ديزي دنت تكشف الشبكات الخفية التي تُعيد غابات المطر الاستوائية إلى الحياة

تستخدم عالمة الإيكولوجيا ديزي دنت بيانات عقود من غابات بنما لإثبات أن الغابات الاستوائية المتنوعة قادرة على التجدد طبيعياً بفعل الحيوانات، بتكلفة أقل من مزارع الأشجار أحادية المحصول.

تحرير
ألمعي · هيئة التحرير
النشر
١٣ أكتوبر ٢٠٢٦
القراءات
٠
الوقت
قراءة 3 دقائق
مِظلّة شجرية لغابة استوائية في بنما

تُجري عالمة الإيكولوجيا ديزي دنت، الباحثة الأولى في المعهد الفدرالي السويسري للتكنولوجيا في زيورخ (ETH Zurich)، أبحاثها الميدانية الأساسية في محمية بارو كولورادو الطبيعية بوسط بنما، التي تديرها مؤسسة سميثسونيان للأبحاث المدارية. وتشكّلت هذه المحمية عندما غمرت مياه قناة بنما المنطقة أثناء بنائها عام 1914، وتضم قطعاً من الغابة يعود بعضها إلى القرن التاسع عشر، تتيح للباحثين رصد مسار نمو الغابة على مدى نحو قرن كامل، حيث تقضي دنت وقتها في رسم خرائط الأشجار وقياسها بدقة.

وتحتفظ الغابات الاستوائية بنحو 40 بالمئة من الكربون المخزَّن في النظم البرية على الأرض، ما يجعل فهم كيفية تجدّدها مسألة بالغة الأهمية في مواجهة تغيّر المناخ. ويسعى بحث دنت إلى تقديم بديل منخفض التكلفة لمشاريع رصيد الكربون التي تعتمد على زراعة مساحات شاسعة بنوع واحد من الأشجار، حيث تشير بياناتها إلى أن هذه المزرعة أحادية المحصول قد تتحول إلى مشاريع مكلفة وفاشلة، في حين أن الغابات المتنوعة قادرة على التعافي طبيعياً في غضون عقود قليلة فقط.

وتُعزى عملية تفريق البذور في الغابات الاستوائية بنسبة تتجاوز 70 بالمئة إلى الحيوانات التي تتغذى على الفواكه، كقرود العنكبوت والخفافيش والببغاوات. وتستطيع بيانات دنت تحديد أي الحيوانات زرعت بذور كل قطعة من الغابة على وجه التحديد؛ فقطعة غابة عمرها 70 عاماً نشأت بتنوع كبير من البذور طوّرت مِظلّة شجرية تقترب في غناها من الغابة البكر، في حين أن قطعة أخرى سيطر عليها نوع واحد من الأشجار يبدو أنها تشكّلت أساساً بفعل حيوان "الأغوتي" القارض، لتنتج غابة أكثر تجانساً وأقل تنوعاً.

وتكشف دراسات دنت أيضاً أن الأعشاب التي تنتشر بفعل رعي الأبقار قد تخنق الأشجار الفتية لفترات تصل إلى 150 عاماً، مما يعيق نمو أشجار أكبر وأكثر تنوعاً، ويُبرز أهمية التدخل البشري المحدود في بعض الحالات لتسريع عملية التجدد.

واستندت دراسة نُشرت عام 2016 في مجلة Nature، باستخدام بيانات بارو كولورادو، إلى أن الهكتار الواحد من الغابة الثانوية المتجددة يمكن أن يمتص كمية من الكربون سنوياً تبلغ نحو 11 مرة أكثر من ما تمتصه الغابة البكر المكتملة النمو. ووجدت دراسة أخرى للجمعية الملكية البريطانية عام 2022 أن مواقع مثل بارو كولورادو تُعدّ من أفضل الأمثلة على التجدد الطبيعي دون الحاجة إلى زراعة فعلية، في حين أظهرت دراسة متابعة عام 2024 أن قطعاً تحتفظ بغطاء شجري لا يتجاوز 35 بالمئة قادرة على التجدد وتتحول إلى غابة كاملة بمرور الوقت. وقدّرت دراسة أخرى نُشرت في Nature عام 2024 أن نحو 215 مليون هكتار حول العالم، مساحة أكبر من المكسيك بأكملها، قد تتمتع بالقدرة على التجدد الطبيعي دون الحاجة إلى تدخل بشري مكثف.

وتساعد بيانات دنت الجهات المعنية على تحديد الأماكن التي يمكن ترك الأنظمة البيئية فيها لتتجدد بمفردها، والأماكن التي تحتاج إلى تدخل فعلي عبر أدوات مثل الزراعة التكميلية، أو التجدد الطبيعي الموجَّه، أو إنشاء ممرات غابية، أو إعادة إدخال الحيوانات المسؤولة عن تفريق البذور. وتتعاون الباحثة مع شركة "بونتيرا" (Ponterra) المتخصصة في مشاريع رصيد الكربون في مواقع بجنوب بنما، حيث باتت الأسئلة المطروحة من هذه المشاريع التجارية أقرب من أي وقت سابق إلى أسئلة بحثها العلمي.

وتشير دنت إلى أن أرصدة الكربون قد تُباع بأسعار منخفضة لا تتجاوز خمسة دولارات للطن المتري الواحد في بعض الأحيان، في حين باعت أرصدة إزالة الكربون عالية الجودة بأكثر من عشرة أضعاف هذا السعر، وهو تفاوت يعكس الحاجة إلى معايير أدق لتقييم جودة مشاريع استعادة الغابات. وتقول الباحثة إن موجات الجفاف والفيضانات والأمراض النباتية تكشف هشاشة مزارع الأشجار أحادية المحصول، وأن ظاهرة النينيو المرتقبة قد تدفع نحو إعادة تقييم شاملة لهذه المشاريع، مختصرة موقفها بالقول: "علينا أن نعيد بناء النظام من جديد". وبهذا، يفتح بحث دنت نافذة على مسار أقل تكلفة وأكثر استناداً إلى العمليات الطبيعية لمواجهة أزمة فقدان الغابات الاستوائية والتنوع البيولوجي في آن واحد.

وتكتسب هذه النتائج أهمية خاصة لمنطقتنا العربية التي تُطلق مبادراتٍ طموحة لاستعادة الغطاء النباتي؛ فمبادرة "السعودية الخضراء" تستهدف زراعة عشرة مليارات شجرة داخل المملكة، ومبادرة "الشرق الأوسط الأخضر" ترمي إلى زراعة ثمانين مليار شجرة عبر المنطقة بحلول 2030، فيما تنفّذ الإمارات مشاريع تشجير في ظروف جفاف قاسية. ويُشير بحث دنت إلى أن نجاح هذه المبادرات مرتبط جوهرياً بالتنوع البيولوجي للأنواع المزروعة ودور الحيوانات المحلية في تفريق البذور، لا بضخامة الأعداد المزروعة وحدها.

ويمنح هذا النوع من الأبحاث الميدانية طويلة الأمد قيمة لا تتوفر في النماذج المناخية النظرية وحدها، لأنها تتيح رصد التفاعل الفعلي بين الحيوانات والنباتات والتربة على مدى أجيال متعددة من الغابة، بما يرسم صورة أدق لكيفية تعافي الأنظمة البيئية المدمَّرة من دون تدخل بشري مكثف.

المصدر الأصلي
MIT Technology Review
قراءة المقال الأصلي ↗
قصة اليوم · كل صباح

أعجبك التقرير؟ استلم واحداً كل صباح.

قصةٌ تقنية واحدة تستحقّ وقتك، بالعربية. بلا إعلانات، بلا إزعاج.

بلا إعلانات · إلغاء الاشتراك بنقرة واحدة · بياناتك آمنة

اقرأ أيضًا

المزيد من بيئة

تصور فني للثوابت الفيزيائية للكون

ثوابت الفيزياء وراء وجود الحياة: اكتشاف جديد يفتح نقاشاً عن ضبط الكون

يشير بحث جديد إلى أن الثوابت الفيزيائية الأساسية للكون لا بد أن تقع ضمن نطاق ضيق جداً لتسمح بتدفق السوائل داخل الخلايا الحية، وأن تغيّراً طفيفاً فيها قد يجعل الحياة مستحيلة.

ScienceDaily
شعاع ليزر يولّد خيطًا من البلازما يعمل كهوائي لبث موجات الراديو

باحثون يطورون هوائي بلازما ليزري قابل للضبط لبث موجات الراديو

طوّر فريق من جامعة ولاية كارولاينا الشمالية هوائيًا من خيط بلازما يُولّده شعاع ليزر في الهواء، وأثبتوا نجاحه في بث موجات راديوية بتردد 30 ميجاهرتز، مع إمكانية ضبط طوله واتجاهه كهربائيًا دون أجزاء متحركة.

ScienceDaily
صورة لمرفق مركز بيانات مرتبط بالذكاء الاصطناعي

هل يكفي التخلي عن اتفاقيات السرية لإقناع معارضي مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي؟

أمازون تعلن وقف استخدام اتفاقيات عدم الإفشاء في مفاوضاتها مع الحكومات المحلية حول مراكز البيانات، وسط تصاعد المعارضة الشعبية والوقف المؤقت لتراخيص بعض المشروعات.

TechCrunch
صورة توضيحية لكبد الإنسان تعبّر عن تلف الأنسجة الناتج عن مرض الكبد الدهني

دراسة أمريكية: البولي إيثيلين قد يساهم في مرض الكبد الدهني

باحثون من جامعة تكساس إيه آند إم يكشفون أن الجسيمات البلاستيكية الدقيقة من البولي إيثيلين قد تسبب مرض الكبد الدهني، وتتفاقم آثارها مع النظام الغذائي الغربي.

ScienceDaily
رسم توضيحي لمفهوم الساعة النووية باستخدام نوى الثوريوم

علماء فيينا يطورون أول ساعة نووية ذاتية الاستقرار بالثوريوم-229

فريق من جامعة فيينا التقنية و PTB الألمانية يكشف عن أول ساعة نووية ذاتية الاستقرار تعتمد على نوى الثوريوم-229 بدل الذرات، في خطوة قد تفتح الباب لقياس الزمن بدقة غير مسبوقة.

ScienceDaily
تصور فني يوضح مصدراً كونياً للنيوترينو فوق مرصد آيس كيوب في القطب الجنوبي، مع مجسات ضوئية مدفونة في الجليد ترصد إشارات النيوترينو

فرانسيس هالزن يفوز بنوبل الفيزياء 2026 عن مرصد آيس كيوب لرصد النيوترينوات

فاز الفيزيائي فرانسيس هالزن من جامعة ويسكونسن-ماديسون بجائزة نوبل في الفيزياء لعام 2026 لقيادته تطوير مرصد آيس كيوب للنيوترينو المدفون في جليد القطب الجنوبي، الذي فتح باباً جديداً لعلم فلك النيوترينو.

Ars Technica
ديزي دنت تكشف الشبكات الخفية التي تُعيد غابات المطر الاستوائية إلى الحياة — ألمعي