جائزة أوروبية كبرى لمكتشفي المغناطيسية المتبدلة الصنف الثالث من المغناطيسية
ثلاثة فيزيائيين يفوزون بجائزة أوروبا للفيزياء لاكتشافهم المغناطيسية المتبدلة، صنفاً ثالثاً من المغناطيسية ظل مخفياً أكثر من قرن ويعِد بتطبيقات في الإلكترونيات الدورانية.

مُنح ثلاثة فيزيائيين جائزة أوروبا للفيزياء لعام 2026، التي تمنحها الجمعية الأوروبية للفيزياء عن قسم فيزياء المادة المكثفة، تقديراً لاكتشافهم صنفاً جديداً تماماً من المغناطيسية أطلق عليه اسم "المغناطيسية المتبدلة"، وهو ما يمثل إضافة إلى التصنيف الكلاسيكي الذي ظل سائداً في علم المغناطيسية لأكثر من قرن من الزمن.
ويذهب الفضل في هذا الإنجاز إلى البروفيسور خايرو سينوفا، مدير مركز ظواهر السبين البينية بجامعة يوهانس غوتنبرغ في ماينتس الألمانية، والدكتور ليبور شميكال الذي عمل سابقاً في نفس الجامعة قبل انتقاله إلى معهدي ماكس بلانك في درسدن والأكاديمية التشيكية للعلوم، والبروفيسور توماش يونغفيرت من معهد الفيزياء التابع للأكاديمية التشيكية للعلوم وجامعة نوتنغهام البريطانية. وكان حفل تسليم الجائزة قد أُقيم في شهر سبتمبر من عام 2026 خلال مؤتمر فيزياء المادة المكثفة الذي استضافته مدينة غراتس النمساوية.
ولفهم أهمية هذا الاكتشاف، لا بد من التذكير بأن علم المغناطيسية كان يقسّم المواد تاريخياً إلى فئتين أساسيتين من المغناطيسية الخطية المحورية: المغناطيسية الحديدية، التي تتجه فيها العزوم المغناطيسية للذرات في اتجاه واحد موحّد فتنتج مجالاً مغناطيسياً قوياً كما في الحديد، والمغناطيسية المضادة للحديدية، التي تتعاكس فيها هذه العزوم بين الذرات المتجاورة فتتلاشى معظم المغنطة الصافية للمادة ككل. أما المغناطيسية المتبدلة، فتمثل حالة وسيطة غريبة تجمع بين خصائص الفئتين معاً: فهي من جهة تفتقر إلى مغنطة صافية ظاهرة كما في المواد المضادة للحديدية، لكنها من جهة أخرى تحتفظ بخصائص إلكترونية كانت تُعتقد مقصورة على المواد الحديدية المغناطيسية وحدها.
ويعود أصل هذا الاكتشاف إلى تصنيف تماثلي نظري وضعه الباحثون الثلاثة في عام 2022، حدّدوا من خلاله مئات المواد المرشحة لإظهار هذا السلوك المغناطيسي الجديد. وما ميّز هذا العمل أنه لم يبق حبيس الأوراق النظرية، بل تبعته تجارب فعلية باستخدام تقنية مطيافية الانبعاث الفوتوني المحلَّلة زاوياً إلى جانب قياسات النقل الكهربائي، وهما أداتان تجريبيتان تسمحان برصد البنية الإلكترونية للمواد الصلبة بدقة عالية، فأكدت هذه القياسات صحة التوقعات النظرية وثبّتت المغناطيسية المتبدلة كظاهرة فيزيائية حقيقية قابلة للرصد المباشر، لا مجرد فرضية رياضية.
ويقول البروفيسور سينوفا تعليقاً على الجائزة: إن اكتشاف طور مغناطيسي جديد كلياً ظل مخفياً لأكثر من مائة عام يثبت أن حتى المجالات العلمية الناضجة التي يُفترض أنها مكتملة الفهم ما زالت قادرة على إخفاء مفاجآت كبرى. وتعكس هذه العبارة حجم الدهشة التي أحدثها الاكتشاف في مجتمع فيزياء المادة المكثفة، نظراً إلى أن تصنيف أنواع المغناطيسية يُعد من أقدم فروع الفيزياء وأكثرها رسوخاً.
ومنذ الكشف عن المغناطيسية المتبدلة، توسّع هذا المجال البحثي بسرعة ملحوظة، حيث انضمت فرق بحثية من أوروبا وأمريكا الشمالية وآسيا إلى استكشاف خصائص هذه المواد وتطبيقاتها المحتملة. ويكمن الاهتمام الأكبر بهذه المواد في مجال الإلكترونيات الدورانية، وهو فرع تقني يسعى إلى استثمار خاصية دوران الإلكترون الذاتي، المعروفة بالسبين، إلى جانب شحنته الكهربائية، لتخزين المعلومات ومعالجتها بسرعة أكبر واستهلاك أقل للطاقة مقارنة بالإلكترونيات التقليدية القائمة على الشحنة وحدها.
وتكمن الميزة الفريدة للمغناطيسية المتبدلة في هذا السياق في أنها توفر إمكانية توليد تيارات سبينية قابلة للرصد والتحكم، رغم غياب المغنطة الصافية الخارجية التي تجعل عادة من المواد المغناطيسية الحديدية مصدر تشويش في الدوائر الإلكترونية الدقيقة. وهذا يعني أن المواد المتبدلة مغناطيسياً قد تجمع بين ميزتين كانت فيزياء المواد تعتبرهما متعارضتين في السابق: استقرار المواد المضادة للحديدية من جهة، وقابلية استثمار السبين التي تتميز بها المواد الحديدية المغناطيسية من جهة أخرى.
وتتقاطع أبحاث المغناطيسية المتبدلة مع مساعي دول الخليج لتطوير صناعات إلكترونية متقدمة ضمن مسيرة التنويع الاقتصادي؛ إذ تمثّل صناعة أشباه الموصلات وذاكرات الحاسوب قطاعاً محورياً في هذا التحول. وتستثمر جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية (كاوست) في أبحاث علم المواد والإلكترونيات المتقدمة، وتُجري مراكز بحثية في الإمارات والأردن دراسات في المواد الوظيفية المغناطيسية. وتُعدّ هذه المواد الجديدة مُرشّحة مستقبلية واعدة لتصميم أجيال جديدة من ذاكرات الحاسوب والمعالجات المتكاملة قليلة الاستهلاك، مما قد يُتيح للقطاع التقني الخليجي الانتقال من دور المستورد إلى دور المساهم في منظومة الإلكترونيات الدورانية.
وبينما لا تزال التطبيقات العملية لهذه المواد في طور البحث والتطوير، يرى مختصون أن هذا الاكتشاف قد يمهد الطريق على المدى الطويل لتصميم أجيال جديدة من ذاكرات الحاسوب والمعالجات القائمة على مبدأ السبين، وهو ما يفسر الاهتمام المتزايد بهذا الحقل البحثي منذ الإعلان الأول عنه قبل أربع سنوات، وصولاً إلى تكريمه الآن بإحدى أرفع الجوائز الأوروبية في مجال فيزياء المادة المكثفة.
المزيد من الهندسة الإلكترونية

إعادة توحيش الجزر المرجانية قد تساعدها على مجاراة ارتفاع مستوى البحر
دراسة على 28 جزيرة مرجانية تكشف أن الطيور البحرية والنباتات الأصلية والشعاب السليمة تشكل منظومة متكاملة قادرة على تعزيز نمو الجزر في مواجهة ارتفاع مستوى سطح البحر.

إنجاز تجريبي نادر: تشابك كمي بين خرزة زجاجية وشعاع من الضوء
باحثون ينجحون في جعل خرزة زجاجية مرئية بالعين المجردة تتشابك كمياً مع حقول ضوئية داخل تجويف ضوئي، في تجربة تفتح الباب لتطوير ذواكر كمومية ميكانيكية.

فيزيائيون يبتكرون حالة كمية غريبة تُعرف ببحر فيرمي الكسري
فريق من جامعة إنسبروك الأوروبية يحقق حالة كمية استثنائية في ذرات السيزيوم المبردة تحتفظ بنظام خفي رغم إثارتها الشديدة، في اكتشاف يتحدى نظريات سوائل الكم السائدة.

ثقبان أسودان هائلان في مجرة بعيدة قد يندمجان خلال قرن واحد فقط
رصد فلكيون زوجاً من الثقوب السوداء الهائلة في مجرة ماركاريان 501 يدوران حول بعضهما كل 121 يوماً، وقد يندمجان في فترة قصيرة فلكياً لا تتجاوز قرناً.

ست أفكار جريئة يبحثها العلماء لإطالة عمر العقل البشري
من زرع الرأس إلى محاكاة الدماغ رقمياً، تستعرض مراجعة علمية جديدة ست مقاربات تجريبية يسعى بعض الباحثين من خلالها إلى تمديد وجود العقل البشري، مع تحفظات علمية وأخلاقية كبيرة على كل منها.

إنزيم بكتيري يشبه "باك-مان" يفتح أفقاً جديداً لتحليل اللدائن الحيوية
باحثون ألمان يكتشفون إنزيماً بكتيرياً قادراً على تفكيك لدائن حيوية قابلة للتحلل خلال نحو عام في التربة، في خطوة قد تعيد رسم ملامح صناعة البلاستيك المستدام.