باستخدام الذكاء الاصطناعي.. علماء يصممون إنزيمات تقطّع البروتينات المستهدفة
فريق بحثي من مختبر الحائز على نوبل ديفيد بيكر يستخدم أدوات تصميم البروتينات بالذكاء الاصطناعي لإنشاء إنزيمات قادرة على تقطيع بروتينات مرتبطة بأمراض عصبية مثل الزهايمر.

تتميز الرابطة الببتيدية التي تصل بين الأحماض الأمينية في سلاسل البروتين باستقرار كيميائي عالٍ، إلى حد أن عمرها النصفي يُقدَّر بمئات السنين في بيئة مائية خالية من أي عامل مساعد. لكن البروتينات في الطبيعة لا تدوم عادة لهذه الفترة الطويلة، لأن الكائنات الحية طوّرت على مدى ملايين السنين مجموعة من الإنزيمات البروتينية المحلِّلة المعروفة بالبروتياز، وهي قادرة على تسريع تفكك هذه الروابط بشكل كبير، وتتوزع في كل مكان تقريباً من الجهاز الهضمي إلى الدم والخلايا.
في ورقة بحثية جديدة نُشرت في مجلة Nature، تمكّن فريق بحثي، يعمل بصورة أساسية في مختبر الحائز على جائزة نوبل ديفيد بيكر بجامعة واشنطن، من اختصار مسار التطور الطبيعي عبر استخدام أدوات تصميم البروتينات القائمة على الذكاء الاصطناعي. أخذ الباحثون النواة التحفيزية لنوعين من إنزيمات البروتياز، واستبدلوا بقية بنية البروتين بالكامل، لإنشاء إنزيمات جديدة قابلة للضبط لتقطيع بروتينات محددة، ثم أثبتوا فعاليتها عملياً باستخدامها لتقطيع بروتينات مرتبطة بأمراض عصبية.
اعتمد الفريق على نوعين مختلفين من آليات التحفيز الكيميائي الطبيعية. الأول هو الإنزيم البروتيني المعتمد على الزنك، حيث تنسّق الشحنة الموجبة لذرة الزنك بين الرابطة الببتيدية المستهدفة وجزيء ماء، فتنتزع جزءاً من بروتون الماء لتنشيطه ليهاجم الرابطة ويفككها. والثاني هو الإنزيم البروتيني المعتمد على السيستين، حيث يهاجم حمض السيستين الأميني داخل الإنزيم الرابطة الببتيدية مباشرة، لتتكون حالة وسيطة يرتبط فيها جزء من البروتين المستهدف كيميائياً بالإنزيم، قبل أن يفككها جزيء ماء لاحقاً ويحرر الجزء الثاني من البروتين المقطوع.
وتتطلب كل آلية من هاتين الآليتين وجود مجموعة محددة من الأحماض الأمينية مرتّبة بدقة شديدة داخل المركز التحفيزي للإنزيم، بينما تضمن بقية بنية البروتين إحضار هذه الأحماض الأمينية الحاسمة إلى موضعها الصحيح، وتفرض أيضاً درجة من التخصص في اختيار البروتينات المستهدفة؛ فبعض إنزيمات البروتياز، كتلك الموجودة في الجهاز الهضمي، تقطع إلى جانب أي حمض أميني تقريباً، بينما تنتقي أنواع أخرى مواضع أكثر تحديداً، وصولاً إلى إنزيمات بالغة التخصص كالإنزيم الذي ينشّط هرمون الإنسولين ولا يقطع إلا عند تسلسل محدد جداً من الأحماض الأمينية.
اعتبر الباحثون أن تصميم بروتياز جديد من الصفر يمثل تحدياً كبيراً، نظراً لاستقرار الرابطة الببتيدية الذي يستدعي محفزاً فعالاً للغاية، وهو ما يتطلب ترتيباً بالغ الدقة للأحماض الأمينية. ولم يكن مضموناً أساساً أن تكون أدوات تصميم البروتينات بالذكاء الاصطناعي التي طوّرها المختبر قادرة على إنجاز هذه المهمة. بدأ الفريق، كما يحدث في التطور الطبيعي، من إنزيم بروتياز قائم فعلاً، أحدهما إنزيم زنك من الجهاز الهضمي لجراد البحر، والآخر إنزيم سيستين من الخميرة، مع معرفة مسبقة ببنيتهما وبالأحماض الأمينية المسؤولة عن التحفيز فيهما.
استُخدمت في مرحلة أولى أداة برمجية تُدعى RFdiffusion2 لتصميم العمود الفقري للإنزيم الجديد، أي السلسلة المتكررة من الروابط الببتيدية التي تشكّل هيكله الأساسي، وفق مجموعة من الشروط تضمن جمع الأحماض الأمينية التحفيزية الأساسية في موضع واحد، إلى جانب تسلسل مستهدف محدد يجب أن يقع بالقرب من المركز التحفيزي. بعد ذلك، انتقل التصميم إلى أداة أخرى تُدعى ProteinMPNN، تعمل على ملء هذا العمود الفقري بأحماض أمينية محددة تتوافق مع الانطواء المطلوب للبنية، ومع تشكّل الموقع التحفيزي في المناطق الحساسة، ومع الارتباط بالهدف في المناطق القريبة منه.
كرر الفريق هذه العملية عشرات المرات لكل من إنزيمي السيستين والزنك، واستخدموا نظام AlphaFold3 للتحقق من أن التصاميم الجديدة لا تشبه أي بنية معروفة سابقاً في قواعد البيانات، للتأكد من أنها تصاميم أصلية وليست نسخاً مموهة من بنى موجودة. وأظهرت التجارب الأولية نسب نجاح متفاوتة، إذ نجحت نحو 19 بالمئة من تصاميم إنزيم السيستين في قطع البروتين المستهدف، بينما كانت نسبة النجاح في تصاميم إنزيم الزنك أقل في البداية، قبل أن ترتفع بشكل لافت عند إضافة موضع جزيء الماء كشرط تصميمي إضافي.
ولتحسين مستوى الفعالية، اختبر الباحثون استبدال الأحماض الأمينية القريبة من الموقع الفعّال، فوجدوا نسخاً أكثر نشاطاً بكثير؛ فأفضل تصميم لإنزيم السيستين سرّع تفكك الرابطة الببتيدية بمعدل مئة وتسعة أضعاف، بينما كانت نسخة الزنك المطوَّرة أسرع ثلاثين مرة من التصميم الأصلي الذي انطلقت منه.
وتكتسب هذه الأبحاث أهمية بالغة للمنطقة العربية في ضوء تصاعد معدلات الإصابة بمرض الزهايمر في دول الخليج، المرتبط بارتفاع متوسط أعمار السكان وانتشار السمنة وداء السكري. وتُولي مبادرات الصحة 2030 في المملكة العربية السعودية والإمارات اهتماماً متزايداً بالبيوتقنية والطب الدقيق، حيث تضخّ مراكز بحثية كجامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية (كاوست) استثمارات في تصميم البروتينات وعلم الجينوم. ويجعل ذلك هذه الطفرة في تصميم الإنزيمات بالذكاء الاصطناعي مجالاً واعداً للتعاون البحثي والصناعي الإقليمي في مجال علاج الأمراض العصبية التنكسية.
وكاختبار نهائي لإمكانات هذه المقاربة، صمم الباحثون إنزيمات زنك تستهدف بروتينات مرتبطة بأمراض عصبية تنكسية، من بينها مرض الزهايمر والخرف الجبهي الصدغي، ونجحوا بعد إعادة التصميم من الصفر في إيجاد إنزيم قادر على قطع الهدف داخل الخلايا الحية. ويرى الفريق أن هذه النتيجة تفتح الباب أمام إمكانية التأثير مستقبلاً في مسار بعض الأمراض الجينية عبر استهداف البروتينات المشوهة المسببة لها مباشرة، رغم أن تحويل هذه النتائج إلى علاجات فعلية يتطلب تجاوز عقبات كبيرة، أبرزها كيفية توصيل هذه الإنزيمات إلى داخل الخلايا المستهدفة دون إثارة رد مناعي.
المزيد من ذكاء اصطناعي

أنثروبيك تخصص 5% من أسهمها لصندوق جديد للمنفعة العامة
في خطوة مرتبطة بأزمة ثقة متصاعدة تجاه صناعة الذكاء الاصطناعي، تُعلن أنثروبيك عن صندوق جديد مملوك لها بالكامل يمكن أن تزيد حصته مع ارتفاع قيمة الشركة.

ديزني تستوعب أغلب موظفي Character.AI بعد إفلاس شركة روبوتات المحادثة
بعد إعلان Character.AI إفلاسها، تتقدم ديزني بعرض لتوظيف أغلبية موظفي الشركة الناشئة، في صفقة مبدئية مرتبطة بتنفيذها الجديد القادم من داخل الشركة نفسها.

خلايا دماغية كانت تُعدّ حامية قد تُسرّع التدهور المعرفي مع التقدم في السن
دراسة جديدة في مجلة نيتشر مديسين تكشف أن الخلايا الدبقية قليلة التغصّن، المسؤولة عن إنتاج الميالين، قد تساهم في تدهور الذاكرة والتفكير مع الشيخوخة، وتفتح الباب أمام إعادة توجيه أدوية قائمة لعلاج هذا الخلل.

ست أفكار جريئة يبحثها العلماء لإطالة عمر العقل البشري
من زرع الرأس إلى محاكاة الدماغ رقمياً، تستعرض مراجعة علمية جديدة ست مقاربات تجريبية يسعى بعض الباحثين من خلالها إلى تمديد وجود العقل البشري، مع تحفظات علمية وأخلاقية كبيرة على كل منها.

ريبليت تجعل نماذج OpenAI الخيار الافتراضي متجاوزة شراكتها مع Anthropic
أعلن الرئيس التنفيذي لمنصة ريبليت أن OpenAI أصبحت المزوّد المفضّل لتشغيل عامل الشفرة الخاص بالمنصة، فيما تبقى نماذج Anthropic متاحة للعملاء كخيار إضافي.

ميتا تحذف بنداً مثيراً للجدل من شروط استخدامها يتعلق ببيانات المواقع
حذفت ميتا من شروط استخدامها التجارية بنداً كان يمنحها حق استخدام محتوى مواقع الشركاء لتدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي، وسط تساؤلات قانونية حول نطاق جمع البيانات.