لماذا يُعدّ بناء مدينة على القمر أصعب حتى من المريخ؟
يتسابق الأمريكيون والصينيون على بناء قواعد قمرية دائمة بحلول 2030، لكن الحرارة القاسية والإشعاع والغبار الكاشط تجعل القمر بيئة أشد عداءً من المريخ لأي محاولة استيطان بشري.

تتسارع وتيرة سباق فضائي جديد بين الولايات المتحدة والصين، وشركات القطاع الخاص، لإنشاء قاعدة قمرية دائمة، في وقت تدرس فيه وكالة ناسا بقيادة مديرها جاريد إيزاكمان خططاً طموحة قد تكلف عشرات المليارات من الدولارات، تشمل طائرات مسيّرة وأجهزة إنزال آلية وأقمار اتصال، ومفاعلاً نووياً، ومسّاحات آلية للبحث عن الماء في فوّهات القمر. وتوضح تحليلات متخصصة أن القمر، على عكس ما قد يبدو من قربه من الأرض، يُعدّ بيئة أشد عداءً للحياة البشرية من كوكب المريخ نفسه في جوانب عديدة.
فدرجات الحرارة على سطح القمر تتجاوز 120 درجة مئوية نهاراً، وتنخفض إلى ما دون 130 درجة تحت الصفر ليلاً، بينما قد تنخفض في فوهات القطب الجنوبي المحجوبة بشكل دائم عن الشمس إلى ما دون 240 درجة تحت الصفر. ويمتد اليوم القمري الواحد، نهاره وليله، لما يقارب 14 يوماً أرضياً، مما يعني فترات طويلة جداً من الظلام والبرد القارس تتعاقب مع فترات حارقة من ضوء الشمس المباشر.
وتتعرض بيئة القمر أيضاً لـ الأشعة الكونية المجرية التي تخترق الدروع الرقيقة وتولّد جسيمات ثانوية خطرة، بالإضافة إلى التوهجات الشمسية وحالات القذف الكتلي الإكليلي التي قد تطلق جرعات إشعاعية خطيرة بشكل مفاجئ وصعب التنبؤ به. وتشير التقديرات إلى أن التعرّض الآمن لسطح القمر قد يقتصر على نحو عامين فقط على مدى حياة رائد الفضاء المهنية بكاملها.
وتمثل التربة الكوكبية القمرية، الدقيقة والمشحونة كهربائياً والكاشطة، تهديداً مباشراً للمعدات، حيث تتسبب في تلف الأختام والمحركات وبدلات الفضاء، وهو ما تسبب فعلياً بما عُرف خلال مهمات أبولو بـ"حمى حبوب القمر" لدى بعض الرواد. وتزيد عمليات الإقلاع والهبوط للمركبات من خطورة هذه التربة، إذ تتسبب في نثرها بقوة قد تشبه عمليات السفع الرملي على القاعدة ومحيطها.
ولمواجهة هذه التحديات، تدرس وكالة ناسا حلولاً متعددة، من أبرزها بناء المساكن تحت سطح القمر أو داخل أنبوب بركاني طبيعي، وتكديس التربة الكوكبية على الجدران الخارجية لتوفير دروع إشعاعية إضافية، وإنشاء ملاجئ خاصة للاحتماء أثناء العواصف الشمسية الحادة. وفي مجال مكافحة الغبار، جرى اختبار نظام يُعرف بـ الدرع الكهرودينامي للغبار على سطح القمر فعلياً عام 2025، إلى جانب أفكار أخرى كأسطح لاصقة مستوحاة من أقدام الوزغ، وأجهزة تطلق نيتروجيناً مؤيَّناً لتنظيف الأسطح من الغبار العالق.
وبما أن الطاقة الشمسية غير عملية خلال الليالي القمرية التي تمتد أسبوعين متواصلين، تُعدّ المفاعلات النووية الصغيرة الخيار الأكثر جدوى لتزويد القاعدة بالطاقة، إذ تخطط ناسا لنشر أول مفاعل نووي قمري بحلول عام 2030، فيما تستهدف الصين وروسيا، في مشروع مشترك، إنشاء محطة طاقة نووية قمرية مماثلة بحلول 2035 تقريباً. وبالنسبة للماء والغذاء، تدرس ناسا استخدام التحليل الكهربائي لتفكيك الماء المستخرج من القمر إلى أكسجين للتنفس وهيدروجين لوقود الصواريخ، إضافة إلى تجارب في إعادة تدوير المياه والزراعة الدفيئة القمرية بمساعدة الفطريات لزراعة محاصيل مثل الحمص.
ويتوقع القائمون على برنامج القاعدة القمرية بناسا أن تكون نسبة 99 بالمئة من أعمال البناء الأولية آلية بالكامل، عبر روبوتات تحفر التربة الكوكبية وتمهّد مدرجات الهبوط وتبني السواتر الترابية، وأن يُشحن بعض هذه الروبوتات من المفاعل النووي نفسه. وعلى الجانب الصحي، استُخدمت في مهمة أرتميس 2 شريحة العضو مصنوعة من نخاع عظم رواد الفضاء أنفسهم لرصد تأثيرات بيئة الفضاء على أجسامهم، مع خطط لاختبار عضويات دماغية مصغّرة مستقبلاً.
وتستهدف ناسا إرسال أول مهمات مأهولة لسطح القمر بحلول 2028، تليها مراحل توسّع تدريجية في الثلاثينيات تشمل وحدات سكن ومحطات بحثية ومرافق تعدين، وقد تتحول هذه القواعد إلى مدن قمرية أكبر بحلول نهاية القرن الحالي بحسب تصورات تخمينية لا تزال بعيدة عن التأكد. ويرى خبراء أن العقبة الأكبر قد لا تكون تقنية بالضرورة، بل سياسية واقتصادية، في ظل تغيّر الأولويات مع كل تغيّر في الإدارات الحاكمة، وشكوك حول وجود اقتصاد قمري مستدام بالفعل. ويحذّر بعض المراقبين من أن القطب الجنوبي للقمر قد يتحوّل إلى ساحة تنافس عسكري بين القوى الكبرى، في حين يأمل آخرون أن يبقى موقعاً للتعاون العلمي الدولي، على غرار محطات البحث في القارة القطبية الجنوبية على الأرض.
وتتقاطع هذه التحديات التقنية مع المسيرة الفضائية العربية المتنامية؛ فقد نجح مسبار الأمل الإماراتي في دخول مدار المريخ عام 2021 بوصفه أول مهمة عربية استكشافية، ويخطط مركز محمد بن راشد للفضاء لمهمة استكشاف الحزام الرئيسي للكويكبات بحلول 2028. وتُبيّن التحديات التي يرصدها هذا التقرير — من إشعاع قاسٍ وغبار كاشط وليالٍ قارسة — مقدارَ الاستثمار التقني والبحثي الذي تحتاجه الكوادر الفضائية العربية للإسهام في مشاريع الاستيطان القمري المستقبلية ضمن تحالفات دولية.
ويضع هذا السباق الفضائي الجديد الشركات الخاصة في موقع محوري إلى جانب الوكالات الحكومية، إذ تسعى جهات مثل بلو أوريجن وشركة Lunar Outpost، المزوّدة لناسا بأحد مركباتها الجوّالة، إلى تطوير تقنيات الحفر والتنقل والإسكان التي ستحدد شكل الوجود البشري الدائم على القمر خلال العقد المقبل.
المزيد من هندسة الطيران والفضاء

خبراء الفضاء يناقشون متطلبات بناء قاعدة قمرية دائمة في ندوة بجامعة جونز هوبكنز
ناقش أربعة خبراء من ناسا وأسترولاب وفايرفلاي إيروسبيس ومختبر الفيزياء التطبيقية ما يلزم تقنياً ولوجستياً واقتصادياً لإقامة قاعدة قمرية في السنوات القليلة المقبلة.

فرانسيس هالزن يفوز بنوبل الفيزياء 2026 عن مرصد آيس كيوب لرصد النيوترينوات
فاز الفيزيائي فرانسيس هالزن من جامعة ويسكونسن-ماديسون بجائزة نوبل في الفيزياء لعام 2026 لقيادته تطوير مرصد آيس كيوب للنيوترينو المدفون في جليد القطب الجنوبي، الذي فتح باباً جديداً لعلم فلك النيوترينو.
.jpg)
ناسا تفتح نحو تيرابايت من بيانات أرتيميس 2 أمام الباحثين والجمهور
أتاحت وكالة ناسا للجمهور والباحثين نحو تيرابايت من صور وتسجيلات صوتية ومرئية وملاحظات دوّنها رواد مهمة أرتيميس 2 حول القمر، بهدف دعم أبحاث العودة إلى القمر والتحضير لمهمات المريخ.

رواد مهمة كرو-12 يعودون إلى الأرض بعد 237 يوماً قضوها في الفضاء
عاد رواد مهمة كرو-12 التابعة لناسا إلى الأرض بعد 237 يوماً في الفضاء وأكثر من 100 مليون ميل مقطوعة، في هبوط بحري لمركبة كرو دراغون شمل أبحاثاً تدعم مهمات القمر والمريخ المستقبلية.

شركة إكسونا تستعد لتشغيل بديل تجاري لنظام جي بي إس بدقة سنتيمترية
تستعد شركة إكسونا سبيس سيستمز لتشغيل خدمة بالسار، بديل تجاري لنظام جي بي إس يعتمد على أقمار المدار المنخفض ويقدم دقة سنتيمترية، بعد إطلاق أول أقمارها التشغيلية عبر صاروخ سبيس إكس.
تلسكوب تشايم يرصد إشارة هيدروجين عمرها 9 مليارات سنة لرسم خريطة الكون
باستخدام بياناته فقط، رصد تلسكوب تشايم الراديوي توهجاً باهتاً لغاز الهيدروجين قطع 9 مليارات سنة ليصلنا، في تقنية جديدة ترسم خريطة الكون وتختبر فرضيات الطاقة المظلمة بتكلفة أقل من مسوح المجرات.