فيزيائيون يُنشئون كوناً مصغراً يظهر فيه الزمن دون ساعة خارجية
نجح فريق من جامعة برمنغهام في إنشاء كون مصغر من 24 ألف ذرة شديدة البرودة يُثبت أن الزمن يمكن أن ينبثق تلقائياً من داخل النظام الكمي ذاته دون الحاجة إلى مرجع خارجي.

منذ أن طرح الفيزيائيون النظريون معادلة ويلر-ديويت في ستينيات القرن الماضي، ظلت إشكالية فلسفية عميقة تُربك علماء الكونيات الكمية: إذا كان الكون يصف نفسه بمعادلة لا تتضمن متغير الزمن، فكيف نُفسّر وجود الزمن واتجاهه؟ اليوم، تقترب الإجابة خطوةً مهمة بفضل تجربة مثيرة أجراها فريق من جامعة برمنغهام البريطانية.
كون مصغر في المختبر
نجح الأستاذ جيوفاني بارونتيني وزملاؤه في إنشاء ما وصفوه بـ«الكون المصغر» المختبري، باستخدام 24 ألف ذرة شديدة البرودة يُبرَّد بعضها بالليزر إلى درجات حرارة تقترب من الصفر المطلق بمليار جزء من الدرجة. نُشرت نتائج هذه التجربة في دورية Physical Review Research.
عزل الفريق هذه الذرات بحواجز من أشعة الليزر، مُقسِّماً النظام إلى منطقتين: «مضيئة» يُراقبها الباحثون، و«مظلمة» لا يُدخلون عليها أي رصد. ثم تركوا النظام يتطور وحده دون الاستناد إلى أي ساعة خارجية.
كيف ينبثق الزمن؟
ما رصده الفريق مذهل في بساطته ودلالاته: حين تنتقل الذرات بين المنطقتين وتتغير توزيعاتها، ينشأ ما يُسمى الزمن الإنتروبي؛ وهو اتجاه زمني طبيعي يرتبط بتزايد الإنتروبيا (الفوضى) داخل النظام لا بمرجع خارجي. وحين تتوقف هذه الذرات عن التحرك وتثبت توزيعاتها، يتوقف الزمن فعلياً بالنسبة لهذا النظام.
أظهرت التجربة أيضاً أن النظام يمر بدورات تُشبه الانفجار العظيم ثم الانهيار الكبير: تتوسع التوزيعات ثم تتقلص، في تشابه لافت مع نظريات السيناريوهات الكونية المحتملة.
الأهمية الكونية: لماذا يهمنا هذا؟
تُقدم هذه التجربة دليلاً تجريبياً لأول مرة على أن معادلة شرودينغر تعمل باستخدام الزمن الإنتروبي بدلاً من الوقت الكلاسيكي، وهو ما كان مجرد افتراض نظري لعقود. ويعني ذلك أن الزمن قد لا يكون جوهراً ثابتاً في نسيج الكون، بل نتيجةً ناشئة عن التغيرات التي تحدث داخل المنظومات المادية.
يُعالج هذا البحث أحد أعمق الأسئلة في الفيزياء النظرية، وهو ما يُعرف بـ«مشكلة الزمن»: ميكانيكا الكم والنسبية العامة تتعارضان في معاملة الزمن؛ الأولى تتعامل معه كمتغير مستقل خارجي، والثانية تدمجه في نسيج الزمكان المرن. تقترح نتائج جامعة برمنغهام أن ميكانيكا الكم بإمكانها العمل بدون الزمن الخارجي أصلاً.
سهم الزمن ومستقبل البحث
تُفسّر هذه الدراسة أيضاً ما يُعرف بـ«سهم الزمن»، أي ما يجعل الزمن يتدفق من الماضي إلى المستقبل لا العكس. في النظام الكوني المصغر، وجد الباحثون أن هذا التدفق ينبثق من التوزيع الأولي للذرات ومن المعلومات المتاحة للمراقب، لا من قانون خارجي مفروض على النظام.
يفتح هذا الكون المصغر الباب أمام نظرة جديدة إلى الكونيات الكمية: دراسة تكون الزمن في بدايات الكون، وفهم ما حدث لحظة الانفجار العظيم حين لم يكن ثمة ساعة كونية جاهزة، وحتى استكشاف ظروف تقارب الثقوب السوداء الفائقة.
تتشابك هذه الأبحاث العميقة مع مسيرة العلم العربي المتنامية في الفيزياء والكونيات؛ فجامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية (كاوست) في المملكة العربية السعودية تُصنَّف بين كبريات مراكز الأبحاث عالمياً وتنضم إلى شبكات بحثية دولية تدرس نظريات ما وراء نموذج الكون القياسي. ويُولي علماء عرب في جامعات الإمارات والكويت اهتماماً متزايداً بالكونيات الكمية وما تطرحه من إشكاليات حول ماهية الزمن ومنشأ الوجود، في تقاطع عجيب بين التساؤل الفلسفي العميق وأحدث مناهج الفيزياء النظرية.
يُخطط بارونتيني وفريقه لإجراء تجارب أكثر تعقيداً باستخدام أنظمة كمية أكبر، آملين في استكشاف نظريات الجاذبية الكمية الكبرى كنظرية الأوتار الفائقة وميكانيكا الكم الحلقية، التي تتنبأ كلها بأن الزمن ليس أساسياً بل مشتقاً. قد يكون العلماء اليوم قد خطوا أول خطواتهم نحو إثبات أن الكون لا يحتاج ساعةً ليعيش.
المزيد من علوم

تلسكوب إقليدس يرصد 31 كوازاراً من أقدم الأجرام في الكون ويتحدى نظريات التكوين
رصد تلسكوب إقليدس الفضائي 31 كوازاراً من الأقدم في تاريخ الكون مُعظمها حين كان عمر الكون 670 مليون سنة فحسب، وأجرامها المضيئة المدعومة بثقوب سوداء هائلة تُثير تساؤلات عميقة حول سرعة نشوء الكون.

أربعة مفاعلات نووية صغرى تبلغ الحرجية في الولايات المتحدة قبل موعدها المحدد
بلغت أربعة مفاعلات نووية صغرى أمريكية مرحلة الحرجية النووية بحلول الرابع من يوليو 2026، متجاوزةً هدف الحكومة الأمريكية، غير أن خبراء يُحذّرون من أن الطريق إلى توليد الكهرباء الفعلي لا يزال طويلاً.

كوكب محاصر في نهار أبدي قد يُؤوي الحياة بفضل تدفق حراري ثابت
كشفت دراسة جديدة أن الكوكب المقيّد مداً LHS 3844b، الذي يواجه نجمه بنفس الوجه دائماً، قد يُوفر بيئات صالحة للحياة في مناطق خطوط عرضه الوسطى بفضل دوران داخلي حراري مستقر.