مسبار آينشتاين يكشف عشر دقائق من أشعة إكس اللينة تلت انفجار غاما قصيرًا
رصد مسبار آينشتاين الفضائي انبعاثًا من أشعة إكس اللينة استمر نحو عشر دقائق بعد انفجار أشعة غاما قصير، في إشارة محتملة إلى ولادة نجم مغناطيسي عقب اندماج نجمين نيوترونيين.

رصد مسبار آينشتاين الفضائي، المخصص لمراقبة السماء بأشعة إكس اللينة بمجال رؤية واسع، ظاهرة فلكية لافتة في الرابع من يوليو 2025، حين تبع انفجار أشعة غاما قصيرًا أُطلق عليه الاسم EP250704a أو GRB 250704B، نشاطٌ من أشعة إكس استمر نحو عشر دقائق كاملة، بدلًا من أن يخفت على الفور كما يحدث في معظم الحالات المماثلة. ويرى فريق بحثي دولي نشر نتائجه في مجلة Science Bulletin أن هذا النشاط الممتد قد يكون ناتجًا عن ولادة نجم مغناطيسي حديث في قلب حدث اندماج نجمين نيوترونيين، وهو ما يفتح نافذة جديدة لفهم مرحلة خفية من هذه الاندماجات الكونية العنيفة لم تكن ملحوظة من قبل.
استمرت الوهجة الأولى لانفجار أشعة غاما أقل من نصف ثانية، وسجلتها عدة أجهزة في آنٍ واحد، منها كاشف أشعة غاما التابع لمرصد سفوم الفرنسي الصيني، وتلسكوب Insight-HXMT الصيني، إضافة إلى تلسكوب المجال الواسع لأشعة إكس على متن مسبار آينشتاين نفسه، وهو مهمة فضائية بالتعاون بين الصين وأوروبا. لكن المفاجأة جاءت بعد ذلك مباشرة؛ فبدلًا من أن يتلاشى المصدر، استمر في إصدار نبضات متقطعة من أشعة إكس اللينة لمدة تقارب عشر دقائق. وتشير التقديرات إلى أن هذا الانبعاث، لو وقع على مسافة كونية نموذجية بعيدة، لكان أضعف من أن تلتقطه أجهزة رصد أشعة غاما التقليدية مثل تلسكوب الإنذار بالانفجارات على متن مرصد سويفت، وهو ما يفسر احتمال تفويت هذه الظاهرة في أحداث سابقة مشابهة لم تُلحظ وقتها.
لتأكيد طبيعة المصدر، أطلق علماء من عدة مؤسسات حول العالم حملة رصد مكثفة شملت أشعة إكس والأشعة المرئية والموجات الراديوية في الساعات والأيام التالية للانفجار. وساعد التحليل الطيفي في تحديد الإزاحة نحو الأحمر للحدث، وتعيين المجرة المستضيفة التي وقع فيها، كما استبعد العلماء وجود مستعر أعظم مرافق للانفجار، وهو دليل مهم يرجّح أن مصدر الطاقة هو اندماج جسمين مدمجين، لا انهيار نجم ضخم كما يحدث في بعض انفجارات أشعة غاما الطويلة. وبذلك ترسّخت فكرة أن الحدث ناتج عن اندماج نجمين نيوترونيين لا عن انفجار نجمي من نوع آخر.
ووفق تحليل قادته الباحثة يي-هان إيريس يين، من جامعة هونغ كونغ ومعهد هونغ كونغ لعلم الفلك والفيزياء الفلكية، فإن التغيرات السريعة في سطوع الانبعاث، وتطور طيفه بمرور الوقت، إلى جانب رصد وهج لاحق في أشعة إكس والضوء المرئي في الأيام التالية، كلها مؤشرات تدل على أن الطاقة لم تأتِ من الموجة الصادمة المتوسعة إلى الخارج فقط، بل من نشاط مستمر في المحرك المركزي لبقايا الاندماج نفسه. ويرى الباحثون أن التفسير الأقرب لذلك هو تكوّن نجم نيوتروني سريع الدوران وبالغ المغناطيسية، أي نجم مغناطيسي حديث الولادة، يستمر في ضخ الطاقة لدقائق بعد الاندماج مباشرة، بدلًا من أن ينهار المصدر مباشرة إلى ثقب أسود كما تتوقع بعض النماذج النظرية.
شارك في قيادة الدراسة الباحث آن لي، طالب الدكتوراه في جامعة بيجين الطبيعية، الذي كان يتابع بيانات مسبار آينشتاين لحظة وصول الإشارة بصفته المسؤول المناوب عن الظواهر العابرة في المهمة، إلى جانب الأستاذ بن-بن تشانغ من جامعة نانجينغ، والأستاذة إليونورا تروخا من جامعة روما تور فيرغاتا، التي قادت مجموعتها عملية تحديد الإزاحة نحو الأحمر للحدث. ونُشرت نتائج الدراسة في مجلة Science Bulletin في عددها الثامن عشر من المجلد 71 لعام 2026، عبر بيان صحفي أصدرته دار Science China Press في الثامن من أكتوبر الجاري.
تحمل هذه النتائج دلالات تتجاوز حدث EP250704a نفسه؛ فقد تكون الانفجارات السريعة لأشعة إكس من هذا النوع نظيرًا كهرومغناطيسيًا مصاحبًا لمصادر موجات الجاذبية التي ترصدها مراصد أرضية متخصصة، إذ يمكن لهذه الأشعة أن تكشف تفاصيل فيزيائية لا تصل إليها موجات الجاذبية وحدها. كما يرى الفريق أن انبعاثات أشعة إكس اللينة الممتدة هذه قد تصاحب انفجارات غاما قصيرة أخرى دون أن تُلتقط بسبب ضعفها النسبي، ما يستدعي مراجعة أرشيفات الرصد السابقة بحثًا عن حالات مماثلة فاتت الأجهزة الأقل حساسية. والأهم أن دراسة هذا النوع من الأحداث قد تساعد الفلكيين على تقييد معادلة الحالة للمادة الفائقة الكثافة داخل النجوم النيوترونية، وهي من أكبر الأسئلة المفتوحة في الفيزياء الفلكية الحديثة.
تعكس هذه الدراسة أهمية الاستثمار العربي المتزايد في علم الفلك والفيزياء الفلكية؛ فالمملكة العربية السعودية تبني مرصد نيوم الفلكي الذي سيكون من أحدث مراصد العالم عند اكتماله، فيما قدّمت الإمارات من خلال مسبار الأمل تجربةً عملية رائدة لعلماء عرب في تحليل بيانات فضائية معقدة. وتُشير المنهجيات المعتمدة في تحليل انبعاثات أشعة إكس اللينة التي طورتها هذه الدراسة إلى أدوات يمكن لفرق الرصد الفلكي في المراكز البحثية بالرياض وأبوظبي والقاهرة توظيفها في رصد اندماجات النجوم النيوترونية وسائر الظواهر الفلكية العنيفة، مما يعزز مكانة المنطقة العربية في المجتمع الفلكي الدولي.
ويؤكد الباحثون أن مسبار آينشتاين، بفضل حساسيته العالية ومجال رؤيته الواسع في نطاق أشعة إكس اللينة، أثبت قدرته على كشف مرحلة كانت خفية حتى الآن من اندماج النجوم النيوترونية، وأن المزيد من الأحداث المماثلة المرتقبة خلال السنوات المقبلة، بالتزامن مع تحسّن حساسية مراصد موجات الجاذبية، قد يرسخ هذا النوع من الانبعاثات كأداة جديدة ومهمة لدراسة أعنف الظواهر الكونية وأكثرها كثافة، وفهم ما يحدث فعلًا في اللحظات الأولى التي تعقب اندماج نجمين نيوترونيين.
المزيد من علوم

كهف دريمولين يكشف وصول الإنسان المنتصب إلى جنوب أفريقيا أبكر بـ200 ألف سنة
حفرية جمجمة بالغة من كهف دريمولين بجنوب أفريقيا تشير إلى أن الإنسان المنتصب وصل إلى المنطقة قبل نحو مليوني سنة، أي أبكر بـ200 ألف سنة من التقديرات السابقة المستندة إلى موقع دمانيسي في جورجيا.

ناسا تموّل ثلاث مهمات لكشف كهوف قمرية وجليد مخفي قبل بناء أول قاعدة على القمر
أعلنت ناسا تمويل ثلاث حمولات علمية ضمن برنامج بريزم لاستكشاف الكهوف القمرية ورسم خرائط الجليد المخفي وتتبع مخاطر السطح، تمهيداً لإقامة أول قاعدة بشرية دائمة قرب القطب الجنوبي القمري.

ناسا تقيس بدقة غير مسبوقة تحرّك مركز كتلة الأرض مع تغير الفصول
طوّر باحثو وكالة ناسا طريقة أدق لقياس تحرّك مركز كتلة الأرض بضعة ملليمترات مع انتقال المياه والجليد والهواء بين الفصول، في تحديث يرفع دقة أنظمة تحديد المواقع والملاحة الفضائية.

فيزيائيون يعثرون على "شبح" التوصيل الفائق في مادة كمية نادرة
رصد باحثون أمريكيون نمطًا متموجًا من أزواج الإلكترونات يستمر في مادة يورانيوم ديتلورايد بعد أن تفقد خاصية التوصيل الفائق، في دليل يشير إلى أن هذه الأزواج قد تتشكل قبل دخول المادة فعليًا في الحالة الفائقة.

تلسكوب جيمس ويب يرصد آثار تصادمات عنيفة بين أجرام شبيهة بالمريخ حول نجوم فتية
رصد تلسكوب جيمس ويب الفضائي 21 قرص حطام نادرًا حول نجوم حديثة التكوّن، تحمل آثار تصادمات عنيفة بين أجنّة كوكبية، في اكتشاف يلقي ضوءًا على كيفية تشكّل القمر من ارتطام الأرض الفتية بجرم شبيه بالمريخ.

فيزيائيون في سيرن يرصدون مباشرة موجات الكواركات داخل حساء الانفجار العظيم
باحثون في مصادم الهادرونات الكبير بسيرن يرصدون للمرة الأولى مباشرة كيفية صنع الكواركات المنفردة لموجات داخل بلازما الكواركات والغلوونات، مؤكدين سلوكها السائل الشبيه بالماء.