علماء فيينا يطورون أول ساعة نووية ذاتية الاستقرار بالثوريوم-229
فريق من جامعة فيينا التقنية و PTB الألمانية يكشف عن أول ساعة نووية ذاتية الاستقرار تعتمد على نوى الثوريوم-229 بدل الذرات، في خطوة قد تفتح الباب لقياس الزمن بدقة غير مسبوقة.

كشف فريق بحثي من جامعة فيينا التقنية (TU Wien) في النمسا، بالتعاون مع المعهد الفيزيائي التقني الفيدرالي الألماني (PTB) في براونشفايغ، عن أول نموذج تجريبي لساعة نووية ذاتية الاستقرار، تعتمد في عملها على نوى نظير الثوريوم-229 بدلاً من انتقالات الإلكترونات التي تقوم عليها الساعات الذرية التقليدية. وبحسب الدراسة التي نشرتها مجلة Nature في 10 أكتوبر 2026 بقيادة البروفيسور ثورستن شوم من معهد الفيزياء الذرية وتحت الذرية في فيينا والبروفيسور إيكيهارد بايك من PTB، تمكن الفريق من تشغيل الساعة النووية الجديدة بشكل مستقر لأكثر من 24 ساعة متواصلة دون أي تدخل خارجي، في إنجاز يصفه الباحثون بأنه خطوة مهمة في مجال القياس الدقيق.
تكمن أهمية الثوريوم في خاصية نادرة تتمتع بها نواته الذرية، حيث يفصل بين مستويي طاقة فيها فارق طاقة ضئيل جداً مقارنة بما هو معتاد في أنوية العناصر الأخرى. هذا الفارق الصغير يسمح، لأول مرة، بتحريض الانتقال النووي بين المستويين باستخدام شعاع ليزر، في حين تتطلب أغلب الانتقالات النووية في العناصر الأخرى كميات هائلة من الطاقة يتعذر توفيرها بهذه الطريقة. وقد أثبت الفريق النمساوي الألماني هذه الخاصية تجريبياً أول مرة في أبريل 2024، عندما أظهروا أن أشعة الليزر قادرة على إثارة نوى الثوريوم، قبل أن يربطوا التجربة في خريف العام نفسه بساعة ذرية بصرية تقليدية لإثبات إمكانية استخدام النوى كمرجع زمني بالغ الدقة.
غير أن اختبار المبدأ الأساسي لم يكن كافياً، إذ كانت الساعة النووية حتى تلك اللحظة تعتمد على ساعة ذرية تقليدية للحفاظ على دقتها، ما يعني أنها لم تكن مستقلة بذاتها بعد. يوضح شوم هذه النقطة بقوله: "ما نريده فعلاً هو ساعة نووية ذاتية الاستقرار. الفكرة الأساسية بسيطة: لديك شعاع ليزر ولديك الثوريوم. يغيّر الليزر مستوى الطاقة في نوى الثوريوم، وفي المقابل تُستخدم هذه النوى لتثبيت تردد الليزر نفسه."
لتحقيق هذه الفكرة، طوّر الفريق منظومة تقوم على بلورة خاصة تحتوي على ذرات الثوريوم، صُنعت في مختبرات جامعة فيينا التقنية، يسلَّط عليها شعاع ليزر يتفاعل مع النوى الموجودة داخلها. وينتج عن هذا التفاعل تردد ليزر منتظم يمكن استخدامه كوحدة لقياس الزمن، لكن أي تغير بيئي طفيف، كتقلبات الحرارة مثلاً، قد يتسبب في انجراف هذا التردد عن قيمته الصحيحة. ويشرح شوم أن "تذبذب ضوء الليزر يمكن استخدامه لقياس الزمن، لكن تردد الليزر قد ينزلق قليلاً من وقت لآخر، بسبب تقلبات الحرارة مثلاً، ولذلك نحتاج في القياسات بالغة الدقة إلى آلية تحافظ على ثبات تردد الليزر تماماً، حتى تستمر الساعة في النبض بالوتيرة نفسها بدقة."
تحل الساعات الذرية التقليدية هذه المشكلة عبر الاعتماد على انتقالات الإلكترونات داخل الذرات كمرجع ثابت، وقد أثبت فريق فيينا أن نوى ذرات الثوريوم قادرة على القيام بالدور نفسه. فآلية العمل تقوم على أن نوى الثوريوم لا تمتص ضوء الليزر إلا حين يكون تردده مطابقاً بدقة للقيمة الصحيحة؛ فإذا بدأ التردد بالانجراف، تقل كمية الضوء الممتصة، فيكتشف النظام هذا التغير تلقائياً ويصحح تردد الليزر عائداً به إلى قيمته الصحيحة، في حلقة تغذية راجعة مستمرة تحافظ على استقرار الساعة دون الحاجة إلى ساعة ذرية مساعدة. وبهذا حقق الفريق للمرة الأولى ساعة نووية ذاتية التنظيم تعمل بشكل مستقل تماماً.
وتنبع الميزة المحتملة للساعات النووية من خصائص فريدة تتمتع بها الأنوية الذرية، فهي أصغر من الذرات بأكثر من 10 آلاف مرة، وهذا الصغر الشديد في الحجم يجعلها أقل عرضة للتأثر بالعوامل الخارجية التي قد تشوّه دقة القياسات. يقول شوم: "الميزة الكبرى للساعة النووية الجديدة في فيينا هي أنه عند استخدام الأنوية الذرية بدلاً من الذرات، تصبح دقة أعلى ممكنة من الناحية النظرية." ولتقييم أداء النموذج التجريبي، قاس الباحثون دقته على مدار يوم كامل، فسجلت الساعة دقة نسبية بلغت نحو 10 أس سالب 15، وهو ما يعادل خطأ قدره ثانية واحدة تقريباً كل 30 مليون سنة؛ على أن هذا الرقم يصف الدقة المقاسة للساعة ولا يعني أن التجربة استمرت فعلياً لملايين السنين.
ومع ذلك، لا تزال هذه الساعة النووية الجديدة أقل دقة من أفضل الساعات الذرية البصرية في العالم، والتي لا تزال تمثل المعيار الأعلى في قياس الزمن بدقة فائقة. ويعلّق شوم على هذه النقطة قائلاً: "هذا لا يصل بعد إلى مستوى أفضل الساعات الذرية البصرية في العالم، لكنه بالنسبة إلى نموذج تجريبي أول نتيجة رائعة فعلاً." ويرى الفريق أن أمام الساعة النووية الجديدة مجالاً واسعاً للتحسين، إذ يخطط الباحثون لاستخدام أجهزة ليزر أكثر قوة وتطوير بلورات ثوريوم بجودة أعلى لرفع دقتها بشكل كبير، ما قد يتيح في المستقبل للساعات النووية أن تتفوق على الساعات الذرية الحالية وتؤسس معياراً جديداً لقياس الزمن.
يتجلّى الأثر المحتمل لهذا الإنجاز في المنطقة العربية عبر قطاعات حيوية عدة؛ فشبكات الاتصالات المنتشرة في دول الخليج تعتمد على إشارات توقيت دقيقة للتزامن بين محطاتها، وتستلزم مشاريع المدن الذكية في دبي والرياض وأبوظبي أنظمة قياس زمني دقيقة جداً. وإذا تطورت الساعات النووية إلى منتجات تجارية، فإن مراكز الفضاء العربية كمركز محمد بن راشد للفضاء ووكالة الفضاء السعودية ستجد في هذه التقنية أداة دقيقة لتطوير منظومات الملاحة والاتصالات الفضائية.
ولا تقتصر أهمية هذا التطور على بناء ساعة أدق فحسب، فقياس الزمن بدقة أكبر ينعكس أيضاً على تحسين قياس كميات فيزيائية أخرى، ما يمنح الباحثين أدوات أكثر حساسية لاستكشاف الخصائص الأساسية للطبيعة. ويمثل إنجاز فريق فيينا، بحسب الباحثين، إثباتاً عملياً على أن فكرة علمية طُورحت ونوقشت لعقود يمكن أن تتحول إلى منظومة فعلية لقياس الزمن تعمل بشكل ذاتي ومستقل، في خطوة توصف بأنها مهمة على طريق مستقبل يمكن فيه قياس الزمن بدقة لم يسبق لها مثيل.
المزيد من الهندسة الإلكترونية

باحثون يطورون هوائي بلازما ليزري قابل للضبط لبث موجات الراديو
طوّر فريق من جامعة ولاية كارولاينا الشمالية هوائيًا من خيط بلازما يُولّده شعاع ليزر في الهواء، وأثبتوا نجاحه في بث موجات راديوية بتردد 30 ميجاهرتز، مع إمكانية ضبط طوله واتجاهه كهربائيًا دون أجزاء متحركة.

جهاز حقني بحجم بذرة يعالج الألم المزمن دون جراحة أو بطاريات
طوّر باحثون في أبوظبي جهازًا دقيقًا يُحقن قرب الأعصاب لتخفيف الألم المزمن لاسلكيًا دون جراحة أو بطاريات، في نتائج مبكرة واعدة.

فرانسيس هالزن يفوز بنوبل الفيزياء 2026 عن مرصد آيس كيوب لرصد النيوترينوات
فاز الفيزيائي فرانسيس هالزن من جامعة ويسكونسن-ماديسون بجائزة نوبل في الفيزياء لعام 2026 لقيادته تطوير مرصد آيس كيوب للنيوترينو المدفون في جليد القطب الجنوبي، الذي فتح باباً جديداً لعلم فلك النيوترينو.

أدوات خشبية نادرة لإنسان نياندرتال في إسبانيا نجت محفوظة داخل الحجر
عثر علماء آثار إسبان في ملجأ أبريك رومانی الصخري قرب برشلونة على 597 أثراً خشبياً من إنسان نياندرتال، محفوظة منذ 62 ألف سنة داخل قشرة صخرية من الترافرتين، في اكتشاف نادر يكشف تطور تقنياته وسلوكه اليومي.

نوبل الكيمياء 2026 لهنري كاغان وكينسو سواي لتفاعلات يدوية الجزيئات
فاز الفرنسي هنري كاغان والياباني كينسو سواي بجائزة نوبل في الكيمياء لعام 2026 لاكتشافهما تفاعلات كيميائية تنتج فائضاً كبيراً من أحد الشكلين المرآتيين للجزيء، في عمل يفسر أصل الحياة ويخدم صناعة الأدوية.

فيزيائيو برينستون يقترحون تسخين البلازما قبل تكثيفها لتسهيل الاندماج النووي
اقترح فيزيائيون في مختبر برينستون لفيزياء البلازما عكس ترتيب خطوات الوصول إلى اشتعال الاندماج النووي: تسخين البلازما أولاً ثم زيادة كثافتها، مسار نظري قد يقلّل الطاقة اللازمة لتحقيق الاندماج.