الذكاء الاصطناعي يحلّ لغز الخصائص الغريبة للماء في درجات التبريد القصوى
وظّف باحثو جامعة أوساكا شبكةً عصبيةً اصطناعيةً لتقييم 16 مؤشراً بنيوياً للماء فائق التبريد وتحديد أكثرها قدرةً على وصف التحولات الهيكلية الكامنة وراء سلوكه الغريب.

يكسو سطح كوكب الأرض ما لا يقل عن 71% من مياه، غير أن هذه المادة الشائعة لا تزال تُخفي في طياتها أسراراً فيزيائية تستعصي على الفهم الكامل. فالماء يتمدد عند تجمده بدلاً من أن ينكمش كما تفعل معظم السوائل، وهذا الشذوذ وحده انبثق عنه بحوث علمية لا تُحصى. والآن، وظّف علماء من جامعة أوساكا اليابانية الذكاء الاصطناعي للإجابة عن سؤال محوري: ما أفضل الأدوات الوصفية لفهم البنية الجزيئية للماء في ظروفه الأشد غرابة؟
نُشرت الدراسة في مجلة Communications Chemistry، وتتمحور حول الماء فائق التبريد، وهو ماء يظل سائلاً في درجات حرارة دون الصفر المئوي حين تغيب مواقع التنوّي البلوري. يُبدي الماء في هذه الحالة سلوكاً أشد غرابةً مما يُبديه في درجات حرارته الاعتيادية، ويعزوه الباحثون إلى توازن دقيق بين حالتَين سائلتَين متنافستَين: السائل عالي الكثافة والسائل منخفض الكثافة.
المشكلة التي واجهها العلماء تاريخياً أن الباحثين اقترحوا على مرّ السنين عشرات الأوصاف الجزيئية لقياس كيفية ترتّب جزيئات الماء محلياً، لكن لم يكن ثمة إطار موضوعي لمقارنة هذه الأوصاف أو تحديد أيها أكثر قدرةً على الكشف عن ديناميكيات البنية.
لمعالجة هذه الثغرة، درّب الفريق الياباني شبكةً عصبيةً اصطناعية على بيانات محاكاة الديناميكيات الجزيئية للماء فائق التبريد. وتعلّمت الشبكة التمييز بين السائل عالي الكثافة والسائل منخفض الكثافة في درجات حرارة مختلفة عبر التكرار والتصحيح الذاتي. بعد ذلك، قيّم الباحثون 16 مؤشراً بنيوياً مقترحاً سلفاً في الأدبيات العلمية وحددوا أيها يُمكّن الشبكة العصبية من أداء التمييز بأعلى دقة وأقل تعقيد.
توصّل الفريق إلى أن المؤشرات المرتبطة بالترتيب رباعي الأوجه للروابط الهيدروجينية بين الجزيئات تُسجّل أداءً أعلى من نظيراتها في الكشف عن الاختلافات البنيوية. وهذا الاكتشاف يُعيد توجيه الأبحاث المستقبلية نحو التركيز على هذا النمط من الوصف دون إهدار موارد على مؤشرات أقل أهمية.
تتجاوز أهمية هذه النتائج حدود الفضول العلمي؛ إذ تُسهم في فهم لماذا يتصرف الماء على النحو الذي يتصرف به عند درجات الحرارة المنخفضة، وهو أمر ذو صلة مباشرة بمجالات متعددة: من علم المواد وكيمياء التفاعلات البيولوجية في درجات حرارة منخفضة، إلى حفظ الخلايا الحية في البيوبنكات والأبحاث الجيوفيزيائية المتعلقة بالمحيطات والأنهار الجليدية.
لا تنفصل هذه النتائج عن أولويات العالم العربي؛ فستة عشر دولةً عربية تعاني شُحّاً مائياً حاداً بحسب تقارير الأمم المتحدة، وتعتمد دول الخليج على محطات التحلية لتأمين أكثر من 70% من احتياجاتها المائية. يُعمّق فهم الخصائص الفيزيائية للماء في درجات الحرارة المتطرفة قدرةَ المهندسين العرب على تحسين كفاءة محطات التحلية وأنظمة تخزين المياه، وهي أولويات استراتيجية تتصدر مستهدفات رؤية السعودية 2030 وخطط التنمية المائية الإماراتية.
تُجسّد هذه الدراسة نمطاً متكرراً في العلوم المعاصرة: حين تعجز أساليب التحليل التقليدية عن حسم نقاشات منهجية قائمة بين العلماء، يأتي التعلم الآلي ليضطلع بدور الحَكَم الموضوعي القادر على استيعاب البيانات الضخمة وتقديم إجابات تقوم على الأدلة لا على الحدس.
المزيد من ذكاء اصطناعي

أول دليل قاطع على التشابك الكمومي في بلورة بالغة الحجم قابلة للإمساك باليد
رصد علماء في فيينا دليلاً واضحاً على التشابك الكمومي في بلورة بحجم النملة من المعادن الغريبة، مُثبتين أن الظواهر الكمومية ليست حكراً على الجسيمات المنفردة.

الحمض النووي القديم يكشف انهيار بُناة الأضرحة الأوروبية قبل 5000 عام
كشفت دراسة جينية لبقايا 132 شخصاً في ضريح حجري فرنسي أن الشعبَين المدفونَين قبل الانهيار السكاني وبعده غير مترابطَين جينياً، مما يُثبت تبديل سكاني كامل قبل نهاية العصر الحجري.

علماء هارفارد يُحوّلون شريحة سيليكون إلى آلة لكتابة 64 تسلسلاً للحمض النووي معاً
طوّر فريق من هارفارد شريحةً إلكترونية تُخلّق 64 تسلسلاً مختلفاً من الحمض النووي في آنٍ واحد باستخدام الإنزيمات والماء، في خطوة نحو بديل أكثر نظافةً لتقنيات التخليق التقليدية.