الجليد البحري في القطب الجنوبي يسجل ثالث أدنى حد أقصى شتوي في تاريخ الرصد

بيانات ناسا ومركز بيانات الجليد والثلوج تكشف أن الجليد البحري حول القارة القطبية الجنوبية بلغ في سبتمبر 2026 ثالث أدنى حد أقصى شتوي مرصود بالأقمار الاصطناعية، في انعكاس لافت بعد سنوات من النمو القياسي.

تحرير
ألمعي · هيئة التحرير
النشر
١٧ أكتوبر ٢٠٢٦
المصدر
ScienceDaily ↗
القراءات
٠
الوقت
قراءة 3 دقائق
صورة ساتلية لامتداد الجليد البحري حول القارة القطبية الجنوبية

بلغ الجليد البحري المحيط بالقارة القطبية الجنوبية، أنتاركتيكا، في الرابع عشر من سبتمبر 2026 على الأرجح، أقصى امتداد له لهذا العام، وفقاً لبيانات وكالة ناسا ومركز بيانات الثلوج والجليد الوطني الأمريكي (NSIDC). وبلغت مساحة الجليد البحري في تلك اللحظة نحو 17.59 مليون كيلومتر مربع، وهي ثالث أدنى قيمة للحد الأقصى الشتوي في سجل القياس الساتلي منذ بدء الرصد المستمر للمنطقة، أي أن مساحة المحيط التي غطاها الجليد في هذا الشتاء كانت أقل من كل الأعوام السابقة تقريباً باستثناء عامين فقط.

وتُعدّ هذه النتيجة لافتة بشكل خاص في سياق تاريخي، فبين عامي 1979 و2014، كان الجليد البحري في القطب الجنوبي ينمو بمعدل طفيف يقارب 1 بالمئة كل عقد، في مسار متناقض تماماً مع ما كان يحدث في القطب الشمالي الذي شهد تراجعاً مستمراً في نفس الفترة. بل إن الحد الأقصى الشتوي للجليد الجنوبي سجل أرقاماً قياسية جديدة لثلاث سنوات متتالية بين 2012 و2014، في وقت كانت تتزايد فيه المخاوف من أن القطب الجنوبي قد يكون أقل حساسية لتغير المناخ من نظيره الشمالي.

لكن هذا الاتجاه التصاعدي توقف فجأة بعد عام 2015، وبدأت مساحة الجليد في الانكماش اعتباراً من 2016، وبقيت منذ ذلك الحين تحت متوسطها التاريخي في معظم السنوات، مع تعافٍ جزئي متقطع في بعض المواسم. وشهد عام 2023 تسجيل أدنى حد أدنى صيفي وأدنى حد أقصى شتوي في نفس العام، وهو ما اعتبره علماء المناخ في ذلك الوقت علامة مثيرة للقلق على تغيّر سلوك الجليد الجنوبي. أما نتائج عام 2026 فتؤكد أن ذلك التراجع لم يكن حادثة عابرة، بل استمر ليصل إلى ثالث أدنى تسجيل في تاريخ القياس الساتلي البالغ عمره عدة عقود.

وتعتمد هذه القياسات على سجل ساتلي طويل يمتد عبر عدة أجيال من الأقمار الاصطناعية، بدءاً من قمر Nimbus-7 التابع لناسا الذي بدأ الرصد عام 1978، ثم برنامج الأقمار الاصطناعية الدفاعية الأمريكي (DMSP) الذي انضم إلى الرصد عام 1987، فقمر ناسا Aqua بين عامي 2002 و2011، وأخيراً قمر الرصد العالمي للتغير المناخي التابع لوكالة الفضاء اليابانية (JAXA)، الذي أُضيف إلى شبكة البيانات في عام 2025. وبفضل هذا السجل الساتلي المستمر الممتد لما يقارب خمسة عقود، يستطيع العلماء مقارنة أوضاع الجليد البحري عاماً بعد عام بثقة بيانات مرتفعة نسبياً.

ومع ذلك، لم تحدد ناسا أو مركز بيانات الثلوج والجليد الوطني سبباً محدداً لهذا الانعكاس المفاجئ في سلوك الجليد الجنوبي بعد سنوات من النمو القياسي. ولا يزال العلماء يتابعون البيانات عن كثب في محاولة لتحديد ما إذا كان هذا التراجع المستمر منذ 2016 يمثل تحولاً مناخياً دائماً وجديداً في سلوك الغطاء الجليدي حول القارة القطبية الجنوبية، أو أنه لا يتجاوز حدود التقلب المناخي الطبيعي الذي تشهده مساحة الجليد البحري من عام لآخر ضمن نطاقات متوقعة تاريخياً.

ويكتسب هذا التمييز بين التحول الدائم والتقلب الطبيعي أهمية علمية كبيرة، لأن القطب الجنوبي، بخلاف القطب الشمالي الذي أصبح تراجع جليده البحري ظاهرة مناخية موثقة وواضحة الاتجاه على مدى عقود، ظل لفترة طويلة يُنظر إليه كحالة أكثر تعقيداً وأقل قابلية للتنبؤ، نتيجة تفاعل عوامل عدة تشمل أنماط الرياح المحيطة بالقارة، ودرجات حرارة المحيطات المحيطة بها، وتيارات دوران المياه العميقة حول القارة الجنوبية. وإذا تأكد أن ما بدأ عام 2016 يمثل بداية نمط تراجع مستمر ومشابه نسبياً لما يحدث في الشمال، فإن ذلك سيحمل تداعيات مهمة على مستوى العالم، نظراً للدور الذي يؤديه الجليد البحري الجنوبي في عكس أشعة الشمس عن سطح المحيط، وفي تنظيم دوران المياه العميقة التي تؤثر على المناخ العالمي ومستويات سطح البحر على المدى الطويل.

وتمتد انعكاسات هذا التراجع الجليدي على منطقتنا العربية بصور متعددة؛ فارتفاع مستويات البحر يُهدّد المناطق الساحلية كدلتا النيل المصرية حيث يقطن الملايين، فضلاً عن الشواطئ اللبنانية والتونسية والمغربية. كما يُفضي الاحترار العالمي إلى تكثيف موجات الحر الشديدة في شبه الجزيرة العربية وتراجع الأمن المائي. وفي هذا الإطار، تواصل المملكة العربية السعودية والإمارات ضخ استثمارات متزايدة في مشاريع الطاقة المتجددة ضمن رؤيتَي 2030 و2050 للتخفيف من وطأة هذه التداعيات المناخية.

وحتى يُحسم هذا السؤال، يستمر العلماء في تحليل كل موسم جديد من بيانات الحد الأقصى والحد الأدنى للجليد الجنوبي، إذ يمثل كل عام إضافياً من البيانات نقطة أخرى تساعد في تمييز الاتجاه الحقيقي طويل المدى عن التذبذبات الموسمية العابرة، في قارة لا تزال تخفي كثيراً من الأجوبة حول مستقبل مناخ الأرض.

المصدر الأصلي
ScienceDaily
قراءة المقال الأصلي ↗
قصة اليوم · كل صباح

أعجبك التقرير؟ استلم واحداً كل صباح.

قصةٌ تقنية واحدة تستحقّ وقتك، بالعربية. بلا إعلانات، بلا إزعاج.

بلا إعلانات · إلغاء الاشتراك بنقرة واحدة · بياناتك آمنة

اقرأ أيضًا

المزيد من بيئة

صورة مجهرية لبكتيريا قادرة على تحليل اللدائن الحيوية

إنزيم بكتيري يشبه "باك-مان" يفتح أفقاً جديداً لتحليل اللدائن الحيوية

باحثون ألمان يكتشفون إنزيماً بكتيرياً قادراً على تفكيك لدائن حيوية قابلة للتحلل خلال نحو عام في التربة، في خطوة قد تعيد رسم ملامح صناعة البلاستيك المستدام.

ScienceDaily
صورة ساتلية للجليد البحري في القطب الشمالي

الجليد البحري في القطب الشمالي يسجل من أدنى مستوياته التاريخية عام 2026

تُظهر بيانات ناسا الساتلية أن الجليد البحري القطبي سجل من أدنى مستوياته الصيفية والشتوية هذا العام، وسط تحذيرات علمية من احتمال فقدان القطب الشمالي جليده الصيفي قبل 2050.

ScienceDaily
فرن لافح في منشأة لإنتاج الحديد والصلب

هيليكس كاربون تخفض تكلفة إنتاج الحديد بتدوير تلوث الفرن اللافح

تستخدم الشركة الناشئة هيليكس كاربون جهاز تحليل كهربائي لتحويل غازات الفرن اللافح الملوثة إلى أول أكسيد الكربون المستخدم في إنتاج الحديد، فتقلص استهلاك الكوك وتخفض الانبعاثات.

TechCrunch
مِظلّة شجرية لغابة استوائية في بنما

ديزي دنت تكشف الشبكات الخفية التي تُعيد غابات المطر الاستوائية إلى الحياة

تستخدم عالمة الإيكولوجيا ديزي دنت بيانات عقود من غابات بنما لإثبات أن الغابات الاستوائية المتنوعة قادرة على التجدد طبيعياً بفعل الحيوانات، بتكلفة أقل من مزارع الأشجار أحادية المحصول.

MIT Technology Review
صورة لمرفق مركز بيانات مرتبط بالذكاء الاصطناعي

هل يكفي التخلي عن اتفاقيات السرية لإقناع معارضي مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي؟

أمازون تعلن وقف استخدام اتفاقيات عدم الإفشاء في مفاوضاتها مع الحكومات المحلية حول مراكز البيانات، وسط تصاعد المعارضة الشعبية والوقف المؤقت لتراخيص بعض المشروعات.

TechCrunch
صورة توضيحية لكبد الإنسان تعبّر عن تلف الأنسجة الناتج عن مرض الكبد الدهني

دراسة أمريكية: البولي إيثيلين قد يساهم في مرض الكبد الدهني

باحثون من جامعة تكساس إيه آند إم يكشفون أن الجسيمات البلاستيكية الدقيقة من البولي إيثيلين قد تسبب مرض الكبد الدهني، وتتفاقم آثارها مع النظام الغذائي الغربي.

ScienceDaily
الجليد البحري في القطب الجنوبي يسجل ثالث أدنى حد أقصى شتوي في تاريخ الرصد — ألمعي