هل تسرق روبوتات الدردشة الذكية قدرتنا على التفكير والتركيز؟
عالمة نفس من UC Irvine تُطلق تحذيرات من الإسناد المعرفي المفرط لأدوات الذكاء الاصطناعي، مستندةً إلى بيانات تُظهر تراجع متوسط فترة التركيز من دقيقتين ونصف في 2003 إلى 47 ثانية فقط بحلول 2020.

في وقت تتسابق فيه شركات التكنولوجيا على تقديم النماذج اللغوية الكبيرة والمساعدين الذكيين التوليديين، يطرح بعض علماء النفس تساؤلات جوهرية: هل نحن نُفوِّض تفكيرنا إلى الآلة؟ وهل يدفعنا ذلك ثمنًا معرفيًا خفيًا؟
تُجيب غلوريا مارك، عالمة النفس في جامعة كاليفورنيا في إيرفاين والمتخصصة في دراسة تأثير التقنيات الرقمية على الإدراك الإنساني، بقلق بالغ. وقد تتبّعت مارك على مدى ثلاثة عقود كيف تُغيّر الشاشات والأجهزة الذكية قدراتنا الذهنية، وخلصت إلى أن متوسط فترة التركيز انهار بشكل مذهل: من دقيقتين ونصف في عام 2003، إلى 75 ثانية في 2012، ثم 47 ثانية بين 2014 و2020. وهو تراجع بنسبة تزيد على 70% في غضون سبعة عشر عامًا.
المسألة عندها لا تتعلق بتشتت الانتباه وحده، بل بمبدأ أعمق يُسميه علماء الإدراك الإسناد المعرفي: ميل الإنسان إلى الاستعانة بأدوات خارجية لمعالجة المعلومات بدلًا من الذاكرة والتفكير الداخلي. اعتمد البشر على هذا الأسلوب منذ القدم، من الكتابة وصولًا إلى الحاسب. لكن القلق اليوم هو أن أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي تُؤدّي هذا الدور بسرعة ودقة غير مسبوقة، مما قد يجعل الاستغناء عن الجهد المعرفي الذاتي أمرًا في متناول اليد في كل لحظة.
تُحذّر مارك من أن الاعتماد المفرط يُقلّل ما تُسميه "عمق المعالجة"، أي الانخراط الذهني النشط الضروري للتعلم والفهم الحقيقي. فحين تطلب من روبوت دردشة تلخيص نص أو كتابة بريد إلكتروني أو حل مسألة، تتفوّت على دماغك الجهد المعرفي الذي يُعزّز الفهم ويبني الروابط والذاكرة. وتُشبّه ذلك بتضامر العضلات حين تتوقف عن تمريناتها.
البيانات التي تستشهد بها مارك تُشير إلى تراجعات موازية في القدرات المعرفية: انخفاض في الذكاء العاطفي، وارتفاع في معدلات الشعور بالوحدة والملل، وتراجع في الإحساس بالهدف الشخصي. وهي تعترف بأن التقنية ليست السبب الوحيد، لكنها ترى فيها عاملًا مُسرِّعًا.
في السياق الأوسع، كشفت الدعاوى القضائية الأخيرة ضد شركات التواصل الاجتماعي كميتا ويوتيوب عن حجم المخاوف المتعلقة بالتأثيرات النفسية للتقنيات الرقمية. وقد تسوّت شركة ميتا مع أحد أحياء ولاية كنتاكي في دعوى تطالب بأكثر من 60 مليون دولار تعويضًا عن تكاليف الصحة النفسية.
في العالم العربي، تطرح هذه التساؤلات أبعادًا إضافية على صعيد التعليم؛ فمبادرات كمنصة مدرستي في السعودية وبرنامج محمد بن راشد للتعليم الذكي في الإمارات تُوظّف الذكاء الاصطناعي بوصفه رافدًا تعليميًا. بيد أن الحد الفاصل بين الاستعانة المُثمرة والاتكاء المُضعِف يظل إشكاليةً منهجية تستلزم من المنظومة التعليمية العربية وضع أُطر واضحة للاستخدام النقدي الواعي لهذه الأدوات.
غير أن موقف مارك ليس عدائيًا تجاه التقنية. فهي لا تدعو إلى نبذ أدوات الذكاء الاصطناعي، بل إلى استعادة الصحة المعرفية عبر تكريس عادات يومية تتطلب جهدًا ذهنيًا حقيقيًا: قراءة الكتب، واللقاءات المباشرة بين الناس، والتنقل دون إرشادات GPS. وتختم: "علينا أن نتعلم كيف نبني عادات حياتية جديدة". والرسالة تطال المطوّرين أيضًا، الذين باتوا أمام مسؤولية أخلاقية في تصميم أدوات تُحفّز التفكير النقدي بدلًا من تعطيله.
المزيد من ذكاء اصطناعي

قاضية أمريكية تُجيز تسوية تاريخية بمليار ونصف دولار في قضية حقوق النشر ضد أنثروبيك
أقرّت محكمة فيدرالية أمريكية تسوية بقيمة 1.5 مليار دولار بين شركة أنثروبيك ومؤلفين ودور نشر، في ما يُعدّ أكبر تسوية في تاريخ قانون حقوق النشر الأمريكي.

دراسة: نماذج الذكاء الاصطناعي أشد تحيزاً من البشر في قرارات التوظيف
تكشف دراسة من جامعتَي برينستون وشيكاغو أن النماذج اللغوية الكبرى تُشكّل تحيزات عرقية في التوظيف تفوق تلك التي يُبديها البشر بنحو 65%، وأن قدرات التفكير المتقدمة تُعمّق هذا التحيز.

علماء يختبرون طريقتين واعدتين لتدمير المواد الكيميائية الفلورية الدائمة في المياه
طوّر باحثون ألمان أسلوبَي التجويف الهيدروديناميكي والبلازما الباردة لتحليل مركبات PFAS الخطيرة في المياه، في خطوة نحو حماية مصادر المياه العالمية من التلوث الدائم.

تحذير علمي: مياه الأرض تفقد أكسجينها والأنظمة البيئية في خطر متصاعد
يُحذّر علماء من تصاعد ظاهرة نزع الأكسجين من المحيطات والبحيرات والأنهار، مطالبين بإدراجها رسمياً في إطار الحدود الكوكبية الذي يرصد مؤشرات الاستقرار البيئي للأرض.

اكتشاف مفاجئ: خلايا مناعية في الدماغ تسرق النوم من مرضى الزهايمر
تكشف دراسة جديدة أن الخلايا الدبقية الصغيرة المُفرطة النشاط، لا اللويحات الأميلويدية، هي المتسبب الحقيقي في فقدان النوم لدى مرضى الزهايمر، مما يفتح آفاقاً علاجية واعدة.

كمبيوتر محمول عادي يحل مسألة ظنّ العلماء أنها تستلزم حاسوباً كمومياً
أثبت باحثون أن شبكات الموترات تُمكّن الحواسيب الكلاسيكية من محاكاة أنظمة البتات الكمومية المتشابكة بدقة عالية، مما يُعيد رسم حدود ما يختص به الحاسوب الكمومي دون غيره.