كاشف أشعة سينية فائق التوصيل في برلين يتجاوز دقة الأجهزة التقليدية بألف مرة
افتتح فريق أوروبي-أمريكي أول طيفية سنكروترونية في أوروبا مبنية على مستشعرات حافة الانتقال الفائقة التوصيل، تعمل قرب الصفر المطلق لدراسة المواد النانوية والكمومية بدقة غير مسبوقة.

أعلن فريق من المعاهد البحثية الأوروبية والأمريكية عن تدشين أول طيفية للأشعة السينية في أوروبا تعتمد على مستشعرات حافة الانتقال الفائقة التوصيل، مُثبَّتة في مرفق بيسي الثاني السنكروتروني في برلين. وتتفوق هذه الأداة على أجهزة قياس الأشعة السينية التقليدية بما يتراوح بين مئة وألف مرة من حيث الحساسية، مُفتِحةً آفاقاً جديدة لدراسة المواد النانوية والكمومية بأدق مستوياتها.
الأداة الجديدة في جوهرها مصفوفة مؤلفة من 248 مستشعراً فائق التوصيل يعمل عند درجة حرارة 25 مللي كلفن فوق الصفر المطلق، أي ما يُعادل أقل من 25 جزءاً من الألف درجة مئوية فوق برودة الكون القصوى الممكنة نظرياً. ولتحقيق هذه الحرارة البالغة الانخفاض، يعتمد الجهاز على مُبرِّد تخفيف يُشغّل خليطاً من الهيليوم-3 والهيليوم-4، وهو النوع ذاته المُستخدم في منظومات الحوسبة الكمومية.
يكمن سر التفوق في مبدأ التوصيل الفائق: عند تبريد المادة دون درجة حرجة معينة تفقد مقاومتها الكهربائية تماماً، مما يُتيح كشف أصغر كميات الطاقة الممكنة من الفوتونات. وحين يتعلق الأمر بفوتونات الأشعة السينية، يستطيع هذا الكاشف قياس طاقة كل فوتون بدقة استثنائية لم تكن ممكنة من قبل، وهو ما يُحدد قيمته العلمية الفائقة.
تتعدد التطبيقات العلمية المباشرة: دراسة المواد ذرية السماكة كمادة الغرافين، وتحليل الشوائب الكيميائية البالغة الضآلة، واستكشاف خصائص المواد الكمومية التي تُعدّ أساس الحوسبة الكمومية للجيل القادم. والأثر العملي الفوري هو أن التجارب التي كانت تستغرق ساعات من جمع البيانات تُنجز اليوم في دقائق، مما يُضاعف الإنتاجية البحثية بصورة جوهرية.
شاركت في تطوير هذه المنظومة كل من معهد هيلمهولتز لمواد برلين ومركز ماكس بلانك للتحويل الكيميائي للطاقة في ميولهايم ألمانيا، والمعهد الوطني الأمريكي للمعايير والتقنية (NIST) في كولورادو، في تعاون دولي نادر في مجال تقنيات الكشف العلمي.
لا تعمل على مستوى العالم سوى خمسة أجهزة مماثلة في مرافق الأشعة السينية الكبرى، ويُمثّل مرفق بيسي الثاني المنشأة السنكروترونية الأوروبية الوحيدة التي تضم هذه التقنية. وهذا الشح يُلقي ضوءاً على الاستثمار الهائل الذي تتطلبه هذه الأنظمة والثقل العلمي الذي تمنحه لمن يمتلكها.
وفي السياق العربي، تُبرز هذه القفزة التقنية أهمية الاستثمار في البنية التحتية البحثية الدقيقة. فجامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية (كاوست) في المملكة العربية السعودية تشتغل على أبحاث المواد النانوية والطاقة المتجددة، وتتطلع جامعات خليجية متعددة إلى بناء برامج متقدمة في الفيزياء والكيمياء. غير أن المنطقة العربية تفتقر حتى الآن إلى مرفق سنكروتروني مستقل، مما يضطر باحثيها إلى السفر إلى أوروبا أو أمريكا لإجراء تجارب طيفية دقيقة. ويُعدّ السعي إلى مرفق سنكروتروني عربي مشترك — في ظل الإمكانات المالية لدول الخليج وتوجهاتها البحثية — استثماراً استراتيجياً سيُتيح الاستفادة المباشرة من تقنيات الكشف الفائقة الحساسية كهذه.
تُذكّرنا هذه القفزة في تقنيات القياس بأن التاريخ العلمي يسير كثيراً على وقع أدوات الرصد الجديدة: من التلسكوب الذي أعاد رسم الكون إلى المجهر الذي فتح عالم الخلية. كذلك أجهزة طيف الأشعة السينية الفائقة الحساسية ستفتح عالماً من المعرفة في بنية المادة الدقيقة لم يكن في المتناول من قبل.
المزيد من أجهزة

أزمة المواد الخام: كيف تتحول أشباه الموصلات إلى عائق أمام الذكاء الاصطناعي؟
يحلل مسؤول تقني في مجموعة سيانسكو كيف باتت متطلبات الذكاء الاصطناعي تتجاوز الحدود الفيزيائية لأشباه الموصلات ومواد مراكز البيانات وتعيد تعريف ما هو ممكن تقنياً.

فوهة عملاقة على قمر فوبوس قد تكشف أصله الفلكي الغامض
يدرس علماء ألمان الفوهة الضخمة ستيكني على قمر المريخ فوبوس لتحديد ما إذا كان قمراً من حطام تصادم أم كويكباً مسجوناً، وتأمل مهمة يابانية مرتقبة في حسم هذا اللغز.

سنّ ديناصور عمرها 66 مليون سنة تكشف أن تيرانوصورس ريكس كان دافئ الدم كالإنسان
طوّر علماء جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس تقنية تحليل نظيري لمينا الأسنان المتحجرة، لتكشف أن التيرانوصورس ريكس حافظ على حرارة جسمه عند 36 درجة مئوية تقريباً كالإنسان.

التشابك الكمومي يجتاز أقسى اختبار في مصادم الجسيمات الكبير
رصد فيزيائيون من جامعة أكسفورد أدلة قاطعة على التشابك الكمومي بين بوزونات Z الثقيلة في مصادم الجسيمات الكبير بسيرن، مؤكدين رسوخ ظاهرة أينشتاين في أشد البيئات قسوة.

عقد من الانتظار وظرف مختوم: ثابت الجاذبية الكوني يُربك العلماء مجدداً
كشفت تجربة امتدت عشر سنوات في معهد NIST الأمريكي أن ثابت الجاذبية الكونية لا يزال يقاوم القياس الدقيق بفارق 0.0235% عن قياسات سابقة، محييةً لغزاً فيزيائياً عمره قرنان.

الأسلحة البيولوجية بالذكاء الاصطناعي: تحذير عاجل لقطاع التقنية الحيوية
يُحذّر خبراء وباحثون من خطر متصاعد يمثله الذكاء الاصطناعي في تسهيل تصميم مسببات أمراض وعوامل بيولوجية خطرة، مطالبين بإجراءات وقائية فورية في قطاع التكنولوجيا الحيوية.