علماء يكتشفون مواداً كيميائية خفية قد تحسّن البطاريات وإنتاج الوقود الشمسي
رصد باحثون من جامعة ووريك البريطانية مواد كيميائية بينية قصيرة العمر، من بينها شكل بلوري جديد من فاناديت البزموت، قد يحسّن كفاءة الوقود الشمسي والبطاريات القابلة لإعادة الشحن.

كشف فريق بحثي من جامعة ووريك البريطانية، بالتعاون مع باحثين من جامعة برمنغهام، عن اكتشاف مجموعة من المواد الكيميائية "الخفية" قصيرة العمر، تتشكل بشكل مؤقت أثناء تحوّل المركبات الكيميائية الأولية إلى مواد صلبة عند تسخينها، من بينها شكل بلوري جديد تماماً من مركب فاناديت البزموت يحمل خصائص مختلفة عن الأشكال المعروفة سابقاً من هذه المادة. ونُشرت نتائج الدراسة في مجلة "نيتشر كومينيكيشنز" (Nature Communications) في التاسع من أكتوبر 2026، في بحث يحمل أهمية مزدوجة: فهو يفتح نافذة جديدة على عالم المواد غير المستقرة التي تظهر وتختفي بسرعة أثناء التصنيع الكيميائي، ويقدم في الوقت نفسه نتائج عملية ملموسة يمكن البناء عليها في صناعات الطاقة النظيفة وتخزين الكهرباء.
وقاد الدراسة الدكتور سيباستيان بايك من قسم الكيمياء بجامعة ووريك، بمشاركة باحثين من جامعة برمنغهام من بينهم الدكتور دومينيك كوبيكي. وقال بايك إن فريقه "سُرّ باكتشاف أن بعض هذه المواد يمكن أن يكون لها استخدامات عملية، حتى من التجارب الأولى"، في حين أوضح كوبيكي أن هذه المواد "البينية" التي تنشأ أثناء التفاعلات الكيميائية "يمكن أن تحمل خصائص مفيدة بحد ذاتها"، على عكس النظرة التقليدية التي تتجاهلها لصالح المادة النهائية فقط.
وركّز الباحثون على المراحل الوسيطة التي تمر بها "المواد السليفة" أثناء تحوّلها إلى مركبات صلبة مستقرة عند التسخين، وهي مراحل عادة ما يتم تجاوزها أو إهمالها في الأبحاث التقليدية التي تركز على المنتج النهائي فقط. واستخدم الفريق ما يعرف بـ"المواد السليفة أحادية المصدر"، وهي جزيئات تحتوي بالفعل على جميع العناصر اللازمة لتكوين المادة المستهدفة، ثم تابعوا التغيرات التي تطرأ عليها مع ارتفاع درجة الحرارة باستخدام تقنيات تحليلية متقدمة شملت مطيافية الرنين المغناطيسي النووي في الحالة الصلبة، وحيود الأشعة السينية، ودالة توزيع الأزواج الذرية.
وتبيّن للباحثين أن اختيار نوع المادة السليفة، وطريقة تحللها أثناء التسخين، يؤثران بشكل مباشر وقوي في نوع المواد التي تنتج في نهاية المطاف، وهو ما فتح الباب لاكتشاف شكل بلوري جديد "مستقر حركياً" من فاناديت البزموت، أطلق عليه الباحثون اسم "بيتا فاناديت البزموت". ويختلف هذا الشكل الجديد عن الأشكال البلورية المعروفة سابقاً لهذا المركب في طريقة ترتيب ذراته، كما يتميز بفجوة طاقية أكبر بشكل ملحوظ، وهي الخاصية التي تحدد كيفية تفاعل المادة مع الضوء.
وتكمن أهمية هذا الاكتشاف في أن فاناديت البزموت يُعد من المواد الواعدة في أبحاث الوقود الشمسي، بفضل قدرته على امتصاص ضوء الشمس بكفاءة، مع توفير الطاقة الكافية لتحليل الماء وإنتاج غاز الهيدروجين، الذي يُنظر إليه كوقود نظيف محتمل للمستقبل. ويرى الباحثون أن الشكل البلوري الجديد قد يفتح آفاقاً جديدة لضبط خصائص هذه المادة بما يلائم تطبيقات التحفيز الكيميائي وإنتاج الوقود الشمسي، فضلاً عن تطبيقات محتملة أخرى في مجال الإلكترونيات، بسبب التغير في بنيتها الذرية وتفاعلها مع الضوء.
ولم تتوقف النتائج عند فاناديت البزموت وحده، فقد كشف الفريق أيضاً عن طور كيميائي "خفي" آخر أظهر قدرة على تخزين كميات كبيرة من عنصر الليثيوم، وهي خاصية قد تحمل إمكانات واعدة لتطوير بطاريات أيون الليثيوم من الجيل القادم، وإن لم تحدد الدراسة بدقة اسم هذا الطور أو خصائصه الكاملة.
ويشير الباحثون إلى أن الدراسة اقتصرت على عدد محدود من المواد السليفة، مما يدل على وجود فرصة أوسع لاكتشاف مزيد من هذه المواد المخفية المفيدة، عبر التحكم المنهجي في درجة الحرارة وكيمياء المواد السليفة ومسارات التفاعل الكيميائي، في مجال بحثي لا يزال في بداياته ويحمل تطبيقات محتملة واسعة في الطاقة النظيفة وتخزين الطاقة.
ويحمل هذا الاكتشاف أهمية خاصة لدول الخليج العربي الساعية إلى التنويع الاقتصادي وتطوير قطاع الطاقة النظيفة. فمشاريع الطاقة الشمسية الكبرى كمحطة مرسى الصوان في أبوظبي التي تعد من أكبر محطات الطاقة الشمسية في العالم، إلى جانب مشاريع نيوم السعودية، تستهدف حلولاً متكاملة للتخزين والوقود النظيف. ويعكس الاهتمام بفاناديت البزموت وتطبيقاته في خلايا الوقود الشمسي مساراً بحثياً تحرص مراكز البحث العلمي في الإمارات والمملكة العربية السعودية على متابعته، ضمن مساعي التحول نحو اقتصاديات ما بعد النفط.
وتكتسب هذه النتائج أهمية خاصة لأنها تقلب نظرة شائعة في علم المواد، كانت تعتبر المراحل الانتقالية التي تظهر أثناء تصنيع المركبات الصلبة مجرد خطوات عابرة لا قيمة علمية أو عملية لها. فبإثبات أن بعض هذه "المواد البينية" قصيرة العمر تمتلك خصائص فريدة في بنيتها الذرية وتفاعلها مع الضوء وقدرتها على تخزين الطاقة، يفتح الفريق البحثي من جامعة ووريك وجامعة برمنغهام مساراً جديداً أمام الكيميائيين لإعادة النظر في طرق تصنيع المواد المتقدمة، بما قد يسرّع في المستقبل تطوير مواد أكثر كفاءة لتحويل الطاقة الشمسية إلى وقود قابل للتخزين، أو لتخزين كميات أكبر من الطاقة في بطاريات أصغر حجماً وأطول عمراً.
المزيد من الهندسة الكيميائية

روبوت فرز النفايات: كيف طوّرت أمي ما حلاً أرخص لإعادة التدوير في ست سنوات؟
بعد ست سنوات من التطوير، تطرح شركة دانو روبوتيكس الاسكتلندية روبوتاً لفرز النفايات بمخلب كماشة يتفوق اقتصادياً على المنافسين، وسط نمو تجاري ملحوظ واستعداد للمشاركة في مؤتمر تك كرانش ديسربت.

تخزين الطاقة بالبطاريات يتفوق على توربينات الغاز في تكلفة تشغيل مراكز البيانات
أظهر تقرير لمؤسسة وود ماكنزي أن تخزين الطاقة بالبطاريات أصبح أرخص من توربينات الغاز في 43 سوقاً عالمياً، في وقت يرفع الطلب على مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي أسعار التوربينات.

شركة ناشئة تبني أبراج نباتية ذكية لتنقية هواء المكاتب من الملوثات الخفية
تطوّر شركة غرينيري أبراجًا نباتية ذكية تستهدف المركبات العضوية المتطايرة السامة التي تعجز مرشحات الهواء التقليدية عن التعامل معها، بنتائج أولية واعدة في تجارب مكتبية بسنغافورة.

أبرز شركات ناشئة في تقنيات المناخ لعام 2026 وفق MIT
قائمة سنوية من مجلة MIT تكنولوجي ريفيو ترصد عشر شركات ناشئة تعمل على حلول مناخية متنوعة، من تخزين الطاقة بثاني أكسيد الكربون إلى الأسمنت الأقل انبعاثاً والمفاعلات النووية الصغيرة.

تجربة حراجية نُسيت 30 عاماً تكشف أن تخفيف الغابات يخزّن كربوناً بقدر عدم لمسها
أعاد باحثون من جامعة ملبورن فتح تجربة حراجية أسترالية أُجريت في الثمانينيات ونُسيت لعقود، فتبيّن أن التخفيف الحراجي المدروس يمكن أن يحقق إنتاج أخشاب وموائل برية وتخزين كربون يعادل ما تحققه الغابات غير المحصودة كلياً.

مادة جديدة تنتج الهيدروجين من الماء بالضوء وحده دون محفزات معدنية مكلفة
طوّر باحثون في جامعة ولاية أوريغون مادة تُعرف باسم BVR-19 قادرة على إنتاج الهيدروجين من الماء باستخدام ضوء الشمس فقط، من دون الحاجة إلى محفزات معدنية غالية الثمن، في خطوة قد تخفض كلفة الهيدروجين النظيف.