مفتاح استعمار المريخ في الكويكبات: دراسة من EPFL تكشف جدوى التعدين الفضائي

كشفت دراسة حديثة من المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا أن تعدين الكويكبات الغنية بالمعادن يمكن أن يوفر المواد الأولية اللازمة لبناء مستوطنات على المريخ، مع إمكانية إنتاج وقود الصاروخ من الكويكبات الكربونية في الفضاء مباشرةً.

تحرير
ألمعي · هيئة التحرير
النشر
٨ أغسطس ٢٠٢٦
المصدر
ScienceDaily
القراءات
٤
الوقت
قراءة 3 دقائق
تصوير فني لمستوطنة بشرية مستقبلية على سطح المريخ

لطالما كان استعمار المريخ حلماً بشرياً راسخاً، غير أن التحدي الأكبر لم يكن يوماً التكنولوجيا بل اللوجستيات: كيف نؤمّن المواد الخام الضرورية لبناء مستوطنة دائمة على بعد ملايين الكيلومترات من الأرض؟ دراسة جديدة نشرها باحثون من المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا EPFL في أغسطس 2026 تقدّم إجابة مبتكرة: ربما يكمن الحل في تعدين الكويكبات التي تجوب أرجاء المجموعة الشمسية.

توصّل الباحثون إلى أن الكويكبات الغنية بالمعادن يمكن أن تتحوّل إلى مستودعات إمداد متنقلة تزوّد المستوطنات المريخية المستقبلية بما تحتاجه من مواد بنائية، في مقدّمتها الحديد والنيكل والألمنيوم، دون الحاجة إلى شحنها من الأرض بتكاليف باهظة تُقدَّر بعشرات الملايين من الجنيهات الإسترلينية لكل رحلة.

يتجاوز بناء مستوطنة على المريخ حدود توفير الغذاء والهواء والماء؛ فهي تستلزم كميات ضخمة من المعادن لإقامة الهياكل الإنشائية وخطوط الأنابيب وأنظمة الطاقة وأدوات الإصلاح. إرسال هذه المعادن من الأرض ليس خياراً عملياً، إذ تستغرق الرحلة إلى المريخ ما بين ستة وتسعة أشهر، فضلاً عن كلفة الإطلاق الفلكية. هنا تبرز قيمة الموارد الفضائية المتاحة في الكويكبات المعدنية التي تتألف في معظمها من الحديد والنيكل.

اعتمد فريق EPFL على نماذج حاسوبية اختبرت آلاف تركيبات شبكات الإمداد الفضائية، محلّلةً متطلبات الطاقة اللازمة للتنقل بين المدارات استناداً إلى ميكانيكا المدارات، وكميات المعادن القابلة للاستخراج، وأحجام وقود الصاروخ المطلوبة في كل مرحلة. وتوصّل الباحثون إلى قائمة بكويكبات محددة يمكن الوصول إليها باستخدام المركبات الفضائية الحالية، حيث تبرر متطلبات الطاقة المنخفضة نسبياً جدوى عمليات التعدين والتوصيل.

بيد أن الدراسة تُحذّر من أن اختيار الكويكب الخطأ قد يعني استهلاك وقود يفوق قيمة المعادن المستخرجة، مما يجعل الاختيار الدقيق للأهداف عاملاً حاسماً في نجاح أي مهمة تعدين فضائي.

ربما يكمن الابتكار الأهم في الدراسة في إمكانية الاستفادة من الكويكبات الكربونية، وهي نوع يحتوي على كميات وفيرة من المواد المتطايرة، أبرزها الجليد المائي. بتحليل هذا الجليد كهربائياً يمكن الحصول على الهيدروجين والأكسجين لاستخدامهما وقوداً للصاروخ في الفضاء، وهو ما يُعرف بالاستثمار الموضعي للموارد. هذا يعني أن المركبات الفضائية المنخرطة في عمليات التعدين يمكنها أن تتزوّد بالوقود مباشرةً من الكويكبات الكربونية بدلاً من حمل كميات ضخمة منه من الأرض، مما يرفع كفاءة البعثة رفعاً جوهرياً.

ليست كل الكويكبات في متناول المركبات الفضائية الحالية بالتساوي؛ بعضها يتطلب تسارعات هائلة للوصول إليه، في حين يمكن الوصول إلى بعضها الآخر بتكاليف طاقة معقولة بفضل مداراتها الملائمة. وتُظهر النتائج أن ثمة نافذة من الكويكبات القابلة للوصول تتميز بانخفاض متطلبات طاقة الانتقال، مما يجعل تعدين الكويكبات خطوة قابلة للتنفيذ بالتكنولوجيا الراهنة.

يُدرك الباحثون أن منظومة متكاملة لتعدين الكويكبات وإمداد المريخ لا تزال تحتاج عقوداً من التطوير التقني والاستثمار الضخم. غير أن القيمة الجوهرية للدراسة تكمن في إثبات الجدوى النظرية: إذا نجحنا في تطوير المركبات المناسبة وتقنيات التعدين الفضائي، فإن الموارد الفضائية المتوفرة في الكويكبات كافية نظرياً لدعم مشاريع استعمار المريخ.

تحمل نتائج هذا البحث دلالةً مباشرة لطموحات المنطقة العربية في الفضاء؛ فالإمارات أطلقت مسبار الأمل إلى المريخ عام 2021 وأعلنت مشروعها التأسيسي لإقامة مستوطنة مريخية بحلول 2117، بينما تُطوّر هيئة الفضاء السعودية قدراتها في المهمات الفضائية العميقة. وكل من هذه الأهداف يظل في نهاية المطاف مشروطاً بحل إشكالية الإمداد بالموارد في الفضاء البعيد، وهي الإشكالية التي تعالجها دراسة EPFL بمنهجية حاسوبية دقيقة. وإذا نُفِّذت استراتيجية تعدين الكويكبات مستقبلاً، فستكون الدول الشريكة في برامجها الفضائية كالإمارات والسعودية معنيّةً مباشرة بثمارها.

يُمثّل هذا البحث خطوة علمية مهمة في تحويل رؤية استعمار المريخ من حلم أدبي إلى مشروع هندسي محسوب، حيث تتحوّل الكويكبات التي طالما نُظر إليها باعتبارها تهديداً محتملاً إلى حلفاء استراتيجيين في مسيرة الإنسانية نحو الكواكب البعيدة.

المصدر الأصلي
ScienceDaily
قراءة المقال الأصلي ↗
قصة اليوم · كل صباح

أعجبك التقرير؟ استلم واحداً كل صباح.

قصةٌ تقنية واحدة تستحقّ وقتك، بالعربية. بلا إعلانات، بلا إزعاج.

بلا إعلانات · إلغاء الاشتراك بنقرة واحدة · بياناتك آمنة

اقرأ أيضًا

المزيد من علوم

فوهة ستيكني الضخمة على سطح قمر فوبوس

فوهة عملاقة على قمر فوبوس قد تكشف أصله الفلكي الغامض

يدرس علماء ألمان الفوهة الضخمة ستيكني على قمر المريخ فوبوس لتحديد ما إذا كان قمراً من حطام تصادم أم كويكباً مسجوناً، وتأمل مهمة يابانية مرتقبة في حسم هذا اللغز.

ScienceDaily
رسم توضيحي للتيرانوصورس ريكس

سنّ ديناصور عمرها 66 مليون سنة تكشف أن تيرانوصورس ريكس كان دافئ الدم كالإنسان

طوّر علماء جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس تقنية تحليل نظيري لمينا الأسنان المتحجرة، لتكشف أن التيرانوصورس ريكس حافظ على حرارة جسمه عند 36 درجة مئوية تقريباً كالإنسان.

ScienceDaily
كاشف أطلس في المصادم الكبير للهادرونات بسيرن

التشابك الكمومي يجتاز أقسى اختبار في مصادم الجسيمات الكبير

رصد فيزيائيون من جامعة أكسفورد أدلة قاطعة على التشابك الكمومي بين بوزونات Z الثقيلة في مصادم الجسيمات الكبير بسيرن، مؤكدين رسوخ ظاهرة أينشتاين في أشد البيئات قسوة.

ScienceDaily
جهاز قياس ثابت الجاذبية الكونية

عقد من الانتظار وظرف مختوم: ثابت الجاذبية الكوني يُربك العلماء مجدداً

كشفت تجربة امتدت عشر سنوات في معهد NIST الأمريكي أن ثابت الجاذبية الكونية لا يزال يقاوم القياس الدقيق بفارق 0.0235% عن قياسات سابقة، محييةً لغزاً فيزيائياً عمره قرنان.

ScienceDaily
مختبر بيولوجي مع رمز التحذير

الأسلحة البيولوجية بالذكاء الاصطناعي: تحذير عاجل لقطاع التقنية الحيوية

يُحذّر خبراء وباحثون من خطر متصاعد يمثله الذكاء الاصطناعي في تسهيل تصميم مسببات أمراض وعوامل بيولوجية خطرة، مطالبين بإجراءات وقائية فورية في قطاع التكنولوجيا الحيوية.

MIT Technology Review
دماغ بشري وساعة رمزية للشيخوخة

علماء يُعيدون بروتين الدماغ مينين ويعكسون علامات الشيخوخة في الفئران

اكتشف علماء أن انخفاض بروتين مينين في الدماغ مع التقدم في العمر قد يكون محركاً للشيخوخة في الجسم كله، وأن استعادته في الفئران عكست فقدان العظام وترقق الجلد وتراجع القدرات المعرفية.

ScienceDaily
مفتاح استعمار المريخ في الكويكبات: دراسة من EPFL تكشف جدوى التعدين الفضائي — ألمعي