هل الدماغ مُولِّد للوعي أم مجرد وسيط؟ عالم أعصاب يُعيد طرح سؤال القرن
يتحدى عالم الأعصاب كريستوف كوك الافتراض المادي بأن الدماغ يُنتج الوعي، مستنداً إلى ظواهر علمية معقدة كالوضوح الذهني الأخير وتجارب الاقتراب من الموت ونظرية المعلومات المتكاملة.

ثمة سؤال حمله الفلاسفة منذ آلاف السنين ويحاول العلماء الإجابة عنه منذ عقود: لماذا يشعر الإنسان بأي شيء أصلاً؟ ليس كيف يرصد الدماغ ألماً أو يرى لوناً، بل لماذا يكون لهذا الرصد طعم داخلي وتجربة ذاتية؟
هذا ما يُسمى المشكلة الصعبة للوعي، وهو محور ما طرحه عالم الأعصاب البارز كريستوف كوك في ندوة «ما وراء الدماغ وما بعده»، المنظمة من قِبل مؤسسة BIAL، حين استفزّ الجمهور بسؤال مقلوب: ماذا لو كان الدماغ لا يُنتج الوعي، بل يكتفي بالتوسط فيه؟
كوك، الذي أمضى عقوداً يدرس الارتباطات العصبية للوعي، لا يطرح هذا السؤال من موقع التشكيك الفلسفي العابر. فهو يستند إلى حقيقة محرجة للعلم: حتى اليوم، لا تفسير ناجع ومقبول على نطاق واسع يُجيب عن كيفية أن النشاط الكهروكيميائي في الأعصاب يُوجد «شعوراً بكينونة» ما.
العلم أنجز الكثير في هذا الميدان: يستطيع رسم خريطة مناطق الدماغ المرتبطة بالبصر أو الذاكرة أو الألم. لكنه لم يُفسّر بعد لماذا يُصاحب هذا النشاط تجربةٌ من منظور الأول. رؤية اللون الأحمر شيء، والشعور بأن «هذا أحمر» شيء آخر.
يستحضر كوك ثلاثة مجالات يرى فيها علامات على محدودية الإطار المادي: أولها تجارب الاقتراب من الموت، حيث يُفيد أشخاص بتجارب ذاتية حية رغم توقف النشاط الدماغي ظاهرياً. وثانيها ظاهرة الوضوح الذهني الأخير، حين يستعيد بعض المرضى المصابين بالخرف المتقدم وضوحهم العقلي فجأةً قُبيل الوفاة بقليل، في ما يُحيّر الأطباء إذ لا تُفسّره الأنظمة الدماغية المتدهورة. وثالثها أسئلة الفيزياء الحديثة حول طبيعة الواقع وما إذا كان الوعي جزءاً من بنيته الأساسية.
يميل كوك نحو نظرية المعلومات المتكاملة التي تُقدّم مقياساً رياضياً للوعي استناداً إلى درجة تكامل المعلومات في أي منظومة. وما يجعل هذه النظرية مثيرة هو أنها تُتيح نظرياً قدراً من الوعي في أنظمة غير بيولوجية، وهو ما يتقاطع مع الشعورية الكونية كموقف فلسفي يرى الوعي صفةً منتشرة في الوجود لا حكراً على الكائنات الحية.
ما يُضفي على هذا الجدل ثقلاً عملياً هو ارتباطه المباشر بسؤال الوعي في المرضى غير المستجيبين. إن كان الوعي ممكناً دون نشاط خارجي ملاحظ، فهذا يدعو إلى إعادة النظر في كيفية التعامل مع مرضى الغيبوبة والحالات العصبية المعقدة، وهو ما يشغل كوك وفريقه بحثياً في تطوير أدوات لكشف الوعي الخفي.
على الصعيد العربي والإسلامي، يستعيد هذا النقاش جذوره في تراث فلسفي عريق؛ فابن سينا أسّس لمفهوم «الإنسان الطائر» في القرن الحادي عشر، وهو تجربة فكرية سبقت التأملات الغربية الحديثة في الوعي الذاتي. وتتقاطع نظرية المعلومات المتكاملة اليوم مع تساؤلات المجمع الفقهي الإسلامي بشأن تحديد لحظة الوفاة الدماغية ومعايير الوعي في المرضى غير المستجيبين، وهي تساؤلات ذات تبعات قانونية وأخلاقية وطبية مباشرة في المستشفيات العربية.
الجدل لن يُحسم قريباً، لكن ما يُقدمه كوك هو شيء نادر في علم يُفضّل اليقين: دعوة صريحة لمواجهة حدود الإطار المادي بدلاً من التعايش الصامت معها. وفي حقبة يتصاعد فيها النقاش حول وعي الذكاء الاصطناعي وإمكانية التجربة الذاتية في الآلات، تغدو هذه الأسئلة ذات رهانات أبعد مما كانت في أي وقت مضى.
المزيد من علوم

خلايا شمسية من البيروفسكيت تولّد الكهرباء تحت الماء
طوّر باحثون خلايا شمسية من مادة البيروفسكيت قادرة على توليد الكهرباء في البيئات المائية، بعد تحقيق إنجاز في تعزيز ثبات هذه المادة أمام الرطوبة، مما يفتح آفاقاً لتشغيل أجهزة الاستشعار البحرية وأجهزة إنترنت الأشياء.

صراصير إلكتروبيولوجية تتجاوز الأنقاض لإنقاذ ضحايا الكوارث
فريق بحثي أسترالي يطوّر كائنات إلكتروبيولوجية مزوّدة بكاميرات وآليات حقن تلقائي للبحث عن ضحايا الكوارث وتقديم الإسعافات الأولية لهم

علماء يعكسون الشيخوخة البيولوجية في أربعة أسابيع بتغيير النظام الغذائي
دراسة أسترالية تكشف أن تعديل النظام الغذائي لدى من هم بين 65 و75 عاماً يُخفّض العمر البيولوجي في أربعة أسابيع، بتقليص الدهون أو البروتين الحيواني

تحديث نموذج الذكاء الاصطناعي لتوقعات الطقس من غوغل يرفع دقة التنبؤات
أعلنت غوغل عن تحديث جوهري لنموذجها للذكاء الاصطناعي الحدّي المخصص للتنبؤ بالطقس، إذ بات يعتمد على كميات أكبر من بيانات الأقمار الصناعية الخام، مما يرفع دقة توقعاته ويقترب بأدائه من النماذج التقليدية بل يتجاوزها في بعض المقاييس.

أغسطس 2026 الأشد حرارة في تاريخ القياسات المناخية وفق بيانات كوبرنيكوس
سجّل أغسطس 2026 رقماً قياسياً غير مسبوق في متوسط درجات الحرارة العالمية وفق بيانات خدمة كوبرنيكوس الأوروبية، في ظل تضافر تأثيرات تغيّر المناخ وظاهرة النينيو المتنامية.
رياح الثقب الأسود الهائل أقوى بمئة مرة مما ظنّه العلماء
رصد علماء فلك باستخدام مهمة تصوير الأشعة السينية والمطيافية (إكسريزم) رياحاً صادرة عن ثقب أسود هائل تفوق طاقتها التقديرات السابقة بمئة مرة، وتمتد اضطراباتها نحو ثلاثمئة ألف سنة ضوئية خارج المجرة المضيفة.