الطوبولوجيا قد تحلّ لغز الثابت الكوني أحد أعتى معضلات الفيزياء الحديثة
باحثون من جامعة براون يكتشفون تشابهاً رياضياً بين الجاذبية الكمية وتأثير هول الكمي قد يُفسر لماذا لا تكتسح طاقة الفراغ الكونَ بأسره.
يُصنَّف الثابت الكوني على نطاق واسع بوصفه أسوأ تنبؤ في تاريخ الفيزياء النظرية. فبينما تتوقع ميكانيكا الكم أن الفراغ المطلق ينبض بطاقة هائلة ناجمة عن تذبذبات كمية لا تتوقف، تُشير مشاهداتنا الفلكية إلى أن قيمة الثابت الكوني الفعلية أصغر بمئة وعشرين أساً من عشرة مما توقعته النظرية. هذا التناقض الصارخ، المعروف بمشكلة الثابت الكوني، يُعدّ واحداً من أعمق الأسئلة المفتوحة في الفيزياء الحديثة.
والآن يقترح فريق من جامعة براون إجابةً مستوحاةً من عالم مادة الكثافة حيث يُعالج الفيزيائيون ظاهرةً مختلفة تماماً تُعرف بتأثير هول الكمي. يقود البحث الفيزيائي ستيفن ألكسندر ومعه هيليودسون بيرناردو وآرون هوي، وقد نُشر في مجلة Physical Review Letters.
يرصد الفريق تشابهاً رياضياً لافتاً بين حالة تشيرن-سيمونز-كوداما وهي إطار مقترح في الجاذبية الكمية لوصف الحالة الأساسية للزمكان، وبين تأثير هول الكمي في فيزياء المواد المكثفة. ففي تأثير هول الكمي، تحتفظ مادة رقيقة ناقلة للكهرباء تحت مجال مغناطيسي شديد وفي درجات حرارة منخفضة جداً بتوصيلية كهربائية بالغة الدقة، محمية من الاضطرابات الخارجية بفعل ما يُسميه الفيزيائيون الحماية الطوبولوجية.
بعبارة أخرى: بنية الزمكان الهندسية تُبقي قيمة التوصيلية مثبّتة بدقة بصرف النظر عن الشوائب أو التشوهات. وبالقياس، يقترح ألكسندر وزملاؤه أن ثمة بنية طوبولوجية مماثلة في نسيج الزمكان ذاته تجعله يقفل الثابت الكوني في قيمة صغيرة وثابتة، حامياً إياه من الطاقة الكمية الهائلة لطاقة الفراغ التي كان يُفترض أن تضخّه إلى قيم هائلة.
وكما يقول الباحثون: ما أثبتناه هو أنه إذا كان للزمكان هذه الطوبولوجيا غير التافهة، فإن ذلك يحل واحدة من أكثر مشكلات الثابت الكوني فتكاً.
وللسياق التاريخي أهمية هنا: أضاف أينشتاين الثابت الكوني لمعادلات نسبيته العامة في البداية لمنعها من التنبؤ بانهيار الكون. وبعد أن اكتشف هابل عام 1929 أن الكون يتمدد، تراجع أينشتاين عن الثابت واعتبره خطأه الأكبر. ثم عاد الثابت ليظهر في 1998 حين رصد علماء الفلك أن تمدد الكون يتسارع وليس يتباطأ، مطالبين بتفسير لهذا التسارع.
وتتشابك هذه النتيجة مع واحدة من أعظم طموحات الفيزياء النظرية: توحيد ميكانيكا الكم والنسبية العامة في إطار واحد متماسك. وما يُميّز عمل فريق براون هو أنه لا يستعير مجرد تشبيه مجازي من ظاهرة هول الكمي، بل يستحضر الأدوات الرياضية ذاتها ويُطبّقها على هندسة الزمكان.
ترتبط مسألة الثابت الكوني بإرث علمي عربي عريق؛ فابن الهيثم البصري في القرن الحادي عشر أرسى المنهج التجريبي الذي يستند إليه الفيزيائيون اليوم. وتواصل مؤسسات بحثية عربية حاضرة كجامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية (كاوست) في السعودية وجامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي في الإمارات الاستثمارَ في البحث العلمي الأساسي. ويُسهم عشرات الباحثين العرب من الشتات العلمي في أبحاث الفيزياء النظرية بأعرق الجامعات العالمية، وهو ما يجعل كشوفات كهذه إنجازاً تسهم في رسم مساره عقول عربية في صميم المجتمع العلمي الدولي.
يبقى هذا العمل نظرياً تماماً في هذه المرحلة، ويحتاج إلى تطوير مستقل وتحقق تجريبي. لكنه يفتح نافذةً نادرة على إمكانية أن يكون الكون محمياً من الداخل ضد الفوضى الكمية بفضل بنيته الهندسية العميقة.
المزيد من علوم
الاندماج النووي يجذب 7.1 مليار دولار والكهرباء التجارية في المتناول
رصد تقرير شامل 7.1 مليارات دولار جمعتها شركات الاندماج النووي الخاصة، مع اقتراب Commonwealth Fusion من تشغيل مفاعلها الأول وخطط Helion لأول كهرباء اندماجية بحلول 2028.
ناسا تختار بعثة DAPHNE لدراسة تفاعل طقس الفضاء مع الغلاف الجوي العلوي للأرض
اختارت ناسا مهمة DAPHNE التي ستُطلق قمرين صناعيين بحلول 2029 بميزانية 250 مليون دولار لسبر العلاقة المعقدة بين العواصف الشمسية والغلاف الحراري والأيوني.
جامعة تسينغهوا الصينية تُجهّز بعثة طلابية لرصد الكويكب أبوفيس في اقترابه التاريخي
يُجهّز طلاب جامعة تسينغهوا الصينية بعثة START الفضائية بميزانية 2.8 مليون دولار لدراسة الكويكب أبوفيس على بُعد 7 كيلومترات خلال تحليقه القريب من الأرض في أبريل 2029.