تلسكوب جيمس ويب يكتشف عنقودا مجريا يتحدى نماذج تطور الكون
رصد تلسكوب جيمس ويب الفضائي عنقود المجرات XLSSC 122 على مسافة 10.4 مليار سنة ضوئية، وبدا متماسكا ومكتمل التشكل أسرع مما تتوقعه النماذج الكونية المعتمدة على المادة المظلمة.

رصد تلسكوب جيمس ويب الفضائي التابع لناسا عنقود المجرات XLSSC 122، الواقع على مسافة تقارب 10.4 مليار سنة ضوئية من الأرض، ليكتشف فيه مستوى من التماسك والتنظيم الكتلي يصعب تفسيره بالنماذج الكونية المعتمدة حاليا لنشوء البنى الكبرى في الكون.
يُعد هذا العنقود أبعد عنقود مجري معروف يُظهر ظاهرة التعدس الجاذبي القوي بوضوح، حيث رصد تلسكوب ويب أقواسا مضيئة متقوسة حول مركزه، وهي أول دليل واضح على هذه الظاهرة في هذا العنقود تحديدا، بعد أن عجز تلسكوب هابل الفضائي عن كشفها من قبل بسبب حساسيته الأقل في مجال الأشعة تحت الحمراء.
يعود تاريخ هذا العنقود إلى ما يسميه علماء الفلك «منتصف النهار الكوني»، أي الفترة التي تشكلت فيها النجوم بأعلى معدلاتها في تاريخ الكون، منذ نحو 10 مليارات سنة، حين كانت عناقيد المجرات لا تزال في طور التشكل والاندماج. ومع ذلك، ظهر عنقود XLSSC 122 بحجم وتنظيم داخلي يشبهان عناقيد المجرات الناضجة في الكون الحديث، رغم أنه لا يزال في طور الاندماج مع مجرات أخرى تنضم إليه.
وتفترض النماذج الكونية القياسية أن البنى الضخمة في الكون، كعناقيد المجرات، تنمو بالتدريج وعلى مهل عبر مليارات السنين. لكن عنقود XLSSC 122 يبدو أنه تشكل بسرعة أكبر من المتوقع، مع تركّز كتلته في نواة متماسكة منذ تلك المرحلة المبكرة نسبيا من عمر الكون. ويصف كايل فينر، الباحث في معهد معالجة وتحليل البيانات بمعهد كاليفورنيا للتقنية، والمؤلف الرئيسي لأحد أبحاث هذه الدراسة، هذا التركز الكتلي بأنه لا يتوافق مع تنبؤات النماذج القائمة، مشيرا إلى أن تكرار هذا النمط في عناقيد مبكرة أخرى قد يفرض على علماء الكونيات إعادة النظر في فرضياتهم حول سرعة نشوء البنى الكبرى في الكون المبكر.
وتعتمد هذه الدراسة، التي تضمنت ثلاثة أبحاث نُشرت في مجلة «أستروفيزيكال جورنال ليترز»، على جهود مشتركة بين فريق معهد كاليفورنيا للتقنية بقيادة فينر، وفريق من جامعة يونسي الكورية بقيادة زاكاري سكوفيلد وهيونغجين جو، إلى جانب باحثين آخرين من بينهم إم. جيمس جي وأندرياس فايست ورانجا رام شاري وبومي لي. وعُرضت نتائج الدراسة للمرة الأولى في يونيو 2026 خلال الاجتماع الـ248 للجمعية الفلكية الأمريكية. ويُذكر أن العنقود نفسه رُصد لأول مرة عام 2014 من خلال مسح الأشعة السينية الذي أجراه القمر الصناعي إكس إم إم نيوتن التابع لوكالة الفضاء الأوروبية.
تنبع أهمية ظاهرة التعدس الجاذبي من كونها إحدى الوسائل القليلة التي تسمح للعلماء برسم خريطة غير مباشرة لتوزع المادة المظلمة، التي تمثل نحو خمس أضعاف كمية المادة العادية في الكون، رغم استحالة رصدها مباشرة. ويقول فينر إن هذه الظاهرة تتيح قياس المادة المظلمة «دون رؤيتها فعليا»، إذ ينتج معظم تأثير التعدس عن كتلتها الهائلة لا عن كتلة النجوم أو الغاز المرئي في العنقود.
وإلى جانب التعدس القوي، استخدم الفريق أيضا ظاهرة التعدس الجاذبي الضعيف، وهو تشويه طفيف وإحصائي في أشكال المجرات البعيدة، لتمديد خريطة الكتلة إلى المناطق الخارجية من العنقود، وقد أكدت هذه الطريقة وجود التركز الكتلي المركزي نفسه. كما كشف تلسكوب ويب عن الضوء بين المجرات، وهو توهج خافت ناتج عن نجوم متناثرة بين مجرات العنقود غير مرتبطة بمجرة واحدة محددة، في أبعد مرحلة زمنية يُرصد فيها هذا النوع من الضوء حتى الآن. ولافت للنظر أن شكل هذا الضوء بالقرب من مركز العنقود يطابق بشكل كبير توزع المادة المظلمة المستدل عليه، مما يجعله مؤشرا مرئيا محتملا على وجود المادة المظلمة في عناقيد أخرى.
ويخطط الفريق البحثي للبحث عن عشرات أو مئات العناقيد المبكرة المماثلة، عبر مسوحات واسعة بالأشعة السينية والموجات الراديوية، بما في ذلك البحث عن إشارات ظاهرة سونيايف-زيلدوفيتش في إشعاع الخلفية الكونية الميكروي، للتحقق من كون عنقود XLSSC 122 حالة نادرة أم جزءا من نمط أوسع يستدعي تعديل فهم العلماء لسرعة تشكل البنى الكبرى في الكون المبكر.
ولهذه الاكتشافات صدى مباشر في العالم العربي الذي شهد ولادة علم الفلك تاريخيا؛ ففي سياق علمي معاصر، أثبت مسبار المريخ الإماراتي «هوب» عام 2021 أن الدول العربية قادرة على قيادة مهمات فضائية متقدمة، فيما تشارك هيئة الفضاء السعودية في أبحاث فلكية دولية وتخطط لبناء مرصد فلكي وطني. ويُتابع الباحثون العرب في جامعات كجامعة الملك عبدالعزيز وجامعة قطر أبحاث الكونيات وفيزياء الجاذبية، ومن شأن اكتشافات تلسكوب ويب المتعلقة بالمادة المظلمة وتشكّل الكون المبكر أن تمس مباشرة الأسئلة البحثية التي تشغل هذه المجموعات، وتفتح أمام الأجيال الجديدة من الفيزيائيين الفلكيين العرب آفاقا لم تكن متاحة في زمن تلسكوب هابل.
وتكمن أهمية هذا النوع من الاكتشافات في أنه يضع نموذج الكون القياسي، القائم أساسا على المادة المظلمة الباردة والطاقة المظلمة، تحت اختبار مباشر عبر أرصاد حقيقية بعيدة في الزمن، لا عبر محاكاة حاسوبية نظرية فقط. فإذا تأكد أن عناقيد مجرية أخرى تشكلت بهذه السرعة في مراحل مبكرة مماثلة من عمر الكون، فقد يضطر علماء الكونيات إلى تعديل افتراضاتهم حول معدل تجمع المادة المظلمة في الكون المبكر، أو إعادة النظر في بعض الثوابت التي يقوم عليها هذا النموذج. ويمثل تلسكوب جيمس ويب، بحساسيته العالية في مجال الأشعة تحت الحمراء، أداة غير متوفرة من قبل لرصد هذه المرحلة الحاسمة من تاريخ الكون بتفاصيل لم تكن ممكنة في عصر تلسكوب هابل.
المزيد من علوم

دراسة: التمرير المفرط على الهاتف يضعف الذاكرة والتوازن الجسدي
ربطت دراسة من جامعة سيملفايس بين الاستخدام الثقيل للهاتف الذكي وضعف الذاكرة والانتباه واضطراب النوم، فيما يبرز ضبط النفس والخوف من تفويت الفرصة كعاملين رئيسيين في هذا السلوك.

فيزيائيون يعيدون إنتاج أثر كمي غريب يُجمّد حركة الجسيمات تماما
استخدم باحثون في أكسفورد حاسوبا كموميا هجينا لمحاكاة أثر أهارونوف-بوم، حيث يوقف التدفق المغناطيسي حركة جسيم عبر التداخل الكمي، في تجربة تفتح آفاقا جديدة لمحاكاة نظريات المعايرة الشبكية.

بدلا من الصواريخ.. شركة لونغشوت تطور مدفعا ضخما لإطلاق البضائع إلى الفضاء
تبني شركة لونغشوت سبيس الأمريكية مدفعا عملاقا متعدد الحقن لإطلاق حمولات إلى الفضاء بتكلفة أقل من الصواريخ، وتخطط لتوسيعه تدريجيا ليصل إلى طوله المستهدف البالغ نحو 10 كيلومترات.

شركة ناشئة تبني مفاعل اندماج نووي بحجم طاولة المكتب بالليزر
تطور كامبريدج هيفي إندستريز جهاز اندماج نووي صغيرا يعمل بالليزر لإنتاج التريتيوم النادر، تمهيدا لمحطة طاقة اندماج مستقبلية بحجم ملعبي كرة سلة.

ديزي دنت تكشف الشبكات الخفية التي تُعيد غابات المطر الاستوائية إلى الحياة
تستخدم عالمة الإيكولوجيا ديزي دنت بيانات عقود من غابات بنما لإثبات أن الغابات الاستوائية المتنوعة قادرة على التجدد طبيعياً بفعل الحيوانات، بتكلفة أقل من مزارع الأشجار أحادية المحصول.

لماذا يُعدّ بناء مدينة على القمر أصعب حتى من المريخ؟
يتسابق الأمريكيون والصينيون على بناء قواعد قمرية دائمة بحلول 2030، لكن الحرارة القاسية والإشعاع والغبار الكاشط تجعل القمر بيئة أشد عداءً من المريخ لأي محاولة استيطان بشري.