التجوية الصخرية في مناطق الصقيع الذائب تُعوّض 35% من انبعاثات الأنهار الكربونية
دراسة في Nature تُظهر أن ذوبان الصقيع الدائم يُنشّط تجوية صخرية تمتص ثاني أكسيد الكربون وتُعادل في المتوسط 35% من انبعاثات غازات الدفيئة في الأنهار، وتتجاوز 100% في مناطق معينة.

طالما نُظر إلى ذوبان الصقيع الدائم باعتباره إحدى الفخاخ المناخية الكبرى: جليد يحتجز مئات المليارات من أطنان الكربون العضوي في أحشاء الأرض، فإذا ذاب يُطلق هذا الكربون مكسياً الغلاف الجوي بمزيد من ثاني أكسيد الكربون والميثان، ويُغذّي حلقة تسخين ذاتية التضخيم. غير أن دراسة جديدة تضيف لهذه الصورة تفصيلاً غُفل عنه طويلاً: ذوبان الصقيع يُنشّط في الوقت ذاته عملية جيولوجية تعمل بمثابة مكيّف طبيعي للكربون.
نشر فريق مشترك من جامعة أوميو السويدية وجامعة شرق الصين الطبيعية دراسةً في دورية Nature في يونيو 2026، أكد أن ذوبان الصقيع يُسرّع التجوية الصخرية، أي العملية التي تُفتّت بها الصخور وتتحلّل كيميائياً بفعل المياه والهواء ودرجات الحرارة، وهي عملية تستهلك ثاني أكسيد الكربون الجوي وتُحوّله إلى كربونات ذائبة مستقرة.
رصد الفريق خمسين نهراً عبر هضبة تشينغهاي-التبت في الصين، وهي إحدى المناطق الأكثر استقطاباً للدراسات المناخية بسبب ارتفاعها وثرائها بالصقيع الدائم. وأظهرت البيانات أن التجوية الصخرية تُعوّض في المتوسط نحو 35% من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون في هذه الأنهار، مع تسجيل تعويض يتخطى 100% في مناطق ذات صقيع متقطع أو معزول، مما يعني أن هذه المناطق بعينها قد تكون مستوعِبة صافية للكربون لا مُصدِرة له.
يُوضّح الباحثون الآلية: حين يذوب الصقيع الدائم، تنكشف المعادن الصخرية أمام المياه لأول مرة منذ آلاف السنين. يُفضي تلاقي الماء بهذه المعادن إلى تفاعلات كيميائية تستهلك ثاني أكسيد الكربون وتُنتج بيكربونات ذائبة تُحمل مع مجرى النهر. ويكون هذا التأثير أعلى في مناطق الصقيع المتقطع حيث يتبدّل الجليد وتتجدد السطوح المعرّضة للتجوية بانتظام.
بيد أن الباحثين يُحذّرون من الإفراط في التفاؤل. فالتجوية ليست عملية محايدة تماماً؛ فبعض التفاعلات الكيميائية وفقاً لتركيب المعادن الصخرية قد تُطلق بدورها ثاني أكسيد الكربون لا تمتصّه، ويتحدد اتجاه الكفّة بحسب طبيعة التكوين الصخري لكل منطقة. لذا يُحذّر العلماء من اعتبار هذه الظاهرة حلاً مناخياً قابلاً للتوظيف، إذ إنها لا تُعادل الانبعاثات الناجمة عن حرق الوقود الأحفوري، كما أن أحجام الكربون المحتجز في الصقيع تفوق بكثير أي مقدار يمكن للتجوية الصخرية استيعابه.
مع ذلك، تُشير الدراسة إلى ضرورة إعادة معايرة النماذج المناخية الحالية، فكثير منها يُغفل هذه الحلقة المرتدة للتجوية حين يُقدّر صافي انبعاثات مناطق الصقيع. يقول الباحثون: «وجدنا أن انبعاثات ثاني أكسيد الكربون من الأنهار تتراجع في حين ترتفع امتصاصيتها عبر التجوية الصخرية كلما انخفضت نسبة تغطية الصقيع الدائم»، مما يُشير إلى علاقة غير خطية دقيقة بين ذوبان الصقيع وميزانية الكربون الإقليمية.
في السياق العربي، تتقاطع هذه النتائج مع جهود رصد المناخ التي تقودها مراكز بحثية إقليمية رائدة؛ إذ تُجري جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية (كاوست) في السعودية أبحاثاً متخصصة في ديناميكيات الكربون بالبيئات الجافة. كما تنعكس دقة نماذج ميزانية الكربون العالمية مباشرةً على مصداقية الالتزامات المناخية لدول كالإمارات التي أعلنت الحياد الكربوني بحلول 2050، والمملكة العربية السعودية المستهدِفة عام 2060؛ ذلك أن إعادة معايرة هذه النماذج لتشمل حلقة التجوية الصخرية تُعدّ خطوةً ضرورية قبل تحديد حصص خفض الانبعاثات التي ستُفاوض عليها المنطقة في مؤتمرات المناخ المقبلة.
يُذكر أن الصقيع الدائم يغطي نحو ربع مساحة اليابسة الكروية الأرضية، ويحتجز من الكربون العضوي ما يُعادل ضعف ما يختزنه الغلاف الجوي حالياً. في ظل تسارع الاحترار القطبي بمعدل يزيد على ضعف متوسطه العالمي، تكتسب هذه النتائج أهمية قصوى لصانعي السياسات المناخية وعلماء النمذجة على حدٍّ سواء.
المزيد من بيئة

الدماغ يكسر حمضه النووي أثناء نموه: اكتشاف يُعيد رسم خريطة التطور العصبي
دراسة نُشرت في Nature تكشف أن الخلايا العصبية الجنينية تكسر حمضها النووي بشكل اعتيادي أثناء هجرتها في الدماغ النامي، ثم تُصلحه خلال أربع وعشرين ساعة في عملية تبيّن أنها أساسية لنمو الدماغ السليم.

اكتشاف طفرة جينية نادرة في عائلات طويلة العمر قد تكشف أسرار الشيخوخة الصحية
حدّد باحثون أوروبيون طفرة في جين cGAS ضمن عائلات طويلة العمر، تُقلّل الالتهاب دون أن تُضعف المناعة، مما يفتح آفاقاً علاجية جديدة للشيخوخة الصحية.

بطارية صوديوم صينية تُضاهي أداء تيسلا وتفتح آفاقاً لخفض تكاليف السيارات الكهربائية
كشفت دراسة ألمانية أن بطارية أيون الصوديوم التجارية من إنتاج شركة هينا الصينية تُضاهي أداء بطاريات تيسلا، مما قد يُعجّل التحول نحو تقنية أرخص وأوفر مصادرَ من الليثيوم.