فيزيائيون يُنشئون كوناً مصغراً يظهر فيه الزمن دون ساعة خارجية

نجح فريق من جامعة برمنغهام في إنشاء كون مصغر من 24 ألف ذرة شديدة البرودة يُثبت أن الزمن يمكن أن ينبثق تلقائياً من داخل النظام الكمي ذاته دون الحاجة إلى مرجع خارجي.

تحرير
ألمعي · هيئة التحرير
النشر
١٠ يوليو ٢٠٢٦
المصدر
ScienceDaily
القراءات
٠
الوقت
قراءة 3 دقائق
تمثيل فني لكون مصغر من الذرات شديدة البرودة

منذ أن طرح الفيزيائيون النظريون معادلة ويلر-ديويت في ستينيات القرن الماضي، ظلت إشكالية فلسفية عميقة تُربك علماء الكونيات الكمية: إذا كان الكون يصف نفسه بمعادلة لا تتضمن متغير الزمن، فكيف نُفسّر وجود الزمن واتجاهه؟ اليوم، تقترب الإجابة خطوةً مهمة بفضل تجربة مثيرة أجراها فريق من جامعة برمنغهام البريطانية.

كون مصغر في المختبر

نجح الأستاذ جيوفاني بارونتيني وزملاؤه في إنشاء ما وصفوه بـ«الكون المصغر» المختبري، باستخدام 24 ألف ذرة شديدة البرودة يُبرَّد بعضها بالليزر إلى درجات حرارة تقترب من الصفر المطلق بمليار جزء من الدرجة. نُشرت نتائج هذه التجربة في دورية Physical Review Research.

عزل الفريق هذه الذرات بحواجز من أشعة الليزر، مُقسِّماً النظام إلى منطقتين: «مضيئة» يُراقبها الباحثون، و«مظلمة» لا يُدخلون عليها أي رصد. ثم تركوا النظام يتطور وحده دون الاستناد إلى أي ساعة خارجية.

كيف ينبثق الزمن؟

ما رصده الفريق مذهل في بساطته ودلالاته: حين تنتقل الذرات بين المنطقتين وتتغير توزيعاتها، ينشأ ما يُسمى الزمن الإنتروبي؛ وهو اتجاه زمني طبيعي يرتبط بتزايد الإنتروبيا (الفوضى) داخل النظام لا بمرجع خارجي. وحين تتوقف هذه الذرات عن التحرك وتثبت توزيعاتها، يتوقف الزمن فعلياً بالنسبة لهذا النظام.

أظهرت التجربة أيضاً أن النظام يمر بدورات تُشبه الانفجار العظيم ثم الانهيار الكبير: تتوسع التوزيعات ثم تتقلص، في تشابه لافت مع نظريات السيناريوهات الكونية المحتملة.

الأهمية الكونية: لماذا يهمنا هذا؟

تُقدم هذه التجربة دليلاً تجريبياً لأول مرة على أن معادلة شرودينغر تعمل باستخدام الزمن الإنتروبي بدلاً من الوقت الكلاسيكي، وهو ما كان مجرد افتراض نظري لعقود. ويعني ذلك أن الزمن قد لا يكون جوهراً ثابتاً في نسيج الكون، بل نتيجةً ناشئة عن التغيرات التي تحدث داخل المنظومات المادية.

يُعالج هذا البحث أحد أعمق الأسئلة في الفيزياء النظرية، وهو ما يُعرف بـ«مشكلة الزمن»: ميكانيكا الكم والنسبية العامة تتعارضان في معاملة الزمن؛ الأولى تتعامل معه كمتغير مستقل خارجي، والثانية تدمجه في نسيج الزمكان المرن. تقترح نتائج جامعة برمنغهام أن ميكانيكا الكم بإمكانها العمل بدون الزمن الخارجي أصلاً.

سهم الزمن ومستقبل البحث

تُفسّر هذه الدراسة أيضاً ما يُعرف بـ«سهم الزمن»، أي ما يجعل الزمن يتدفق من الماضي إلى المستقبل لا العكس. في النظام الكوني المصغر، وجد الباحثون أن هذا التدفق ينبثق من التوزيع الأولي للذرات ومن المعلومات المتاحة للمراقب، لا من قانون خارجي مفروض على النظام.

يفتح هذا الكون المصغر الباب أمام نظرة جديدة إلى الكونيات الكمية: دراسة تكون الزمن في بدايات الكون، وفهم ما حدث لحظة الانفجار العظيم حين لم يكن ثمة ساعة كونية جاهزة، وحتى استكشاف ظروف تقارب الثقوب السوداء الفائقة.

تتشابك هذه الأبحاث العميقة مع مسيرة العلم العربي المتنامية في الفيزياء والكونيات؛ فجامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية (كاوست) في المملكة العربية السعودية تُصنَّف بين كبريات مراكز الأبحاث عالمياً وتنضم إلى شبكات بحثية دولية تدرس نظريات ما وراء نموذج الكون القياسي. ويُولي علماء عرب في جامعات الإمارات والكويت اهتماماً متزايداً بالكونيات الكمية وما تطرحه من إشكاليات حول ماهية الزمن ومنشأ الوجود، في تقاطع عجيب بين التساؤل الفلسفي العميق وأحدث مناهج الفيزياء النظرية.

يُخطط بارونتيني وفريقه لإجراء تجارب أكثر تعقيداً باستخدام أنظمة كمية أكبر، آملين في استكشاف نظريات الجاذبية الكمية الكبرى كنظرية الأوتار الفائقة وميكانيكا الكم الحلقية، التي تتنبأ كلها بأن الزمن ليس أساسياً بل مشتقاً. قد يكون العلماء اليوم قد خطوا أول خطواتهم نحو إثبات أن الكون لا يحتاج ساعةً ليعيش.

المصدر الأصلي
ScienceDaily
قراءة المقال الأصلي ↗
قصة اليوم · كل صباح

أعجبك التقرير؟ استلم واحداً كل صباح.

قصةٌ تقنية واحدة تستحقّ وقتك، بالعربية. بلا إعلانات، بلا إزعاج.

بلا إعلانات · إلغاء الاشتراك بنقرة واحدة · بياناتك آمنة

اقرأ أيضًا

المزيد من علوم

صورة رنين مغناطيسي للدماغ البشري تُبرز منطقة الحصين

جين ألزهايمر APOE4 يُقلّص الخلايا العصبية في الحُصين بسنوات قبل ظهور الأعراض

كشف باحثو معهد غلادستون أن الجين APOE4 يرفع مستوى بروتين Nell2 مما يُسبب انكماش الخلايا العصبية وفرط نشاطها في الحُصين سنوات قبل بدء فقدان الذاكرة، مع بصيص أمل بإمكانية عكس هذا الضرر.

ScienceDaily
مختبر بحثي متخصص في الأبحاث الدوائية والأيض

مركب كيميائي يحرق الدهون دون خسارة العضلات ويُعزّز مفعول أدوية أوزمبيك

أثبت مركب TOFA في تجارب الفئران قدرته على رفع معدل حرق الطاقة بنسبة 18% وتقليص الدهون دون إضرار بالعضلات، مع تأثير تآزري مُبهر حين يُقرن بناهضات مستقبل GLP-1 كأوزمبيك.

ScienceDaily
تصادمات نوى الأكسجين والنيون في تجربة ALICE بسيرن لتوليد بلازما الكواركات والغلوونات

انفجار عظيم مصغّر في مختبر سيرن: فيزيائيون يُعيدون صنع مادة الكون الأولى بنوى صغيرة

نجح فيزيائيون في سيرن باستخدام نوى الأكسجين والنيون الصغيرة في توليد بلازما الكواركات والغلوونات، مادة الكون اللحظات الأولى بعد الانفجار العظيم، في إنجاز يُعيد رسم حدود هذه الظاهرة الفيزيائية النادرة.

ScienceDaily
تمثيل بصري للحمض النووي والتعبير الجيني

الذكاء الاصطناعي يفك شفرة مفتاح إقلاع الجينات البشرية في الحمض النووي

نجح باحثون من جامعة كاليفورنيا سان دييغو في تحديد نمط الحمض النووي المعروف بالعنصر المُبادر الذي يتحكم في بدء التعبير الجيني في 60% من جينات الإنسان، وذلك بمساعدة نماذج تعلم آلي دُرِّبت على نصف مليون تسلسل جيني.

ScienceDaily
قرش غرينلاند في أعماق المحيط المتجمد الشمالي

أسرار عيون قرش غرينلاند: كيف يحافظ على إبصاره أربعة قرون؟

كشف علماء من جامعة كاليفورنيا في إيرفاين أن قرش غرينلاند أطول الفقاريات عمراً يحافظ على أنسجة شبكية العين وبروتين الرودوبسين صحيحين عبر قرون بفضل آليات إصلاح الحمض النووي.

ScienceDaily
نموذج دماغ بشري محاط بحروف متعددة اللغات

الناطقون بأربع لغات يمتلكون أدمغةً أصغر سناً بثلاثة عشر عاماً

تكشف دراسة قُدّمت في مؤتمر FENS 2026 أن التعدد اللغوي يُبطّئ شيخوخة الدماغ مع تحسّن يصل إلى 13 عاماً في أصحاب الأربع لغات مقارنةً بأحادي اللغة وفق ساعة الشيخوخة الدماغية.

ScienceDaily