الحمض النووي القديم يكشف: الطاعون كان يفتك بالبشر قبل 5500 عام

دراسة في مجلة «نيتشر» تكشف أن بكتيريا الطاعون أودت بنحو 40% من صيادي سيبيريا القدامى قبل 5500 عام، وبسلالة تحمل مستضداً فائقاً جعلها أشد فتكاً من طاعون العصور الوسطى.

تحرير
ألمعي · هيئة التحرير
النشر
٢١ يونيو ٢٠٢٦
المصدر
ScienceDaily
القراءات
٠
الوقت
قراءة دقيقتين
جمجمة بشرية من موقع حفريات أثرية تكشف آثار الطاعون القديم

كشفت دراسة علمية جديدة نُشرت في مجلة «نيتشر» في يونيو 2026 أن بكتيريا الطاعون كانت تقتل البشر قبل 5500 عام على الأقل، أي قرون طويلة قبل نشوء الحضارات الزراعية الكبرى والمدن. وقد حصل الباحثون على هذه النتيجة من خلال تحليل الحمض النووي القديم المستخرج من رفات 46 فرداً عُثر عليهم في أربعة مقابر لصيادي قانصين قرب بحيرة بايكال في سيبيريا.

خلص الباحثون إلى أن ما يقرب من 40% من الرفات المُحلَّلة، أي 18 فرداً من أصل 46، تحمل آثاراً للحمض النووي لبكتيريا يرسينيا بستيس، وهي الكائن المجهري المسؤول عن الطاعون الدبلي والطاعون الرئوي وتسمم الدم الطاعوني. ونسبة الإصابة هذه تتجاوز ما وُجد في بعض مقابر ضحايا الطاعون في أوروبا القرون الوسطى، مما يُلقي ظلالاً مغايرة على طبيعة الوباء في أكثر حقبه قدماً.

ما يُميّز هذا الاكتشاف هو السياق الذي وقع فيه الوباء؛ فالمجتمعات التي أودى بها الطاعون كانت صغيرة ومنعزلة، تمارس الصيد وجمع الثمار، بعيداً عن الكثافة السكانية والتجمعات الحضرية التي طالما افترض العلماء أنها شرط لانتشار الأوبئة على نطاق واسع. يعني هذا أن الطاعون لم يكن يحتاج إلى مدن أو طرق تجارية مكتظة ليُحدث مجازره.

أشارت الأدلة الأثرية إلى احتكاك كثيف بين الضحايا والمرموط، وهو قارض ضخم لا يزال حاملاً للطاعون في مناطق سيبيريا حتى اليوم. كذلك كشفت البيانات الجنائية للرفات أن كثيراً من الضحايا كانوا أطفالاً ومراهقين، وأن دفنات عدد من الأسر جرت خلال فترات قصيرة جداً، مما يوحي بانتشار متسارع وضربات جماعية.

كشفت الدراسة كذلك عن خاصية جينية مثيرة في السلالات القديمة من البكتيريا: فقد احتوت على المستضد الفائق، وهو جزيء بروتيني يُفضي إلى استجابة مناعية مفرطة وخارجة عن السيطرة، وهو مُكوّن غائب في السلالات التاريخية اللاحقة. ما يعني أن عدوى العصور البعيدة قد تكون استثارت ردود فعل مناعية مُدمِّرة للجسم ذاته.

قال كبير الباحثين أيسكه ويلرسليف من جامعة كوبنهاغن: "نتائجنا تُظهر أن هذه السلالات القديمة كانت شديدة الفتك بالفعل"، مؤكداً أن الاكتشاف يُطيح بافتراض سائد مفاده أن الطاعون المبكر كان أقل خطورة وأن شدّته تطورت لاحقاً مع التاريخ المدوّن.

استُخدم التأريخ بالكربون المشع لتحديد أعمار الرفات بدقة، مما أكد أن هذه الوفيات وقعت حوالي عام 3500 قبل الميلاد، أي قبل الطاعون الذي ضرب أوروبا في القرن الرابع عشر بأكثر من خمسة آلاف عام.

تمتلك المنطقة العربية إرثاً تاريخياً واسعاً في مجال علم الأوبئة؛ فمصر وبلاد الشام وجزيرة العرب شهدت موجات طاعون فتاكة في القرون الوسطى وثّقها أطباء عرب كابن سينا في «القانون في الطب» وابن الخطيب في مؤلفاته عن الوباء، وهي مصادر بالغة الأهمية في تاريخ الطب الوبائي. وتُتيح تقنيات الحمض النووي القديم فرصةً واعدة لدراسة رفات البشر الذين عاشوا في مناطق الهلال الخصيب والجزيرة العربية، مما قد يكشف عن تاريخ الأوبئة التي اجتاحت المنطقة بدقة غير مسبوقة تتجاوز ما وثّقته المصادر المكتوبة.

تُلقي هذه النتائج ضوءاً جديداً على تاريخ الأوبئة البشرية وتُؤكد أن العلاقة بين الإنسان ومسببات الأمراض أقدم وأكثر تعقيداً مما كنا نتصور. ومع التقدم السريع في تقنيات الحمض النووي القديم، تتكشّف شيئاً فشيئاً قصص مجتمعات بشرية اكتسحتها أوبئة طويت صفحاتها من التاريخ المكتوب ولم تُكشف فصولها إلا الآن.

المصدر الأصلي
ScienceDaily
قراءة المقال الأصلي ↗