ثوابت الفيزياء وراء وجود الحياة: اكتشاف جديد يفتح نقاشاً عن ضبط الكون

يشير بحث جديد إلى أن الثوابت الفيزيائية الأساسية للكون لا بد أن تقع ضمن نطاق ضيق جداً لتسمح بتدفق السوائل داخل الخلايا الحية، وأن تغيّراً طفيفاً فيها قد يجعل الحياة مستحيلة.

تحرير
ألمعي · هيئة التحرير
النشر
١٣ أكتوبر ٢٠٢٦
المصدر
ScienceDaily ↗
القراءات
٠
الوقت
قراءة 4 دقائق
تصور فني للثوابت الفيزيائية للكون

في بحث نظري نشره الفيزيائي كوستيا تراتشينكو من جامعة كوين ماري في لندن، يُطرح تفسير جديد لأحد أعمق الأسئلة في الفيزياء: لماذا تحمل الثوابت الفيزيائية الأساسية للكون القيم التي نرصدها بالضبط؟ ويجادل تراتشينكو بأن هذه الثوابت لا يكفي أن تسمح بتشكّل النجوم والكواكب والعناصر الثقيلة كالكربون والأكسجين، بل يجب أيضاً أن تسمح بتدفق السوائل بالشكل الذي تحتاجه العمليات الحيوية داخل الخلايا وبينها، وهو شرط إضافي لم يحظ باهتمام كافٍ من قبل.

ويوضح تراتشينكو أن تغيّراً بنسبة لا تتجاوز بضع نقاط في المئة في ثوابت مثل ثابت بلانك أو شحنة الإلكترون قد يدفع لزوجة الدم خارج النطاق الذي تحتاجه وظائف الجسم للعمل بشكل سليم، إما بأن تصبح السوائل أكثر كثافة من اللازم أو أكثر رقة من اللازم لنقل المواد داخل الخلايا. ويقول الباحث: "نتوقع أن يكون هذا النطاق ضيقاً جداً"، في إشارة إلى محدودية الهامش المسموح به لهذه الثوابت لتبقى الحياة ممكنة.

ويستند هذا الطرح إلى نتيجة سابقة توصّل إليها تراتشينكو وزملاؤه عام 2020، أظهرت أن الثوابت الفيزيائية الأساسية تفرض حداً أدنى لـ اللزوجة التي يمكن أن تبلغها السوائل. واعتُبرت هذه النتيجة الخيط الأول الذي قاد إلى دراسة لاحقة أوسع، نُشرت عام 2023 في مجلة Science Advances تحت عنوان "قيود على الثوابت الفيزيائية الأساسية مستمدة من اللزوجة والانتشار الملائمين للحياة"، حلّلت فيها العلاقة بين اللزوجة والانتشار الجزيئي، وهما العمليتان الأساسيتان اللتان تتحكمان في حركة المواد داخل الخلايا، وعلاقتهما المباشرة بقيم الثوابت الفيزيائية الأساسية.

ويشدد البحث على أن هذا العمل نظري بالكامل، أي أنه يستند إلى نماذج حسابية ومحاكاة رياضية، لا إلى تجارب فعلية غيّرت قيم الثوابت الفيزيائية الأساسية للتحقق من النتيجة مباشرة، كما أن الحدود المقبولة لأشكال الحياة المختلفة لا تزال غير مؤكدة بدقة كافية.

وفي دراسة متابعة نُشرت في يناير 2025 بمجلة The European Physical Journal E، بحث تراتشينكو مع زملائه بي جي تيلو وستيوارت كوفمان وساورو سوتشي في حالة الدم، بوصفه خليطاً معقداً لا تزال لزوجته مرتبطة بقيمة مستمدة من الثوابت الفيزيائية الأساسية البسيطة. واقترح الباحثون أن التفاعلات بين خلايا الدم الحمراء المتقاربة جداً من بعضها، حيث تلعب تأثيرات جزيئية وكمومية دورها، قد تفسّر استمرار هذا الارتباط، وأن تقدير الثوابت المتوافقة مع الحياة يتطلب الأخذ بالاعتبار خصائص السوائل الذاتية وتأثيرات مستوى الخلية معاً.

وتفتح هذه النتائج الباب لفكرة أن الكون القابل لاستضافة الحياة قد يحتاج إلى تحقيق عدة شروط "ضبط دقيق" مستقلة في الوقت نفسه، لا شرطاً واحداً كما كان يُفترض غالباً. فقد يكون من الممكن نظرياً وجود كون تتشكّل فيه النجوم والعناصر الثقيلة بشكل طبيعي، لكن سوائله تبقى أكثر كثافة من أن تسمح بعمل الخلايا الحية. ويطرح تراتشينكو أيضاً تشبيهاً تأمّلياً بعملية التطور البيولوجي لوصف كيفية تشكّل هذه الشروط، لكنه يصف هذا التشبيه بأنه فكرة تحتاج إلى مزيد من البحث، وليست نتيجة ثابتة.

وتبقى طبيعة هذا الاكتشاف تفسيرية أكثر منها حاسمة؛ فالبحث لا يفسّر لماذا تحمل الثوابت الفيزيائية الأساسية قيمها المرصودة تحديداً، ولا يُثبت أنها تتغيّر بمرور الزمن أو من مكان إلى آخر في الكون، كما أن النتائج قد تنطبق أيضاً على أشكال حياة افتراضية تعتمد على سوائل مختلفة عن الماء. ومع ذلك، فإن الدراسة تضيف بُعداً جديداً إلى النقاش القديم حول مدى "ضبط" كوننا بدقة لاستضافة الحياة، وتدفع الباحثين إلى البحث عن شروط إضافية قد تكون ضرورية لتفسير وجودنا في هذا الكون بالتحديد.

وتتقاطع هذه الأسئلة مع نقاش علمي وفلسفي أوسع حول ما يُعرف بـ"مبدأ الضبط الدقيق للكون"، الذي يشير إلى أن قيم الثوابت الفيزيائية الأساسية تقع، على ما يبدو، ضمن نطاق ضيق جداً يسمح بوجود الكيمياء المعقدة والنجوم المستقرة والحياة كما نعرفها. وقد فسّر بعض الفيزيائيين هذا التوافق الدقيق بفرضية وجود أكوان متعددة تختلف فيها قيم الثوابت، فيما يرى آخرون أنه مجرد صدفة لا تحتاج إلى تفسير إضافي، في حين يضيف بحث تراتشينكو شرطاً جديداً إلى هذا النقاش القديم يتعلق تحديداً بخصائص السوائل الحيوية.

ويتقاطع هذا الطرح الفيزيائي الفلسفي مع الاهتمام العربي المتنامي بعلم الأحياء الفلكي؛ فإنجاز الإمارات بإيصال مسبار الأمل إلى مدار المريخ أشعل نقاشاً علمياً في المنطقة حول إمكانية الحياة خارج الأرض، كما يُعزّز توجّه وكالات الفضاء الخليجية نحو مهمات الكواكب الصغيرة هذا الاهتمام. ويُضيف بحث تراتشينكو بُعداً نظرياً عميقاً: حتى لو توافر الماء على كوكب ما، فقد تحتاج الحياة إلى ثوابت فيزيائية بعينها تجعل سوائله الخلوية قابلةً للعمل، وهو سؤال مفتوح تنطلق منه تساؤلات المنطقة العربية حول ما يختبئ في هذا الكون الشاسع.

وتحمل هذه النتائج أيضاً أهمية خاصة لعلم الأحياء الفلكي، الذي يبحث عن مؤشرات على إمكانية وجود حياة على كواكب أخرى؛ فإذا كانت شروط "الضبط الدقيق" متعددة ومستقلة كما يقترح تراتشينكو، فإن تقييم قابلية كوكب بعيد لاستضافة الحياة قد يتطلب النظر إلى عوامل تتجاوز وجود الماء ودرجة الحرارة المناسبة، لتشمل أيضاً مدى توافق الفيزياء الأساسية لذلك النظام مع احتياجات العمليات الحيوية على المستوى الخلوي.

المصدر الأصلي
ScienceDaily
قراءة المقال الأصلي ↗
قصة اليوم · كل صباح

أعجبك التقرير؟ استلم واحداً كل صباح.

قصةٌ تقنية واحدة تستحقّ وقتك، بالعربية. بلا إعلانات، بلا إزعاج.

بلا إعلانات · إلغاء الاشتراك بنقرة واحدة · بياناتك آمنة

اقرأ أيضًا

المزيد من علوم

مِظلّة شجرية لغابة استوائية في بنما

ديزي دنت تكشف الشبكات الخفية التي تُعيد غابات المطر الاستوائية إلى الحياة

تستخدم عالمة الإيكولوجيا ديزي دنت بيانات عقود من غابات بنما لإثبات أن الغابات الاستوائية المتنوعة قادرة على التجدد طبيعياً بفعل الحيوانات، بتكلفة أقل من مزارع الأشجار أحادية المحصول.

MIT Technology Review
شعاع ليزر يولّد خيطًا من البلازما يعمل كهوائي لبث موجات الراديو

باحثون يطورون هوائي بلازما ليزري قابل للضبط لبث موجات الراديو

طوّر فريق من جامعة ولاية كارولاينا الشمالية هوائيًا من خيط بلازما يُولّده شعاع ليزر في الهواء، وأثبتوا نجاحه في بث موجات راديوية بتردد 30 ميجاهرتز، مع إمكانية ضبط طوله واتجاهه كهربائيًا دون أجزاء متحركة.

ScienceDaily
رسم توضيحي لمفهوم الساعة النووية باستخدام نوى الثوريوم

علماء فيينا يطورون أول ساعة نووية ذاتية الاستقرار بالثوريوم-229

فريق من جامعة فيينا التقنية و PTB الألمانية يكشف عن أول ساعة نووية ذاتية الاستقرار تعتمد على نوى الثوريوم-229 بدل الذرات، في خطوة قد تفتح الباب لقياس الزمن بدقة غير مسبوقة.

ScienceDaily
تصور فني يوضح مصدراً كونياً للنيوترينو فوق مرصد آيس كيوب في القطب الجنوبي، مع مجسات ضوئية مدفونة في الجليد ترصد إشارات النيوترينو

فرانسيس هالزن يفوز بنوبل الفيزياء 2026 عن مرصد آيس كيوب لرصد النيوترينوات

فاز الفيزيائي فرانسيس هالزن من جامعة ويسكونسن-ماديسون بجائزة نوبل في الفيزياء لعام 2026 لقيادته تطوير مرصد آيس كيوب للنيوترينو المدفون في جليد القطب الجنوبي، الذي فتح باباً جديداً لعلم فلك النيوترينو.

Ars Technica
صورة لقطعة صخرية تحمل بصمة أداة خشبية بنصل ومقبض، إلى جانبها نموذج مجسم للأداة الخشبية الأصلية التي شكّلت هذا الأثر

أدوات خشبية نادرة لإنسان نياندرتال في إسبانيا نجت محفوظة داخل الحجر

عثر علماء آثار إسبان في ملجأ أبريك رومانی الصخري قرب برشلونة على 597 أثراً خشبياً من إنسان نياندرتال، محفوظة منذ 62 ألف سنة داخل قشرة صخرية من الترافرتين، في اكتشاف نادر يكشف تطور تقنياته وسلوكه اليومي.

Ars Technica
رسم توضيحي لتركيب جزيء كيميائي يظهر حلقة وسلسلة كربونية متفرعة بألوان مختلفة، يرمز إلى الكيرالية الجزيئية

نوبل الكيمياء 2026 لهنري كاغان وكينسو سواي لتفاعلات يدوية الجزيئات

فاز الفرنسي هنري كاغان والياباني كينسو سواي بجائزة نوبل في الكيمياء لعام 2026 لاكتشافهما تفاعلات كيميائية تنتج فائضاً كبيراً من أحد الشكلين المرآتيين للجزيء، في عمل يفسر أصل الحياة ويخدم صناعة الأدوية.

Ars Technica