لفّة واحدة تُقرِّب الحوسبة الكمومية: اكتشاف ثوري في نيتريد البورون السداسي
باحثون أستراليون يكتشفون أن تدوير طبقات نيتريد البورون السداسي يُتيح تحكماً غير مسبوق في الباعثات الكمومية، مما يفتح آفاقاً جديدة للاتصالات الكمومية والحوسبة الكمومية.

توصّل باحثون من جامعة تكنولوجيا سيدني في أستراليا إلى اكتشاف لافت قد يُغيّر مسار تطوير تقنيات الحوسبة الكمومية: مجرد تدوير طبقات رقيقة جداً من مادة نيتريد البورون السداسي على بعضها يُغيّر جذرياً خصائص الضوء الصادر عن الباعثات الكمومية المضمّنة في هذه المادة. البحث نُشر في مجلة ساينس أدفانسز في يونيو 2026.
نيتريد البورون السداسي مادة بالغة الرقة يمكن تقشيرها إلى طبقات بُعد كل منها ذرة واحدة، تشبه في طبيعتها مادة الغرافين الشهيرة. وما اكتشفه الفريق هو أن انتزاع هذه الطبقات ووضعها متعاقبة بزوايا دوران مختلفة يُمكّن العلماء من التحكم في طول الموجة ولون الضوء الصادر عن الباعثات الكمومية داخلها، وذلك بدرجة تفوق ما يمكن تحقيقه مع المواد الكمومية التقليدية كالماس وكربيد السيليكون.
قال الدكتور أنغوس غيل، أحد أبرز الباحثين في الفريق: "هذه التقنية تمنحنا ذراعاً جديدة للتحكم في الانبعاث الكمومي، وهي خطوة نحو تحقيق تقنيات الكم التطبيقية". وأضاف: "لا يمكنك فعل ذلك مع المواد التقليدية كالماس أو كربيد السيليكون"، في إشارة إلى الميزة الاستثنائية التي يمنحها تركيب المادة الطبقي.
الباعثات الكمومية المضمّنة في هذه المواد تُعدّ من أساسيات بناء أنظمة الاتصالات الكمومية والحوسبة الكمومية والاستشعار الكمومي. ففي الشبكات الكمومية، الحاجة ماسة إلى مصادر فوتونات واحدة ومُتحكَّم فيها بدقة شديدة، وهو ما يُوفره هذا الاكتشاف بطريقة لم تكن ممكنة من قبل.
البُعد العملي للاكتشاف يكمن في البساطة غير المتوقعة للأسلوب: فبدلاً من تطوير مواد جديدة كلياً أو تقنيات تصنيع بالغة التعقيد، يمكن توليد خصائص كمومية مختلفة ومتنوعة بمجرد تغيير زاوية دوران الطبقات. هذه المرونة تجعل المادة قابلة للتكيّف مع متطلبات التطبيقات المختلفة، وقد تُسهم في تسريع الانتقال من النماذج المعملية إلى أجهزة كمومية قابلة للتصنيع على نطاق أوسع.
أكد البروفسور إيغور أهارونوفيتش، مدير الفريق البحثي، أن هذه المواد يمكن في نهاية المطاف توظيفها في الحوسبة الكمومية والاتصالات الكمومية والاستشعار الكمومي. ولفت إلى أن مجال البحث لا يزال في مراحل مبكرة وأن التطبيقات التجارية تستلزم تجاوز عقبات هندسية عديدة، لكن هذا الاكتشاف يفتح باباً كان مغلقاً.
تتسابق في الوقت الراهن دول ومؤسسات عديدة لبناء أولى شبكات الاتصالات الكمومية الفعلية والحواسيب الكمومية ذات الصلاحية التطبيقية. ويرى كثير من الخبراء أن العقد القادم سيشهد انتقالاً من مرحلة الإثبات النظري إلى النشر العملي لبعض التطبيقات الكمومية المحدودة، لا سيما في مجالَي التشفير وقياسات الاستشعار عالي الدقة.
في هذا السياق، تُقدّم مادة نيتريد البورون السداسي نفسها مرشحاً جدياً لعدة أسباب: فهي غير مكلفة نسبياً، وخاملة كيميائياً، ومتوافقة مع كثير من العمليات التصنيعية القائمة. واكتشاف أن طيّها وتدويرها ينتج تأثيرات كمومية استثنائية يُضيف إليها قيمة لم تكن في الحسبان.
على صعيد العالم العربي، تولي بعض الدول هذا المجال اهتماماً متنامياً؛ إذ أطلقت الإمارات برامج وطنية للحوسبة الكمومية ضمن استراتيجيتها للذكاء الاصطناعي، وأسست مراكز بحثية متخصصة في جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي وجامعة خليفة. كما تُموّل مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية (كاكست) بحوثاً كمومية ناشئة في المملكة العربية السعودية. واكتشاف مادة رخيصة ومتوافقة مع خطوط التصنيع الحالية كنيتريد البورون قد يُخفّض الحواجز التقنية والمالية أمام الدول العربية الطامحة لبناء بنية تحتية كمومية وطنية.
يسير العلم الكمومي اليوم بخطى متسارعة، والطريق نحو تقنيات كمومية عملية يُرصف شيئاً فشيئاً باكتشافات كهذا — بسيطة في الوصف، عميقة في الأثر.
المزيد من أجهزة

الأسلحة البيولوجية بالذكاء الاصطناعي: تحذير عاجل لقطاع التقنية الحيوية
يُحذّر خبراء وباحثون من خطر متصاعد يمثله الذكاء الاصطناعي في تسهيل تصميم مسببات أمراض وعوامل بيولوجية خطرة، مطالبين بإجراءات وقائية فورية في قطاع التكنولوجيا الحيوية.

علماء يُعيدون بروتين الدماغ مينين ويعكسون علامات الشيخوخة في الفئران
اكتشف علماء أن انخفاض بروتين مينين في الدماغ مع التقدم في العمر قد يكون محركاً للشيخوخة في الجسم كله، وأن استعادته في الفئران عكست فقدان العظام وترقق الجلد وتراجع القدرات المعرفية.

تلسكوب رومان الفضائي قد يعمل لأكثر من ضعف المدة المخططة
كشفت ناسا أن تلسكوب نانسي غريس رومان الفضائي يمتلك وقوداً يكفي لأكثر من 22 عاماً من العمليات العلمية، بسبب دقة استثنائية في مناورات تصحيح المسار.
رقاقة كالتك تُوجّه الضوء في 74 فيمتوثانية بتقنية ثورية
طوّر باحثو معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا رقاقة نانوية تُعيد توجيه حزم الضوء في 74 فيمتوثانية مستخدمةً تأثير كير البصري، في إنجاز يفتح آفاقاً جديدة لتقنيات الاتصالات والحوسبة الضوئية.
أنثروبيك تُشغّل مختبراً بيولوجياً لاختبار نماذجها في العالم الحقيقي
أكدت شركة أنثروبيك امتلاكها مختبراً بيولوجياً رطباً في منطقة خليج سان فرانسيسكو تُجري فيه تجارب فيزيائية باستخدام نماذجها، في خطوة تعكس سعيها لتطبيق الذكاء الاصطناعي في علوم الحياة.
اكتشاف ضفدع جديد في أدغال الأمازون يُسلّط الضوء على التنوع الخفي في الطبيعة
رصد علماء الأحياء نوعاً جديداً من الضفادع في غابات الأمازون الغربية المغمورة بالمياه، يتطابق مظهره مع الأنواع المعروفة لكنه يختلف عنها جينياً وصوتياً، مُجسِّداً ظاهرة التنوع الخفي.