الدماغ يُعيد تنظيم نفسه بعد التدريب المكثّف ليُتيح تعدد المهام الحقيقي

اكتشاف من جامعة جورج تاون يُثبت أن التدريب المكثّف يُحوّل معالجة المهام من القشرة الجبهية الأمامية إلى القشرة الصدغية، محرّراً القشرة الجبهية للتعامل مع مهام متوازية في آنٍ واحد.

تحرير
ألمعي · هيئة التحرير
النشر
١٣ يوليو ٢٠٢٦
المصدر
ScienceDaily ↗
القراءات
٢
الوقت
قراءة دقيقتين
توضيح علمي لإعادة التنظيم العصبي في الدماغ أثناء التعلم

خلص علماء في جامعة جورج تاون بواشنطن إلى نتيجة تُقلب مفهوماً راسخاً في علم الأعصاب: البشر قادرون فعلاً على أداء أكثر من مهمة واحدة في الوقت ذاته، شريطة أن يكونوا قد دربوا إحدى المهام حتى بلغت مرحلة الأتمتة الذاتية الكاملة. ونُشرت نتائج هذا البحث في مجلة علم الأعصاب المعرفي في يونيو 2026.

اعتمدت الدراسة على متطوعين يُنجزون أكثر من ثلاثين ألف تجربة على مدى خمسة إلى عشرة أسابيع عبر تطبيق على الهاتف الذكي، تضمّنت تصنيف صور سيارات مُدمجة مع مؤثرات بصرية متغيرة. وأجرى الباحثون مسحاً دماغياً للمشاركين بتقنيتي التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي وتخطيط الدماغ الكهربائي قبل التدريب وبعده.

كشفت نتائج ما قبل التدريب أن أداء المهمة الجديدة يستنزف القشرة الجبهية الأمامية، وهي المنطقة الدماغية المختصة بالتحكم التنفيذي والتخطيط واتخاذ القرار. أما بعد مئات الساعات من التدريب، فقد تحوّل مركز ثقل هذه المعالجة نحو القشرة الصدغية، المنطقة المختصة بالذاكرة وإدراك الأشياء. وهذا يعني أن المهمة المُدرَّبة أصبحت أقل حملاً معرفياً وباتت تعتمد على دوائر أكثر كفاءة وأقل استهلاكاً للموارد الذهنية.

إعادة التنظيم العصبي: ثمرة المران

الاكتشاف الجوهري في الدراسة هو أن التدريب المكثّف يُتيح للمهمة المُتقنة الاستغناء كلياً عن القشرة الجبهية الأمامية، مما يُحرّرها للتعامل مع مهام أخرى في الوقت ذاته. وهذا ما يُفسّر سرّ الموسيقيين الذين يقرؤون النوتات ويعزفون في آنٍ واحد، أو الرياضيين الذين يُراقبون الملعب ويتحكمون في حركاتهم في الوقت نفسه دون أي عناء واضح.

يُشير ذلك إلى أن إعادة التنظيم العصبي هي نتاج مباشر للمران المستدام، لا هبةً فطرية. والدماغ في جوهره نظام مرن يُعيد هيكلة اتصالاته استجابةً للطلبات المتكررة التي يُفرضها التدريب المنهجي.

تداعيات على الذكاء الاصطناعي وتصميم الآلات

لا تقف أهمية هذه النتائج عند حدود علم الأعصاب، بل تمتد إلى حقل الذكاء الاصطناعي. فالفهم الأعمق لكيفية استعادة الدماغ البشري لكفاءته عبر التدريب قد يُلهم مصممي الشبكة العصبية الاصطناعية لابتكار أنظمة تتعلم توزيع الحمل المعرفي بكفاءة أعلى، دون افتراض أن لكل مهمة مواردها الثابتة والمنفصلة.

كما تنفتح آفاق مثيرة في مجال إعادة التأهيل العصبي بعد الإصابات الدماغية، وفي برامج التعليم والتدريب المهني، حيث يمكن استثمار هذه المعرفة لتصميم مناهج تُعظّم قدرة الدماغ على إعادة توزيع المهام وتحقيق الكفاءة القصوى.

تنفتح أمام هذا البحث آفاق تطبيقية ذات صلة مباشرة بالمنظومة التعليمية والمهنية العربية؛ ففي إطار رؤية السعودية 2030 التي أولت الارتقاء بجودة التعليم والتدريب المهني أولويةً عليا، وإصلاحات المناهج في مصر والإمارات، تتصاعد الحاجة إلى فهم آليات إعادة التنظيم الدماغي في ظل التدريب المكثّف. وتُشير النتائج إلى إمكانية تصميم برامج تدريب مهني أكثر كفاءةً لدعم إعادة تأهيل القوى العاملة العربية، وتعزيز قدرات الأجيال الجديدة في مواجهة متطلبات اقتصادات ما بعد النفط.

يُجسّد هذا البحث حقيقةً بالغة الأثر: الدماغ ليس آلةً ثابتة بل بنيةً حيّة تتشكّل بما تُزاول وتُمارس. وهذا الفهم الجديد لا يُغيّر فحسب كيفية نظرتنا إلى حدود قدراتنا المعرفية، بل يفتح أيضاً إمكانيات عملية واسعة لتحسين الأداء البشري في مجالات التعليم والعمل وإعادة التأهيل.

المصدر الأصلي
ScienceDaily
قراءة المقال الأصلي ↗
قصة اليوم · كل صباح

أعجبك التقرير؟ استلم واحداً كل صباح.

قصةٌ تقنية واحدة تستحقّ وقتك، بالعربية. بلا إعلانات، بلا إزعاج.

بلا إعلانات · إلغاء الاشتراك بنقرة واحدة · بياناتك آمنة

اقرأ أيضًا

المزيد من صحة

تصور فني يوضح مصدراً كونياً للنيوترينو فوق مرصد آيس كيوب في القطب الجنوبي، مع مجسات ضوئية مدفونة في الجليد ترصد إشارات النيوترينو

فرانسيس هالزن يفوز بنوبل الفيزياء 2026 عن مرصد آيس كيوب لرصد النيوترينوات

فاز الفيزيائي فرانسيس هالزن من جامعة ويسكونسن-ماديسون بجائزة نوبل في الفيزياء لعام 2026 لقيادته تطوير مرصد آيس كيوب للنيوترينو المدفون في جليد القطب الجنوبي، الذي فتح باباً جديداً لعلم فلك النيوترينو.

Ars Technica
صورة لقطعة صخرية تحمل بصمة أداة خشبية بنصل ومقبض، إلى جانبها نموذج مجسم للأداة الخشبية الأصلية التي شكّلت هذا الأثر

أدوات خشبية نادرة لإنسان نياندرتال في إسبانيا نجت محفوظة داخل الحجر

عثر علماء آثار إسبان في ملجأ أبريك رومانی الصخري قرب برشلونة على 597 أثراً خشبياً من إنسان نياندرتال، محفوظة منذ 62 ألف سنة داخل قشرة صخرية من الترافرتين، في اكتشاف نادر يكشف تطور تقنياته وسلوكه اليومي.

Ars Technica
رسم توضيحي لخلايا مناعية تهاجم خلية سرطانية، في إشارة إلى آلية عمل العلاج المناعي

علاج مناعي قبل الجراحة يُحدث تراجعاً في سرطان قولون نادر دون انتكاس لثلاث سنوات

تجربة بريطانية صغيرة شملت 32 مريضاً أظهرت أن العلاج المناعي ببيمبروليزوماب قبل الجراحة تسبب في تراجع نوع جيني من سرطان القولون والمستقيم، دون أي انتكاس خلال نحو ثلاث سنوات من المتابعة.

ScienceDaily
رسم توضيحي لتركيب جزيء كيميائي يظهر حلقة وسلسلة كربونية متفرعة بألوان مختلفة، يرمز إلى الكيرالية الجزيئية

نوبل الكيمياء 2026 لهنري كاغان وكينسو سواي لتفاعلات يدوية الجزيئات

فاز الفرنسي هنري كاغان والياباني كينسو سواي بجائزة نوبل في الكيمياء لعام 2026 لاكتشافهما تفاعلات كيميائية تنتج فائضاً كبيراً من أحد الشكلين المرآتيين للجزيء، في عمل يفسر أصل الحياة ويخدم صناعة الأدوية.

Ars Technica
رسم توضيحي لمفاعل اندماج نووي من نوع توكاماك يحتوي بلازما ساخنة

فيزيائيو برينستون يقترحون تسخين البلازما قبل تكثيفها لتسهيل الاندماج النووي

اقترح فيزيائيون في مختبر برينستون لفيزياء البلازما عكس ترتيب خطوات الوصول إلى اشتعال الاندماج النووي: تسخين البلازما أولاً ثم زيادة كثافتها، مسار نظري قد يقلّل الطاقة اللازمة لتحقيق الاندماج.

ScienceDaily
منظر جوي لتلسكوب تشايم الراديوي في مرصد الدومينيون بكندا

تلسكوب تشايم يرصد إشارة هيدروجين عمرها 9 مليارات سنة لرسم خريطة الكون

باستخدام بياناته فقط، رصد تلسكوب تشايم الراديوي توهجاً باهتاً لغاز الهيدروجين قطع 9 مليارات سنة ليصلنا، في تقنية جديدة ترسم خريطة الكون وتختبر فرضيات الطاقة المظلمة بتكلفة أقل من مسوح المجرات.

ScienceDaily