فيزيائيو برينستون يقترحون تسخين البلازما قبل تكثيفها لتسهيل الاندماج النووي
اقترح فيزيائيون في مختبر برينستون لفيزياء البلازما عكس ترتيب خطوات الوصول إلى اشتعال الاندماج النووي: تسخين البلازما أولاً ثم زيادة كثافتها، مسار نظري قد يقلّل الطاقة اللازمة لتحقيق الاندماج.

اقترح فريق من فيزيائيي مختبر برينستون لفيزياء البلازما (PPPL) التابع لوزارة الطاقة الأمريكية نهجاً جديداً للوصول إلى "اشتعال الاندماج النووي"، قوامه عكس الترتيب التقليدي لخطوات تسخين البلازما وزيادة كثافتها، في دراسة نظرية نُشرت في العاشر من أكتوبر 2026 في دورية Physical Review Letters، ونقلها موقع ساينس ديلي (ScienceDaily) عن المختبر. وقد يفتح هذا المسار، إن تأكدت صحته، طريقاً أقل تكلفة من الطاقة لتحقيق تفاعلات اندماج نووي تُغذّي نفسها ذاتياً، وهي خطوة طويلاً ما سعت إليها أبحاث الطاقة النظيفة.
ووقّع الدراسة ثلاثة باحثين من المختبر، هم لويس دلغادو أباريثيو (Luis F. Delgado-Aparicio) وماساويوكي أونو (Masayuki Ono) وجوناثان مينارد (Jonathan E. Menard)، تحت عنوان "تعميم إمكانية الوصول إلى اشتعال الاندماج وفق معيار لوسون-كوردي-ميلز"، وحملت الدراسة الرقم التعريفي للرقمنة DOI: 10.1103/mmc9-nzfx.
وتقوم الاستراتيجيات التقليدية المعتمدة في تصميم مفاعلات الاندماج، كالتوكاماك والستيلاراتور، على زيادة كثافة البلازما أولاً، ثم إضافة كمية كبيرة من الحرارة اللازمة لبلوغ الاشتعال. أما النهج الذي يقترحه فريق برينستون فيعكس هذا الترتيب: تسخين البلازما أولاً، ثم رفع كثافتها تدريجياً بعد ذلك. ويرى الباحثون أن هذا التسلسل يتيح تجنّب المرحلة الأكثر استهلاكاً للطاقة في المسار التقليدي نحو الاشتعال.
ولإثبات هذا الطرح نظرياً، عمل الفريق على توسيع "معيار لوسون"، وهو المعيار العلمي الذي وضعه الفيزيائي جون لوسون في عام 1955، ويحدد الشروط الدنيا من الحرارة والكثافة وزمن الحصر اللازمة لتحقيق اندماج نووي مُجدٍ من حيث الطاقة، وما زال يوجّه أبحاث الاندماج منذ أكثر من سبعين عاماً. وأضاف الباحثون إلى هذا المعيار أربعة عوامل جديدة: تراكم "رماد الهيليوم" الناتج عن التفاعلات نفسها، وتلوث البلازما بالشوائب المعدنية، وفقد الطاقة عبر إشعاع السنكروترون، وفقد الحرارة بصفة عامة.
ومن خلال هذا التعميم الرياضي، حدّد الباحثون نقطة مرجعية أسموها "سرج كوردي" (Cordey saddle)، وهي نقطة حدّية نسبياً يسهل الوصول إليها تفصل بين بلازما لا تزال بحاجة إلى تسخين خارجي مستمر وبلازما قادرة على تغذية ذاتها بالحرارة عبر تفاعلاتها الداخلية، أي ما يُعرف بـ"البلازما المحترقة". وفي حالة وقود نقي خالٍ من الشوائب، تقع هذه النقطة عند قيمة لمعامل كسب الاندماج (Q، وهو حاصل قسمة الطاقة الناتجة عن الاندماج على طاقة التسخين الخارجي) تقارب خمسة فقط. لكن الباحثين أشاروا إلى أن وجود الشوائب والمجالات المغناطيسية القوية يرفع قيمة Q اللازمة للوصول إلى هذه النقطة.
وأظهرت حساباتهم أن تلوث البلازما بعنصر التنغستن بنسبة تقارب جزءاً واحداً من كل عشرة آلاف جزء قد يُضاعف تقريباً الضغط اللازم لتحقيق الاشتعال. وعند توسيع التحليل من بعدين إلى ثلاثة أبعاد، وجد الفريق أن الضغط المطلوب قد يتجاوز حدود استقرار البلازما نفسها. في المقابل، خلصت الدراسة إلى أن فقد الطاقة يمكن أن يلعب دوراً موازناً يحدّ من الانفلات الحراري، وهو ما قد يساعد على تشغيل البلازما المحترقة بثبات أطول.
وشدّد الباحثون على أن هذا العمل نظري بالكامل ويقوم على حسابات رياضية، وأن أياً من المفاعلات التجريبية القائمة لم يبلغ بعد درجات الحرارة المرتبطة بـ"سرج كوردي"، أي أن مسار التسخين أولاً لم يُختبر عملياً حتى الآن. ويعوّل الفريق على هذا النموذج الرياضي كأداة تساعد على تقييم تصاميم مفاعلات التوكاماك والستيلاراتور المستقبلية قبل بناء فعلي لها، بما قد يجنّب القائمين عليها أخطاءً تصميمية مُكلفة.
ومن بين الحلول التي اقترحها الباحثون للحد من العوائق التي رصدوها، استخدام طلاء داخلي من الليثيوم السائل لجدران المفاعل، وهو ما قد يقلّص تلوث البلازما بالتنغستن ويحدّ من فقد الحرارة، إضافة إلى استخدام "وقود مستقطب سبينياً" يمكن أن يرفع معدل تفاعلات الاندماج النووي.
وللاندماج النووي النظيف صلة وثيقة بمستقبل الطاقة في منطقة الخليج العربي؛ فالإمارات تشغّل محطات براكة النووية، وهي أول محطة للطاقة النووية في العالم العربي، فيما تدرس المملكة العربية السعودية برنامجها النووي الخاص في إطار رؤية 2030 لتنويع مصادر الطاقة. وتتطلع دول الخليج إلى تقليص اعتمادها على الوقود الأحفوري بحلول عام 2050، وهو ما يجعل كل تقدم نحو الاندماج النووي التجاري هدفاً استراتيجياً بعيد المدى. ويُمثّل منهج برينستون الجديد، إن أثبت جدواه تجريبياً، خطوة نحو خفض تكاليف الطاقة اللازمة لإشعال الاندماج، مما قد يُقرّب موعد تحوّله من بحث أكاديمي إلى بديل طاقوي نظيف قابل للتطبيق.
وتعتزم فرق المختبر إجراء ما وصفته بـ"تجارب رقمية"، أي محاكاة حاسوبية، لاختبار ما إذا كان تسخين البلازما قبل تكثيفها يحقق فعلاً الفوائد التي تتوقعها الحسابات النظرية. وقال الباحثون إن النتائج، إن تأكدت، قد تُسهم في توجيه تصميم مفاعلات الاندماج النووي المستقبلية، لكنهم أكدوا في الوقت ذاته أن "الحاجة إلى مزيد من الدراسة" تبقى قائمة قبل ترجمة هذا المسار النظري إلى تطبيق عملي.
المزيد من علوم

فرانسيس هالزن يفوز بنوبل الفيزياء 2026 عن مرصد آيس كيوب لرصد النيوترينوات
فاز الفيزيائي فرانسيس هالزن من جامعة ويسكونسن-ماديسون بجائزة نوبل في الفيزياء لعام 2026 لقيادته تطوير مرصد آيس كيوب للنيوترينو المدفون في جليد القطب الجنوبي، الذي فتح باباً جديداً لعلم فلك النيوترينو.

أدوات خشبية نادرة لإنسان نياندرتال في إسبانيا نجت محفوظة داخل الحجر
عثر علماء آثار إسبان في ملجأ أبريك رومانی الصخري قرب برشلونة على 597 أثراً خشبياً من إنسان نياندرتال، محفوظة منذ 62 ألف سنة داخل قشرة صخرية من الترافرتين، في اكتشاف نادر يكشف تطور تقنياته وسلوكه اليومي.

نوبل الكيمياء 2026 لهنري كاغان وكينسو سواي لتفاعلات يدوية الجزيئات
فاز الفرنسي هنري كاغان والياباني كينسو سواي بجائزة نوبل في الكيمياء لعام 2026 لاكتشافهما تفاعلات كيميائية تنتج فائضاً كبيراً من أحد الشكلين المرآتيين للجزيء، في عمل يفسر أصل الحياة ويخدم صناعة الأدوية.
تلسكوب تشايم يرصد إشارة هيدروجين عمرها 9 مليارات سنة لرسم خريطة الكون
باستخدام بياناته فقط، رصد تلسكوب تشايم الراديوي توهجاً باهتاً لغاز الهيدروجين قطع 9 مليارات سنة ليصلنا، في تقنية جديدة ترسم خريطة الكون وتختبر فرضيات الطاقة المظلمة بتكلفة أقل من مسوح المجرات.

كهف دريمولين يكشف وصول الإنسان المنتصب إلى جنوب أفريقيا أبكر بـ200 ألف سنة
حفرية جمجمة بالغة من كهف دريمولين بجنوب أفريقيا تشير إلى أن الإنسان المنتصب وصل إلى المنطقة قبل نحو مليوني سنة، أي أبكر بـ200 ألف سنة من التقديرات السابقة المستندة إلى موقع دمانيسي في جورجيا.

مسبار آينشتاين يكشف عشر دقائق من أشعة إكس اللينة تلت انفجار غاما قصيرًا
رصد مسبار آينشتاين الفضائي انبعاثًا من أشعة إكس اللينة استمر نحو عشر دقائق بعد انفجار أشعة غاما قصير، في إشارة محتملة إلى ولادة نجم مغناطيسي عقب اندماج نجمين نيوترونيين.