أول دليل قاطع على التشابك الكمومي في بلورة بالغة الحجم قابلة للإمساك باليد
رصد علماء في فيينا دليلاً واضحاً على التشابك الكمومي في بلورة بحجم النملة من المعادن الغريبة، مُثبتين أن الظواهر الكمومية ليست حكراً على الجسيمات المنفردة.

في إنجازٍ يُعيد رسم الحدود بين عالمَي الفيزياء الكلاسيكية والكمومية، رصد علماء من جامعة التكنولوجيا في فيينا، بالتعاون مع زملاء من جامعة كيوتو اليابانية، التشابكَ الكمومي في بلورة متعددة الجسيمات يُمكن الإمساك بها باليد، وهي أكبر عينة صلبة تُظهر هذا النوع من الظواهر الكمومية حتى الآن. نُشر البحث في دورية علمية محكّمة، مُفجّراً نقاشات واسعة في أوساط فيزياء المادة المكثفة.
البلورة محلّ الدراسة مُؤلَّفة من خليط عناصر السيريوم والبلاديوم والسيليكون، وتنتمي إلى فئة فيزيائية استثنائية تُعرف بـ"المعادن الغريبة". ما يُميّز هذه المعادن هو سلوكها الكهربائي الشاذ: علاقتها بين المقاومة ودرجة الحرارة تخالف قوانين الفيزياء الكلاسيكية بطرق غير مفهومة، وهي ما تجعلها موضوع دراسة مكثفة منذ عقود لارتباطها المحتمل بظاهرة الموصلية الفائقة في درجات حرارة مرتفعة.
لاكتشاف التشابك الكمومي، استخدم الفريق تقنيةً تُسمى "معلومات فيشر الكمومية"، وهي مقياس رياضي يُحدّد درجة التشابك في منظومة جسيمات متعددة. وأثبتت القياسات التي أُجريت باستخدام تشتيت النيوترونات أن ما لا يقل عن تسعة جسيمات في البلورة تتصرف بصورة جماعية مترابطة في إطار تشابك كمومي ليس له تفسير كلاسيكي.
تأتي أهمية هذا الاكتشاف من أنه يُثبت ما كان موضع جدل نظري: أن التشابك الكمومي ليس ظاهرةً محصورة في الجسيمات المنفردة كالإلكترونات والفوتونات في المختبرات المعزولة، بل يمكن أن يشمل مجموعات كبيرة من الجسيمات في مادة صلبة حقيقية قابلة للتعامل معها في البيئات الاعتيادية.
هذا الاكتشاف يُلقي ضوءاً على لغز المعادن الغريبة؛ إذ تُرجّح إحدى النظريات الرائدة أن سلوكها الكهربائي الشاذ مرتبط بالتشابك الكمومي بين الإلكترونات. وإن صحّت هذه النظرية، فإن البحث يُقدّم أولى الأدلة التجريبية المباشرة التي تُسنّد هذا التفسير في عينة فعلية.
على صعيد التطبيقات، تنفتح إمكانيات واعدة في القياس الكمومي؛ فالمواد التي تُظهر التشابك الكمومي في درجات الحرارة الاعتيادية أو القريبة منها تُشكّل مرشحات واعدة لصنع أجهزة استشعار فائقة الحساسية يمكن توظيفها في التصوير الطبي والملاحة وقياسات المجال المغناطيسي والجاذبية.
تتصاعد الاستثمارات في المنطقة العربية في مجال التقنيات الكمومية؛ إذ يعمل المركز الوطني للكم في جامعة نيويورك أبوظبي على تطوير كفاءات كمومية محلية، فيما تموّل رؤية المملكة العربية السعودية 2030 أبحاثاً في مجال أجهزة الاستشعار الدقيق ذات الصلة. ويُرسّخ هذا الاكتشاف القاعدة النظرية لأجهزة الاستشعار الكمومية المطلوبة في التنقيب عن النفط والغاز وقياسات المجال الجاذبي، مما يجعله ذا صلة استراتيجية مباشرة لدول الخليج المنتجة للطاقة.
يُمثّل هذا الاكتشاف أيضاً نقلةً منهجية في فيزياء المادة المكثفة؛ فبعد أن تركّزت دراسة التشابك الكمومي تاريخياً على الجسيمات المنعزلة في بيئات مُعقَّدة ومُبرَّدة إلى ما يقارب الصفر المطلق، يُبشّر هذا البحث بإمكانية استكشاف الظواهر الكمومية في مواد أكثر تعقيداً وأقرب إلى البيئات الحقيقية، فاتحاً بذلك آفاقاً جديدة في مجال التكنولوجيا الكمومية.
المزيد من علوم

الحمض النووي القديم يكشف انهيار بُناة الأضرحة الأوروبية قبل 5000 عام
كشفت دراسة جينية لبقايا 132 شخصاً في ضريح حجري فرنسي أن الشعبَين المدفونَين قبل الانهيار السكاني وبعده غير مترابطَين جينياً، مما يُثبت تبديل سكاني كامل قبل نهاية العصر الحجري.

الذكاء الاصطناعي يحلّ لغز الخصائص الغريبة للماء في درجات التبريد القصوى
وظّف باحثو جامعة أوساكا شبكةً عصبيةً اصطناعيةً لتقييم 16 مؤشراً بنيوياً للماء فائق التبريد وتحديد أكثرها قدرةً على وصف التحولات الهيكلية الكامنة وراء سلوكه الغريب.

علماء هارفارد يُحوّلون شريحة سيليكون إلى آلة لكتابة 64 تسلسلاً للحمض النووي معاً
طوّر فريق من هارفارد شريحةً إلكترونية تُخلّق 64 تسلسلاً مختلفاً من الحمض النووي في آنٍ واحد باستخدام الإنزيمات والماء، في خطوة نحو بديل أكثر نظافةً لتقنيات التخليق التقليدية.