ليُشكّل القمر على مدى فترة زمنية ممتدة. أما السيناريو الثاني فهو المفاجأة الحقيقية: في ظروف بعينها، يُنتج التصادم قمراً سليم البنية في غضون ساعات معدودة، لا تتجاوز الخمس ساعات. هذا يعني أن القمر لم ينبثق حتماً من قرص أنقاض دائر كما افترضنا، بل ربما نشأ بوصفه جسماً متكاملاً في فترة وجيزة.
العامل الحاسم في تحديد أيّ السيناريوين يتحقق هو درجة الحرارة الداخلية لكلٍّ من الأرض وتيا لحظة التصادم. فالأجسام الأكثر سخونةً تكون أضعف من الناحية الميكانيكية، وهذا الضعف يُغيّر طريقة تفكّكها وتشتّتها. ومن ثم، فإن ما قد يبدو متغيراً ثانوياً يُصبح محدداً رئيسياً لمصير تكوّن أكبر تابع طبيعي لكوكبنا.
تُعلّق روبين كانوب، صاحبة الدراسة الأصلية عام 2001، قائلةً: "هذه النتائج المثيرة والمدهشة تُلمّح إلى وجود صلة محتملة بين الخصائص الفيزيائية للقمر اليوم، وربما محتواه من المواد المتطايرة، والحالة الحرارية للأرض وتيا في لحظة الارتطام العملاق."
هذا الاستنتاج بالغ الأثر؛ إذ يعني أن تركيب القمر الذي نرصده اليوم، من كمية المياه وغيرها من المركبات المتطايرة، قد يحمل في طياته أثراً مباشراً لظروف التصادم البدائي. وبعبارة أخرى، قد يكون القمر نافذةً علميةً أكثر دقةً مما تصوّرنا لتتبّع الظروف التي سادت في نظامنا الشمسي المبكر.
تفتح هذه الدراسة باباً جديداً لإعادة قراءة البيانات الجمّة التي جمعتها البعثات القمرية على مدى العقود الماضية، بعين جديدة تُدرك الدور المحوري للجيولوجيا البدائية والحالة الحرارية في رسم مصير الأجسام الكوكبية. كما تُثير تساؤلات مشروعة حول تكوّن الأقمار في المنظومات الشمسية الأخرى، وما إذا كانت الشروط الجيولوجية للكواكب الأم تلعب دوراً مشابهاً في تشكيل توابعها.
يحمل هذا الاكتشاف أهمية خاصة للعالم العربي الذي انطلق بخطى واثقة في مسيرته الفضائية؛ فقد أثبت مسبار الأمل الإماراتي الذي أُطلق عام 2020 وأتمّ مهمته حول المريخ أن المنطقة باتت لاعباً فعلياً في ميدان علوم الكواكب. وفهم تشكّل الأجسام الكوكبية كالقمر يُغذّي مباشرةً برامج تأهيل الكوادر العلمية الفضائية في الإمارات والسعودية ضمن رؤية 2030، ويُرسّخ القناعة المتنامية لدى صانعي القرار في المنطقة بأن الاستثمار في علوم الفضاء ضرورة استراتيجية في عصر التنافس الكوني على الاستكشاف.
يُكشف هذا البحث كذلك عن قصور في النماذج التبسيطية التي دأب العلماء على استخدامها لفهم الأحداث الكوكبية الكبرى، ويدعو إلى تبنّي نماذج أكثر تفصيلاً تأخذ في الحسبان الخصائص الفيزيائية الحقيقية للأجسام المتصادمة، وليس مجرد كتلتها وطاقتها الحركية.
المزيد من علوم

خلايا شمسية من البيروفسكيت تولّد الكهرباء تحت الماء
طوّر باحثون خلايا شمسية من مادة البيروفسكيت قادرة على توليد الكهرباء في البيئات المائية، بعد تحقيق إنجاز في تعزيز ثبات هذه المادة أمام الرطوبة، مما يفتح آفاقاً لتشغيل أجهزة الاستشعار البحرية وأجهزة إنترنت الأشياء.

صراصير إلكتروبيولوجية تتجاوز الأنقاض لإنقاذ ضحايا الكوارث
فريق بحثي أسترالي يطوّر كائنات إلكتروبيولوجية مزوّدة بكاميرات وآليات حقن تلقائي للبحث عن ضحايا الكوارث وتقديم الإسعافات الأولية لهم

علماء يعكسون الشيخوخة البيولوجية في أربعة أسابيع بتغيير النظام الغذائي
دراسة أسترالية تكشف أن تعديل النظام الغذائي لدى من هم بين 65 و75 عاماً يُخفّض العمر البيولوجي في أربعة أسابيع، بتقليص الدهون أو البروتين الحيواني

تحديث نموذج الذكاء الاصطناعي لتوقعات الطقس من غوغل يرفع دقة التنبؤات
أعلنت غوغل عن تحديث جوهري لنموذجها للذكاء الاصطناعي الحدّي المخصص للتنبؤ بالطقس، إذ بات يعتمد على كميات أكبر من بيانات الأقمار الصناعية الخام، مما يرفع دقة توقعاته ويقترب بأدائه من النماذج التقليدية بل يتجاوزها في بعض المقاييس.

أغسطس 2026 الأشد حرارة في تاريخ القياسات المناخية وفق بيانات كوبرنيكوس
سجّل أغسطس 2026 رقماً قياسياً غير مسبوق في متوسط درجات الحرارة العالمية وفق بيانات خدمة كوبرنيكوس الأوروبية، في ظل تضافر تأثيرات تغيّر المناخ وظاهرة النينيو المتنامية.
رياح الثقب الأسود الهائل أقوى بمئة مرة مما ظنّه العلماء
رصد علماء فلك باستخدام مهمة تصوير الأشعة السينية والمطيافية (إكسريزم) رياحاً صادرة عن ثقب أسود هائل تفوق طاقتها التقديرات السابقة بمئة مرة، وتمتد اضطراباتها نحو ثلاثمئة ألف سنة ضوئية خارج المجرة المضيفة.