خوارزمية كمية تحلّ في ثوانٍ مسألة فيزيائية عجزت عنها أقوى الحواسيب العملاقة
باحثون في جامعة آلتو الفنلندية يطوّرون خوارزمية مستوحاة من الحوسبة الكمية تُحاكي أشباه البلورات الطوبولوجية بأكثر من 268 مليون موقع حسابي في وقت قياسي.

واجه علماء الفيزياء الحسابية لعقود مسألة مُحيّرة: كيف تُحاكي موادَّ غير دورية كأشباه البلورات يحتاج تمثيلها الرياضي إلى معالجة ما يزيد على كوادريليون عدد؟ الحواسيب العملاقة التقليدية تعجز أمام مثل هذه التعقيدات. لكن فريقاً من جامعة آلتو (Aalto University) الفنلندية قلب المعادلة كلياً بخوارزمية مستوحاة من مبادئ الحوسبة الكمية.
تعتمد الخوارزمية الجديدة على ما يُعرف بشبكات الموترات، وهو إطار رياضي يسمح بتمثيل الفضاءات الحسابية الأسّية الضخمة المرتبطة بأنظمة الكم ذات الأجسام المتعددة. وباستغلال هذه البنية الرياضية، تمكّن الباحثون من محاكاة أشباه البلورات الطوبولوجية التي تضم أكثر من 268 مليون موقع حسابي، وهو ما يتجاوز بمراحل حدود ما يمكن لأي حاسوب عملاق كلاسيكي التعامل معه بكفاءة.
شبه البلورات (Quasicrystals) مواد صلبة غريبة تتميز بتنظيم ذري طويل المدى لكنه غير دوري، بخلاف البلورات العادية التي تتكرر في نمط منتظم. اعتُقد لفترة طويلة أن وجود مثل هذه المواد مستحيل، حتى اكتشفها العالم دان شيختمان عام 1984 بما أكسبه جائزة نوبل للكيمياء. وتُعرف الأنواع الطوبولوجية منها بخصائص إيصالية استثنائية مقاومة للاضطرابات، مما يجعلها مرشّحة لتطبيقات في إلكترونيات لا تُبدّد طاقة.
يقول الباحث تياغو أنتاو: تعمل الحواسيب الكمية في فضاءات حسابية أسّية الحجم، لذا استخدمنا عائلة خاصة من الخوارزميات تُعرف بشبكات الموترات لترميز تلك الفضاءات. وتكمن أهمية هذا التطور في أنه لا يتطلب حاسوباً كمياً فعلياً متاحاً اليوم، بل يُطبّق المبادئ الرياضية الكمية على الأجهزة الكلاسيكية الراهنة.
ومع ذلك، لا يُخفي الفريق طموحاته المستقبلية: يؤكد الباحث خوسيه لادو أن هذه الخوارزمية قابلة للتكيّف مع الحواسيب الكمية الحقيقية حين تبلغ المستوى الضروري من الحجم والجودة. ويُضيف أن نجاح هذا البحث يفتح حلقة تغذية راجعة منتجة: فمحاكاة مواد كمية جديدة تُعين في تصميم بنى معمارية أفضل للبتات الكمية الطوبولوجية، التي بدورها تُعزز قدرة الحوسبة الكمية على محاكاة مواد أكثر تعقيداً.
نُشرت نتائج البحث في مجلة Physical Review Letters المحكّمة، وأثارت إعجاب المحررين بحيث استحقت وسم اقتراح المحررين، وهو تمييز نادر لا يُمنح إلا لأبحاث ذات أهمية استثنائية.
تتقاطع هذه التطورات مع طموحات عربية متصاعدة في الحوسبة الكمية؛ فقد أعلنت أرامكو السعودية شراكتها مع باسكال الفرنسية لبناء أول حاسوب كمي في المنطقة، فيما أطلقت الإمارات مركز التميز في الحوسبة الكمية ضمن جامعة خليفة، وانضمت قطر إلى مبادرات بحثية مع IBM. ويعني هذا الإنجاز للباحثين العرب أن النوافذ التطبيقية للحاسوب الكمي بدأت تتسع فعلياً من النظري إلى العملي، بما يُعزّز جدوى الاستثمار في الكوادر الوطنية في علوم المواد وأشباه الموصلات.
يقع هذا الإنجاز في قلب سعي أوسع لبناء أجهزة إلكترونية لا تُبدّد طاقة، مما قد يُسهم على المدى البعيد في تخفيض الاستهلاك الهائل للطاقة في مراكز البيانات التي تُشغّل بنية الذكاء الاصطناعي العالمية. كما تمتد التطبيقات المحتملة إلى أشباه الموصلات المتقدمة التي تعتمد عليها كل أجهزة الحوسبة الحديثة.
المزيد من علوم

باحثو MIT يقترحون أقماراً اصطناعية صغيرة لكشف الأسلحة النووية المدارية
نشر باحثو معهد ماساتشوستس في مجلة Nature Astronomy خطةً لنشر أقمار كيوبسات مزودة بكواشف نيوترونية قادرة على رصد الرؤوس الحربية النووية في المدار الأرضي.

علماء الفلك يكتشفون أربعة أقزام بيضاء مختبئة على مقربة من مجموعتنا الشمسية
كشف فريق بحثي دولي باستخدام مرقاب هابل عن أربعة أقزام بيضاء مخفية خلف أقزام حمراء في نظم نجمية ثنائية ضمن نطاق 65 سنة ضوئية من الشمس، أحدها على بُعد 25 سنة ضوئية فحسب.

باحث يطعن في فرضية تورينج الكبرى: هل ضلّ الذكاء الاصطناعي طريقه منذ 75 عاماً؟
عالم الحاسوب بيتر دينينج يجادل بأن افتراضَي تورينج الأساسيين المتعلقَين بالذكاء المجرّد ومحاكاة اللغة قد وجّها البحث التقني في الاتجاه الخاطئ، وأن المعرفة الضمنية البشرية لا يمكن رقمنتها مهما اتسعت النماذج.