تلسكوب جيمس ويب يرصد معادن الطين على أقمار نبتون الداخلية

رصد تلسكوب جيمس ويب الفضائي لأول مرة معادن الطين الدالة على وجود الماء على أقمار نبتون الداخلية، مما يدعم نظرية كارثة فلكية قديمة دمّرت المنظومة القمرية الأصلية لكوكب نبتون.

تحرير
ألمعي · هيئة التحرير
النشر
١٥ أغسطس ٢٠٢٦
المصدر
ScienceDaily
القراءات
٠
الوقت
قراءة 3 دقائق
حلقات نبتون وأقماره الداخلية الصغيرة

قاد فريق من علماء معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا دراسةً لافتة استخدمت تلسكوب جيمس ويب الفضائي لفحص حلقات كوكب نبتون وثلاثة من أقماره الداخلية الصغيرة: لاريسا وجالاتيا وبروتيوس، وهي أقمار رصدتها مركبة فوياجر 2 عام 1989 في رحلتها التاريخية عبر أطراف المجموعة الشمسية. نُشرت نتائج هذه الدراسة في مجلة "ساينس أدفانسز"، وكشفت عن تركيب كيميائي لا سابق له في المجموعة الشمسية الخارجية، مما يُعيد رسم صورة تاريخ منظومة أقمار نبتون وأصولها.

أسفرت الدراسة عن اكتشاف معادن الفيلوسيليكات على سطح هذه الأقمار، وهي ما يُعرف بمعادن الطين الغنية بالماغنيسيوم. ولهذا الاكتشاف دلالة كيميائية عميقة؛ فمعادن الطين لا تتشكّل إلا في وجود الماء السائل الذي يتفاعل مع الصخور الصوانية عبر فترات زمنية مديدة. وهذا يعني بالضرورة أن هذه الأقمار، أو الأجرام الكونية الأمّ التي نشأت منها، كانت تحتضن يومًا ما ماءً سائلًا في باطنها أو على سطوحها، محصّلةً من ذلك طاقةً حرارية كافية لصهر الجليد وبدء التفاعلات الكيميائية.

يزيد هذا الاكتشاف أهميةً أنه الأول من نوعه في المجموعة الشمسية الخارجية خارج نطاق كوكب المشتري. فقبل هذا البحث، لم يُعثر على آثار معادن الطين في المناطق الباردة البعيدة التي تسكنها كواكب أورانوس ونبتون وما يمتد وراءهما. وقد أفضى هذا الاكتشاف الاستثنائي إلى طرح تساؤلات جوهرية حول تاريخ هذا الكوكب البعيد وأصل الأجرام التي أسهمت في تشكيل منظومته القمرية الراهنة.

يربط الباحثون هذا الاكتشاف بنظرية ما يُعرف بكارثة اصطياد ترايتون، وهي حدث فلكي عنيف يُفترض وقوعه منذ مليارات السنين. تُشير هذه النظرية إلى أن نبتون اجتذب ذات حقبة قمره الأكبر ترايتون بجاذبيته الهائلة، بعد أن كان ترايتون يسبح طليقًا في الفضاء بعيدًا عن مجال أي كوكب كبير. وقد أطلقت عملية الاصطياد هذه طاقةً كارثية دمّرت المنظومة القمرية الأصلية لنبتون وسحقت أقمارًا عديدة كانت تدور حوله قبل وصول هذا الغريم الضخم.

يرى الفريق أن الأقمار الداخلية الصغيرة الحالية لنبتون، ومنها لاريسا وجالاتيا وبروتيوس، تشكّلت من حطام تلك الكارثة القديمة. فبعد تدمير الأقمار الأصلية، تجمّعت شظاياها مع بقايا أجرام كبيرة كانت تنطوي في باطنها على ماء سائل وحرارة داخلية كافية لصنع معادن الطين، مما يُفسّر وجود الفيلوسيليكات في التركيب الكيميائي لهذه الأقمار رغم طبيعتها الباردة الراهنة.

ومن اللافت في هذا كله أن الدراسة لم تُلاحظ أي آثار للجليد المائي على سطح هذه الأقمار رغم وجود معادن الطين الدالة تاريخيًا على الماء. ويُرجّح الباحثون أن عمليات التعرض للإشعاع الكوني على مدى مليارات السنين ربما أزالت الجليد من الطبقات السطحية أو حوّلته إلى مركّبات أخرى. أما قمر بروتيوس، الأكبر بين هذه المجموعة، فلم يُظهر البصمة الطيفية ذاتها لمعادن الفيلوسيليكات، مما يُوحي بأنه تشكّل من حطام مختلف التركيب أو تعرّض لإعادة تسخين غيّرت كيميائيته بصورة جذرية.

في دراسة مستقلة أُجريت أيضًا بمساعدة تلسكوب جيمس ويب الفضائي، برزت فرضية جديدة تُشير إلى أن قمر نيريد قد يكون الناجي الوحيد من المنظومة القمرية الأصلية لنبتون قبل كارثة اصطياد ترايتون. وإذا ما تأكدت هذه الفرضية، غدا نيريد شاهدًا فلكيًا نادرًا على ما كانت عليه أسرة نبتون القمرية قبل الكارثة، ويُتيح دراسته نافذةً على طبيعة المواد الكونية البدائية في الأطراف الخارجية للمجموعة الشمسية.

يُلهم هذا الاكتشاف الفلكي جيلاً عربياً من العلماء يجد في استكشاف الفضاء ركيزةً لطموحاته البحثية. فمنذ نجاح مسبار الأمل الإماراتي في بلوغ مدار المريخ عام 2021، باتت أبحاث الكونيات وعلوم الكواكب تحتل حيزاً أوسع في الاستثمار العلمي العربي. وتتابع المراكز البحثية في جامعة خليفة للعلوم والتكنولوجيا وجامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية (كاوست) مثل هذه الاكتشافات المتعلقة بتاريخ المجموعة الشمسية الخارجية، إذ يتيح تلسكوب جيمس ويب بياناتٍ مفتوحة المصدر يُوظّفها الباحثون العرب في دراسات مشتركة مع شبكات علمية دولية، مُسهمين في بناء قدرة بحثية فضائية عربية تُوطّد مكانتها عالمياً.

تُسهم هذه الدراسات مجتمعةً في إعادة رسم تاريخ المجموعة الشمسية الخارجية بمزيد من الدقة والعمق. فكلما تعمّق العلماء في استكشاف أقمار الكواكب الخارجية، اكتشفوا أن المجموعة الشمسية لم تكن هادئة على الدوام، بل مرّت بحقبات من الاضطراب العنيف تركت بصماتها في تكوين كل جرم وحلقة ومدار. ويُمثّل تلسكوب جيمس ويب الفضائي في هذا كله المنظار الأكثر عمقًا وحدةً الذي تستخدمه الإنسانية لقراءة هذا التاريخ المكتوب في أبعد أرجاء المجموعة الشمسية.

المصدر الأصلي
ScienceDaily
قراءة المقال الأصلي ↗
قصة اليوم · كل صباح

أعجبك التقرير؟ استلم واحداً كل صباح.

قصةٌ تقنية واحدة تستحقّ وقتك، بالعربية. بلا إعلانات، بلا إزعاج.

بلا إعلانات · إلغاء الاشتراك بنقرة واحدة · بياناتك آمنة

اقرأ أيضًا

المزيد من علوم

موجة حارة تجتاح شوارع مدينة أوروبية

صيف 2026: الأشد حرارةً في التاريخ وتحذيرات من أن 2027 قد يكون أسوأ

سجّل صيف 2026 أرقامًا قياسية في درجات الحرارة عبر أوروبا والولايات المتحدة وكوريا الجنوبية، في ظل ظاهرة النينيو الأشد على الإطلاق التي تُنذر بأن عام 2027 قد يكون أكثر سخونةً.

MIT Technology Review
خلايا تُصلح الميالين في الدماغ بعد الإصابة

هرمون التوتر يُساعد الدماغ على إصلاح الميالين بعد الإصابة

اكتشف علماء معهد ماكس بلانك أن خلايا دماغية سلفية تُفرز هرمون إطلاق الكورتيكوتروبين بعد الإصابة لتنظيم إصلاح الميالين، مما يفتح آفاقًا جديدة لعلاج التصلب المتعدد وأمراض الدماغ.

ScienceDaily
تصور فني لنجم الثقب الأسود في الكون المبكر

تلسكوب جيمس ويب يكتشف «نجم الثقب الأسود» في فجر الكون

رصد تلسكوب جيمس ويب الفضائي جسمًا فلكيًا استثنائيًا في الكون المبكر يُنتج طاقةً تعادل مئة مليار ضعف طاقة أي نجم معروف، ويُرجَّح أنه نجم الثقب الأسود: ثقب أسود هائل يحيطه غلاف غازي ضخم.

ScienceDaily
محرك حراري كمي فائق التوصيل

محرك حراري كمي فائق التوصيل: خطوة نحو تقليص تكاليف الحاسوب الكمي

بنى علماء جامعة آلتو الفنلندية أول محرك حراري كمي فائق التوصيل في العالم، ينتج شغلًا مفيدًا عند الصفر المطلق تقريبًا، في إنجاز قد يُغيّر مستقبل الحاسوب الكمي ويُقلّص تكاليفه بشكل جذري.

ScienceDaily
تصوير فني لنشأة الخلايا الأولى في المحيطات البدائية

دليل جديد: الحياة على الأرض ربما نشأت مرتين بشكل مستقل قبل 4 مليارات سنة

توصل باحثون ألمان إلى أدلة على أن البكتيريا والعتائق طوّرتا إنزيمات مختلفة لأيض متطابق، مما يُشير إلى نشأتين مستقلتين للخلايا الحرة في الأرض البدائية.

ScienceDaily
فحص تصوير وظيفي للدماغ يُظهر مناطق النشاط العصبي

دراسة MIT: الدماغ يفكّر منطقياً باستقلالية تامة عن مناطق اللغة

أثبت علماء أعصاب من MIT أن مرضى فقدان النطق يحلّون الألغاز المنطقية بكفاءة مساوية للأصحاء، مما يكشف أن التفكير المنطقي يعمل بنظام دماغي مستقل تماماً عن اللغة.

ScienceDaily