علماء فلك يكشفون قاعدة كونية موحّدة لانطلاق نفثات الثقوب السوداء
دراسة جديدة تكشف أن الثقوب السوداء، على اختلاف كتلها الهائل، تطلق نفثاتها الفلكية عند عتبة تراكم واحدة، وهو اكتشاف قد يساعد الفلكيين على التنبؤ بتوقيت الانفجارات الراديوية المتأخرة.

كشفت دراسة فلكية جديدة أن الثقوب السوداء، بدءاً من تلك التي تعادل كتلتها عشرة أضعاف كتلة الشمس وحتى العمالقة التي تبلغ كتلتها ملايين الكتل الشمسية في مراكز المجرات، تطلق نفثاتها الفلكية القوية عند المرحلة نفسها تقريباً من دورة تغذيتها على المادة المحيطة بها. ونُشرت الدراسة، التي أجراها الدكتورة أديل غودوين من المركز الدولي لأبحاث الفلك الراديوي التابع لجامعة كيرتن في أستراليا، والدكتور أندرو مَمري من معهد الدراسات المتقدمة في برينستون، في مجلة Nature Astronomy.وتتناول الدراسة ظاهرة حدث التمزق المدي، وهي حالة نادرة تحدث حين تقترب نجمة من ثقب أسود هائل الكتلة بما يكفي لتمزقها قوى مده الجاذبية، فتتحول أجزاء منها إلى قرص تراكم يدور حول الثقب الأسود قبل أن يُبتلع تدريجياً. ووجد الباحثان أن هذه الأحداث تمر بمرحلتين لإطلاق النفث الفلكي: الأولى مبكرة، حين يكون معدل التراكم مرتفعاً جداً فيُطلَق النفث فوراً، والثانية متأخرة تحدث بعد مئات أو آلاف الأيام من تدمير النجمة، حين ينخفض معدل التراكم.والمفاجأة التي توصل إليها الفريق هي أن النفث في المرحلة المتأخرة يظهر عندما ينخفض معدل التراكم إلى نحو 2 بالمئة من حد إدينغتون، وهو الحد الأقصى للسطوع الذي يستطيع جسم فلكي متراكم للمادة بلوغه دون أن يطرد ضغط الإشعاع الصادر عنه المادة المتدفقة نحوه. واللافت أن هذه العتبة نفسها، 2 بالمئة من حد إدينغتون، كانت قد رُبطت سابقاً بظهور النفث في ثقوب سوداء أصغر بكثير ضمن مجرة درب التبانة، مما يشير إلى أن القاعدة قد تكون كونية الطابع، تنطبق على الثقوب السوداء بصرف النظر عن كتلتها الهائلة التفاوت.وجاءت فكرة الدراسة، بحسب الباحثين، خلال محادثة عابرة في مؤتمر علمي بمدريد، قبل أن يقرر الفريق اختبارها عبر فحص 20 حدث تمزق مدي رصدته تلسكوبات في أستراليا والولايات المتحدة والهند وجنوب أفريقيا، إضافة إلى مراصد فضائية. واختار الباحثان من بينها عشرة أحداث تتوافر فيها بيانات موثوقة عن معدل التراكم وتوقيت ظهور التدفق الراديوي، وهو الدليل الرصدي على انطلاق النفث.ولهذا الاكتشاف أهمية عملية مباشرة: إذا كانت العتبة ثابتة بالفعل، فسيتمكن الفلكيون من حساب التوقيت التقريبي الذي ستقترب فيه مادة أي حدث تمزق مدي من نسبة 2 بالمئة من حد إدينغتون، وبالتالي جدولة أرصادهم الراديوية بدقة أكبر بدلاً من رصد الحدث باستمرار على أمل رصد النفث عشوائياً. وهذا أمر بالغ الأهمية في ظل محدودية وقت استخدام التلسكوبات الكبرى، خصوصاً مع استعداد أستراليا لاستضافة الجزء منخفض التردد من مصفوفة تلسكوب الكيلومتر المربع، أحد أضخم مشاريع الفلك الراديوي في العالم بتكلفة تتجاوز ملياري دولار، ساهمت فيه الحكومة الأسترالية بما يقارب 387 مليون دولار.مع ذلك، يشدد الباحثان على أن النتيجة تستند إلى عشرة أحداث فقط، وهو عدد محدود إحصائياً، وأن الأمر لا يزال يحتاج إلى مزيد من الأرصاد قبل تأكيد هذه القاعدة كقانون فلكي ثابت. فإذا تأكدت صحتها عبر عينات أكبر من الأحداث، فقد تمنح علماء الفلك أداة تنبؤية جديدة لفهم آلية عمل الثقوب السوداء، من أصغرها إلى أضخمها، وكيف تتحول طاقة المادة المتدفقة إليها إلى نفثات مرصودة عبر الكون.ويرى فلكيون أن هذا النوع من الاكتشافات يعزز فكرة أن الفيزياء الحاكمة للثقوب السوداء قد تكون أبسط وأكثر عمومية مما كان يُعتقد، إذ تتصرف هذه الأجسام الكونية، على تباين كتلها الهائل الذي يمتد عبر ملايين المرات، وفق قواعد فيزيائية مشتركة تحكم تفاعلها مع المادة المحيطة بها.
ويندرج هذا البحث في سياق اهتمام عربي وإسلامي عريق بعلم الفلك، إذ يعود جزء كبير من التراث الفلكي العالمي إلى اكتشافات العلماء العرب في العصور الوسطى. وعلى الصعيد المعاصر، أثبت مسبار الأمل الإماراتي أن الحضور العربي في استكشاف الفضاء حقيقي وطموح، فيما تسعى المملكة العربية السعودية إلى تطوير قدراتها في الفلك والرصد ضمن رؤية 2030. وقد يُسهم هذا القانون الكوني الجديد في تمكين الفلكيين العرب من جدولة أرصادهم للثقوب السوداء بصورة أكثر كفاءة مع توسّع مصفوفة تلسكوب الكيلومتر المربع.
المزيد من علوم

كيف تخطط ناسا لبناء قاعدة قمرية دائمة بحلول العقد المقبل
تناول حلقة من بودكاست Space Minds رؤية مهندسة الأنظمة في ناسا شاتيل بهاكتا لخطوات بناء قاعدة قمرية، في وقت تستعد فيه الوكالة لخطوات ملموسة باتجاه التواجد الدائم على القمر بحلول 2028.

إنزيم بكتيري يشبه "باك-مان" يفتح أفقاً جديداً لتحليل اللدائن الحيوية
باحثون ألمان يكتشفون إنزيماً بكتيرياً قادراً على تفكيك لدائن حيوية قابلة للتحلل خلال نحو عام في التربة، في خطوة قد تعيد رسم ملامح صناعة البلاستيك المستدام.

درجات ذرية بارتفاع ذرة واحدة تفتح طريقاً جديداً للتحكم في الموصلات الفائقة
باحثون يابانيون يكتشفون أن درجات ذرية بارتفاع ذرة واحدة على سطح موصل فائق تُوجّه حركة الدوّامات الكمية كما توجّه القضبان القطار، في تطور قد يخدم إلكترونيات المستقبل فائقة الموصلية.

حفرية نُسيت قرناً في متحف بريطاني تكشف أول ميغارابتوران في أوروبا
أعاد باحثون بريطانيون فحص حفرية محفوظة منذ 1924 في متحف التاريخ الطبيعي، لتكشف عن نوع جديد من الديناصورات اللاحمة يمثل أول دليل على وجود فصيلة الميغارابتوران في أوروبا.

علماء يطورون مستقبلات مناعية نباتية هندسية لمكافحة أخطر فطريات الحبوب
هندس باحثون بريطانيون ويابانيون مستقبلات مناعية في النباتات قادرة على التعرف على سلالتين من فطر لفحة الأرز في آنٍ واحد، في خطوة قد تعزز الأمن الغذائي العالمي مستقبلاً.

دراسة: الدماغ المخدَّر بالكامل قد يظل يعالج اللغة ويتنبأ بالكلمات القادمة
اكتشف باحثون من كلية بايلور للطب أن الحُصين البشري يستجيب للأصوات ويعالج اللغة تحت التخدير العام الكامل، في نتيجة تدفع لإعادة التفكير في الحدود الحقيقية للوعي البشري.