كيوريوسيتي تكشف حقلاً غامضاً من الشقوق السداسية على المريخ

رصدت مركبة ناسا الجوّالة كيوريوسيتي حقلاً شاسعاً من الشقوق المضلعة في وادٍ مريخي، يحيط حتى بالتلال الصخرية، في أكبر اكتشاف من نوعه خلال أربعة عشر عاماً من البعثة ويُعزّز فرضية ماضٍ مائي للكوكب الأحمر.

تحرير
ألمعي · هيئة التحرير
النشر
٢ أغسطس ٢٠٢٦
القراءات
٢
الوقت
قراءة 3 دقائق
المركبة الجوّالة كيوريوسيتي على سطح المريخ مع شقوق مضلعة

في اكتشاف يُعيد رسم صورتنا عن الكوكب الأحمر، أعلن علماء وكالة ناسا عن رصد المركبة الجوّالة كيوريوسيتي حقلاً استثنائياً من الشقوق المضلعة في وادٍ مريخي يُعرف بـ"فالي غراندي"، تغطّي هذه الأنماط السطحَ الصخري بأكمله وترتفع لتشمل تلة صخرية شاهقة تبلغ ستة أمتار ارتفاعاً تُسمى "ميرافلوريس".

وتتراوح أبعاد كل مضلع في هذا الحقل بين أربعة وثمانية سنتيمترات، في مشهد يُشبه قرص النحل أو البلاط السداسي، وهو الأوسع الذي يرصده علماء البعثة خلال مسيرة المركبة التي تمتد على أربعة عشر عاماً منذ هبوطها على الكوكب الأحمر عام 2012.

قال علماء مختبر الدفع النفاث التابع لناسا إن هذه الأنماط تُثير إشكالية علمية حقيقية؛ إذ يتنافس تفسيران رئيسيان لتفسير أصلها: الأول أن دورات الاحترار والتبريد الحرارية المتكررة كانت تُمزّق طبقات الصخر وتُشقّقها بأنماط هندسية منتظمة، والثاني أن ضغط الرواسب أثناء جفافها دفع الماء للخارج مُخلّفاً هذه التشققات الدقيقة، وهو ما يُعرف بـ"شقوق الجفاف".

وفي السياق الأشمل، يُؤكد هذا الاكتشاف ثراءَ تاريخ المريخ الجيولوجي، إذ أمضت كيوريوسيتي سنواتها في رحلة صعود تدريجية نحو قمة جبل شارب، وعلى طول هذا الطريق توقفت عند محطات علمية كثيرة كشف كل منها طبقة من طبقات ماضي الكوكب. وقد عثرت المركبة في مسيرتها على آثار كيميائية للماء السائل والجزيئات العضوية التي تُعدّ لبنات الحياة الأساسية، فضلاً عن مركبات تُمثل طليعة لتكوين الحمض النووي.

والمفارقة أن هذه الشقوق السداسية ظهرت في منطقة كانت المركبة تعبرها في طريقها إلى هدف آخر، حين لاحظ أحد المراقبين العلميين غرابةَ نسيج السطح فطلب إيقاف المركبة للتمحيص والتصوير. ويرصد فريق العلماء الآن الكيمياء الدقيقة للمعادن المكوّنة لهذه الشقوق بحثاً عن مؤشرات على طبيعة السوائل التي مرّت بها ودرجة حرارتها ومدة بقائها.

وتكتسب هذه الأنماط أهمية خاصة لأنها تشبه إلى حد بعيد تشققات الجفاف التي تخلّفها البحيرات الضحلة على الأرض حين تجف، وهذا التشابه يُقوّي الاحتمال بأن منطقة "فالي غراندي" قد شهدت في الماضي البعيد دورات رطبة وجافة متعاقبة، مما يعني أن المريخ لم يكن بارداً وجافاً في كل تاريخه، بل مرّ بفترات كان فيها أكثر قابلية لنشأة الحياة.

وثّقت المركبة هذه الظاهرة عبر كاميرا ChemCam المتخصصة في التحليل الكيميائي، وكاميرا Mastcam التي التقطت صوراً بانورامية واسعة للحقل، إلى جانب جهاز MAHLI لدراسة خصائص السطح عن قرب. وستُضاف هذه البيانات إلى مجموعة ضخمة من الاكتشافات تُشكّل معاً الصورة الأكثر تفصيلاً عن المريخ القديم.

ويزيد الاكتشاف من أهمية بعثة كيوريوسيتي التي دخلت عامها الرابع عشر دون أن يضعف تدفق بياناتها العلمية، بل باتت تُعدّ مختبراً جيولوجياً لا غنى عنه لفهم كيف تحوّل المريخ من كوكب دافئ رطب قادر ربما على استضافة الحياة إلى ذلك الصحراء الجافة الباردة التي نعرفها اليوم.

وفي سياق أوسع، يرى الباحثون أن هذه الأنماط المضلعة، حتى لو جاءت نتيجة عوامل فيزيائية بحتة، تظل تُعلّمنا درساً جوهرياً عن الديناميكيات السطحية للمريخ وعن القدرة الهائلة للتغيرات الحرارية اليومية على تشكيل وجه الكوكب عبر ملايين السنين.

وتأخذ هذه الاكتشافات أهمية مضاعفة في المنظور العربي؛ إذ تُحلّق مركبة مسبار الأمل الإماراتية في مدار المريخ منذ عام 2021، راصدةً ظواهر الغلاف الجوي المريخي بأدوات متخصصة وموفّرةً بيانات تكمّل مهام ناسا. وقد منحت هذه البعثة الإمارات مكانةً علمية رائدة في استكشاف الكوكب الأحمر، وجعلت الشباب العربي المهتم بالفضاء أكثر انخراطاً في متابعة الأبحاث المريخية. ويرى المختصون أن الكشف عن التاريخ المائي للمريخ يرسّخ أهمية هذه المهام ويدعم التعاون في البعثات الاستكشافية القادمة.

وتُواصل المركبة تحليل الطيف الكيميائي للشقوق ومحيطها الصخري، بينما تتطلع البعثات القادمة، ولا سيما مركبة بيرسيفيرانس، إلى جمع عيّنات صخرية يُرجّح إرسالها إلى الأرض في بعثات مشتركة مستقبلية، حيث ستُتاح للمختبرات الأرضية دراسة التركيب الجزيئي الدقيق لهذه التكوينات وكشف خبايا أسرار الكوكب الأحمر.

المصدر الأصلي
ScienceDaily / NASA JPL
قراءة المقال الأصلي ↗
قصة اليوم · كل صباح

أعجبك التقرير؟ استلم واحداً كل صباح.

قصةٌ تقنية واحدة تستحقّ وقتك، بالعربية. بلا إعلانات، بلا إزعاج.

بلا إعلانات · إلغاء الاشتراك بنقرة واحدة · بياناتك آمنة

اقرأ أيضًا

المزيد من علوم

خلية شمسية من مادة البيروفسكيت

خلايا شمسية من البيروفسكيت تولّد الكهرباء تحت الماء

طوّر باحثون خلايا شمسية من مادة البيروفسكيت قادرة على توليد الكهرباء في البيئات المائية، بعد تحقيق إنجاز في تعزيز ثبات هذه المادة أمام الرطوبة، مما يفتح آفاقاً لتشغيل أجهزة الاستشعار البحرية وأجهزة إنترنت الأشياء.

Ars Technica
صرصور إلكتروبيولوجي مجهز بكاميرا وآلية حقن لعمليات الإنقاذ

صراصير إلكتروبيولوجية تتجاوز الأنقاض لإنقاذ ضحايا الكوارث

فريق بحثي أسترالي يطوّر كائنات إلكتروبيولوجية مزوّدة بكاميرات وآليات حقن تلقائي للبحث عن ضحايا الكوارث وتقديم الإسعافات الأولية لهم

Wired
نظام غذائي صحي لمكافحة الشيخوخة

علماء يعكسون الشيخوخة البيولوجية في أربعة أسابيع بتغيير النظام الغذائي

دراسة أسترالية تكشف أن تعديل النظام الغذائي لدى من هم بين 65 و75 عاماً يُخفّض العمر البيولوجي في أربعة أسابيع، بتقليص الدهون أو البروتين الحيواني

ScienceDaily
نموذج الذكاء الاصطناعي للتنبؤ بالطقس

تحديث نموذج الذكاء الاصطناعي لتوقعات الطقس من غوغل يرفع دقة التنبؤات

أعلنت غوغل عن تحديث جوهري لنموذجها للذكاء الاصطناعي الحدّي المخصص للتنبؤ بالطقس، إذ بات يعتمد على كميات أكبر من بيانات الأقمار الصناعية الخام، مما يرفع دقة توقعاته ويقترب بأدائه من النماذج التقليدية بل يتجاوزها في بعض المقاييس.

Ars Technica
موجة حرارة وارتفاع درجات الحرارة العالمية

أغسطس 2026 الأشد حرارة في تاريخ القياسات المناخية وفق بيانات كوبرنيكوس

سجّل أغسطس 2026 رقماً قياسياً غير مسبوق في متوسط درجات الحرارة العالمية وفق بيانات خدمة كوبرنيكوس الأوروبية، في ظل تضافر تأثيرات تغيّر المناخ وظاهرة النينيو المتنامية.

Wired
صورة ثقب أسود هائل

رياح الثقب الأسود الهائل أقوى بمئة مرة مما ظنّه العلماء

رصد علماء فلك باستخدام مهمة تصوير الأشعة السينية والمطيافية (إكسريزم) رياحاً صادرة عن ثقب أسود هائل تفوق طاقتها التقديرات السابقة بمئة مرة، وتمتد اضطراباتها نحو ثلاثمئة ألف سنة ضوئية خارج المجرة المضيفة.

ScienceDaily