فرانسيس هالزن يفوز بنوبل الفيزياء 2026 عن مرصد آيس كيوب لرصد النيوترينوات
فاز الفيزيائي فرانسيس هالزن من جامعة ويسكونسن-ماديسون بجائزة نوبل في الفيزياء لعام 2026 لقيادته تطوير مرصد آيس كيوب للنيوترينو المدفون في جليد القطب الجنوبي، الذي فتح باباً جديداً لعلم فلك النيوترينو.

منحت الأكاديمية السويدية الملكية للعلوم جائزة نوبل في الفيزياء لعام 2026 للفيزيائي البلجيكي الأصل فرانسيس هالزن، الباحث في جامعة ويسكونسن-ماديسون الأميركية، تقديراً لـ"مساهماته الحاسمة في مرصد آيس كيوب للنيوترينو واكتشاف نيوترينوات عالية الطاقة ذات منشأ فلكي"، بحسب ما نشره موقع آرس تكنيكا. وقاد هالزن على مدى عقود الجهد العلمي الذي أدى إلى بناء هذا المرصد الفريد في القطب الجنوبي، الذي مكّن الفيزيائيين لأول مرة من رصد نيوترينوات عالية الطاقة قادمة من أعماق الكون البعيد.
وقال هالزن، في مؤتمر صحفي عقدته الأكاديمية في ستوكهولم بالسويد وشارك فيه عبر الهاتف من إيطاليا، إن الفوز بالجائزة "كان مفاجأة كبيرة، ولم أكن أتوقعه على الإطلاق". وأضاف أن العمل المكرَّم لم يكن ثمرة جهده الفردي، بل نتيجة "تعاون واسع" مع باحثين آخرين، مشيراً إلى أن المشروع ضمّ "أشخاصاً شجعاناً انضموا إليه في وقت لم يكن أي فيزيائي محافظ يقبل الانضمام إليه".
ووصفت الفيزيائية دانييل نورسيني من جامعة جونز هوبكنز هالزن بأنه "العقل العلمي الرؤيوي والقوة الدافعة" خلف مرصد آيس كيوب، مؤكدة أن المشروع "غيّر فهمنا للكون عبر اكتشاف أول نيوترينوات عالية الطاقة قادمة من خارج مجرتنا، وفتح مجالاً علمياً جديداً كلياً هو علم فلك النيوترينو". وأشارت إلى أن التجربة حصيلة عمل مئات الباحثين والمهندسين، لكن هالزن هو من "تجرأ على تخيّل مشروع بهذا الحجم، ثم ثابر بلا كلل حتى حوّله إلى حقيقة".
النيوترينوات جسيمات دون ذرية تنتقل بسرعة قريبة من سرعة الضوء، وهي الأكثر وفرة في الكون، لكنها نادراً ما تتفاعل مع المادة، إذ تخترق الأجسام الكثيفة دون أن تترك أثراً يذكر، وهو ما جعل الكاتب إسحاق عظيموف يسميها "الجسيمات الشبحية". وبحسب آرس تكنيكا، فإن هذا التفاعل الضعيف هو ما يجعل رصدها بالغ الصعوبة، لكنه في الوقت نفسه يتيح لها حمل معلومات نقية عن مصادرها البعيدة من دون أن تتشوّش بالتصادمات، وهو ما يجعلها أداة ثمينة لما يعرف بعلم الفلك "متعدد الرسل"، الذي يجمع بين الضوء والنيوترينوات وموجات الجذب لفهم أعمق للظواهر الكونية.
طُرحت فكرة وجود النيوترينو أول مرة في رسالة كتبها الفيزيائي فولفغانغ باولي عام 1930 لتفسير فقدان ظاهر للطاقة في عملية التحلل بيتا، قبل أن يطلق عليها إنريكو فيرمي اسمها. ورصدها كلايد كوان وفريدريك راينز فعلياً عام 1956 في محطات الطاقة النووية، تلا ذلك رصد أول نيوترينوات شمسية، إنجاز نال عنه راي ديفيس جونيور وماساتوشي كوشيبا نوبل عام 2002 بالمشاركة مع ريكاردو جياكوني. وفي العام نفسه، حلّ فريق مرصد سودبري للنيوترينو لغز "مشكلة النيوترينو الشمسي"، حين تبيّن أن النيوترينوات الشمسية المفقودة تحوّلت إلى نوع آخر ("نكهة") في طريقها من الشمس إلى الأرض، اكتشاف قاسم بموجبه آرثر مكدونالد وتاكاكي كاجيتا نوبل الفيزياء عام 2015.
وبحسب آرس تكنيكا، تبلورت فكرة آيس كيوب عندما جمع هالزن بين مقترحين سابقين: استخدام الماء وسيطاً لرصد النيوترينوات القادمة من الفضاء، واستخدام مستقبلات لاسلكية في القطب الجنوبي كما اقترح فيزيائيون روس، فاستنتج أن الجليد القطبي النقي قد يكون وسيطاً أفضل من كليهما. وتقدّم هالزن بهذه الرؤية عام 1988، نظراً لوجود محطة بحثية أميركية قائمة هناك أصلاً. وروت الفيزيائية جوان هيويت من جامعة ستوني بروك، التي كانت زميلة بحث لدى هالزن حينها، أنه خرج من المصعد صائحاً "يمكن فعل ذلك في الجليد!"، مضيفة أن مثابرته في الأيام الأولى لإثبات صحة فكرته كانت مصدر إلهام.
ولتحقيق تلك الرؤية، استخدم فريق هالزن مثاقب مياه ساخنة لإذابة الجليد وحفر آبار يصل عمقها إلى نحو كيلومتر، ثم أنزلوا فيها كابلات طويلة تحمل سلاسل من المجسّات الضوئية. وكان أول مرصد تجريبي في الموقع يحمل اسم "أماندا"، إلا أن نتائجه الأولى كانت مخيبة للآمال بسبب فقاعات هوائية في الطبقات العليا من الجليد شوّشت الإشارات الضوئية، قبل أن يتبيّن أن الجليد يصبح نقياً للغاية على عمق يتجاوز 1400 متر. ولأن "أماندا" لم يكن كافي الحجم للرصد الموثوق، حلّ محله مرصد آيس كيوب.
ويضم آيس كيوب اليوم مصفوفة من 5160 مجساً ضوئياً بحجم كرة السلة موزعة على 86 كابلاً، مغروسة في كيلومتر مكعب كامل من جليد القطب الجنوبي. وحين يتفاعل نيوترينو عابر، في حالات نادرة، مع نواة ذرة داخل الجليد، تنتج عن التصادم جسيمات مشحونة تطلق فوتونات فوق بنفسجية وزرقاء ترصدها المجسّات. ولأن الاعتماد فقط على النيوترينوات التي تتفاعل داخل حجم المرصد سيستغرق سنوات لجمع بيانات كافية، يستخدم الفريق الكرة الأرضية بأكملها كجزء من نظام الرصد، عبر تتبع مسارات الجسيمات الداخلة من جوانب المرصد، وهي نيوترينوات تخترق الأرض من زاوية مائلة في القطب الجنوبي فتتفاعل مع كمية قليلة جداً من المادة.
بدأ تشغيل آيس كيوب عام 2011 وتجاوز التوقعات بسرعة؛ فحسب هالزن، لم يستغرق الأمر أكثر من عامين لرصد أول نيوترينوات من خارج الغلاف الجوي للأرض. وفي 2014، اكتشف المرصد ثلاثة نيوترينوات بطاقات غير مسبوقة. وفي 2017، تتبع الفيزيائيون نيوترينو عالي الطاقة إلى مصدره: مجرة بعيدة تحمل التسمية TXS 0506+056 عُرفت باسم "حدث تكساس". وفي 2022، وجد علماء آيس كيوب أن مجرة نشطة تُعرف باسم مسييه 77 (مجرة الحبّار) مصدر محتمل قوي لانبعاث نيوترينوات عالية الطاقة، ما يقرّب الفيزيائيين خطوة من حل لغز منشأ الأشعة الكونية عالية الطاقة.
ولم يتوقف المرصد عن تحقيق اكتشافات جديدة؛ فقد أكمل في فبراير الماضي عملية تطوير كبرى شملت إضافة خمس سلاسل جديدة من المجسّات الضوئية في وسط المصفوفة القائمة، إلى جانب 600 مجس إضافي وأجهزة معايرة جديدة. كما خصصت المؤسسة الوطنية للعلوم الأميركية الشهر الماضي نحو 53 مليون دولار على مدى خمس سنوات مقبلة لتغطية تكاليف تشغيله. وعن خططه البحثية المقبلة، قال هالزن بروح من الدعابة إنه "يعمل على مقترح بحثي"، آملاً أن تساعد الجائزة في الموافقة عليه.
ومن الناحية الإقليمية، يُمثّل هذا الإنجاز دعوةً للباحثين العرب في مجالات الفيزياء الفلكية للمشاركة الفعّالة؛ إذ تضم المنطقة مرافق بحثية صاعدة كجامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية (كاوست) في المملكة العربية السعودية، وجامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي في الإمارات، فضلاً عن مراكز الفيزياء النظرية في مصر والمغرب والأردن. وقد أثبت مسبار الأمل الإماراتي أن المنطقة العربية باتت طرفاً فاعلاً في استكشاف الكون، ويمكن لفرق بحثية عربية المشاركة في تحليل البيانات المفتوحة لآيس كيوب والإسهام في رسم خرائط المصادر الكونية للنيوترينوات، ضمن تعاون علمي دولي يُعزّز حضور العلماء العرب في فيزياء الجسيمات الفلكية.
ويرى مسؤولون في الجمعية الأميركية للفيزياء أن فكرة هالزن "الجسورة" بتحويل حجم هائل من الجليد القطبي الطبيعي إلى تلسكوب لرصد النيوترينوات غيّرت قواعد اللعبة في الفيزياء الفلكية، إذ فتحت نافذة غير مسبوقة على بعض أكثر ظواهر الكون بعداً وطاقة، وأثبتت مجدداً أن إيجاد طريقة جديدة جذرياً لرصد الطبيعة غالباً ما يقود إلى أسئلة علمية جديدة كلياً لم يكن من الممكن تخيّلها من قبل.
المزيد من علوم
.jpg)
ناسا تفتح نحو تيرابايت من بيانات أرتيميس 2 أمام الباحثين والجمهور
أتاحت وكالة ناسا للجمهور والباحثين نحو تيرابايت من صور وتسجيلات صوتية ومرئية وملاحظات دوّنها رواد مهمة أرتيميس 2 حول القمر، بهدف دعم أبحاث العودة إلى القمر والتحضير لمهمات المريخ.

أدوات خشبية نادرة لإنسان نياندرتال في إسبانيا نجت محفوظة داخل الحجر
عثر علماء آثار إسبان في ملجأ أبريك رومانی الصخري قرب برشلونة على 597 أثراً خشبياً من إنسان نياندرتال، محفوظة منذ 62 ألف سنة داخل قشرة صخرية من الترافرتين، في اكتشاف نادر يكشف تطور تقنياته وسلوكه اليومي.

نوبل الكيمياء 2026 لهنري كاغان وكينسو سواي لتفاعلات يدوية الجزيئات
فاز الفرنسي هنري كاغان والياباني كينسو سواي بجائزة نوبل في الكيمياء لعام 2026 لاكتشافهما تفاعلات كيميائية تنتج فائضاً كبيراً من أحد الشكلين المرآتيين للجزيء، في عمل يفسر أصل الحياة ويخدم صناعة الأدوية.

فيزيائيو برينستون يقترحون تسخين البلازما قبل تكثيفها لتسهيل الاندماج النووي
اقترح فيزيائيون في مختبر برينستون لفيزياء البلازما عكس ترتيب خطوات الوصول إلى اشتعال الاندماج النووي: تسخين البلازما أولاً ثم زيادة كثافتها، مسار نظري قد يقلّل الطاقة اللازمة لتحقيق الاندماج.

رواد مهمة كرو-12 يعودون إلى الأرض بعد 237 يوماً قضوها في الفضاء
عاد رواد مهمة كرو-12 التابعة لناسا إلى الأرض بعد 237 يوماً في الفضاء وأكثر من 100 مليون ميل مقطوعة، في هبوط بحري لمركبة كرو دراغون شمل أبحاثاً تدعم مهمات القمر والمريخ المستقبلية.

شركة إكسونا تستعد لتشغيل بديل تجاري لنظام جي بي إس بدقة سنتيمترية
تستعد شركة إكسونا سبيس سيستمز لتشغيل خدمة بالسار، بديل تجاري لنظام جي بي إس يعتمد على أقمار المدار المنخفض ويقدم دقة سنتيمترية، بعد إطلاق أول أقمارها التشغيلية عبر صاروخ سبيس إكس.