الدماغ لا يبدأ صفحةً بيضاء بل يبدأ ممتلئًا ثم يُشذّب نفسه
باحثو معهد ISTA النمساوي يكشفون أن شبكة الخلايا العصبية في الحُصين تبدأ كثيفةً وعشوائية ثم تُنضّم نفسها بالحذف لا بالإضافة، ما يُعيد رسم فهمنا لنشوء الذاكرة.
حسم باحثون من معهد العلوم والتقنية النمساوي (ISTA) في مايو 2026 جدلًا فلسفيًا علميًا طال أمده: هل يبدأ الدماغ حياته صفحةً بيضاء خالية، كما ذهب الفيلسوف جون لوك، أم أن ثمة بنية مسبقة تنتظر التشكيل؟ والجواب الذي توصّل إليه الفريق بقيادة الأستاذ بيتر يوناس يُفاجئ: الدماغ لا يبدأ فارغًا، بل يبدأ ممتلئًا.
المنطقة محل الدراسة: الحُصين
اختار الفريق البحثي منطقة الحُصين، وهي منطقة في أعماق الدماغ تُعدّ محور تكوين الذكريات والتعلم والملاحة المكانية. تعمل خلايا الحُصين الهرمية في المنطقة CA3 على تخزين الأنماط واسترجاعها، وهي وظيفة تستلزم شبكة من التوصيلات المشبكية الدقيقة بين الخلايا العصبية.
التقنية: استماع مباشر للخلايا العصبية
استخدم الباحثون تقنية رُقعة المشبك، وهي طريقة دقيقة لقياس الإشارات الكهربائية داخل أجزاء دقيقة من الخلايا العصبية بنفسها. هذه الطريقة تمنح العلماء أداةً للاستماع المباشر إلى "حوارات" الخلايا العصبية بدقة لا تُتيحها الطرق غير الغازية.
المفاجأة: البنية تسبق الوظيفة
ما وجده الفريق يتعارض مع الحكمة السائدة: الشبكة العصبية في الحُصين لا تنشأ من الصفر ثم تُبنى تدريجيًا. بدلًا من ذلك، تبدأ كثيفةً وتبدو عشوائية في مرحلة التطوّر الجنيني المبكر، ثم تمر بعملية "تشذيب" دقيقة تُزيل الوصلات غير الضرورية وتُقوّي الضرورية منها، حتى تتشكّل شبكة منظمة وفعّالة.
يلجأ الفريق إلى صياغة مقابلة للمفهوم الفلسفي الشهير "الصفحة البيضاء" (Tabula Rasa)، فيسمّي ما وجده "الصفحة الممتلئة" (Tabula Plena). يقول الأستاذ يوناس: "الدماغ يبدأ ممتلئًا، ثم يصبح مُبسَّطًا ومُحسَّنًا".
اللدونة المشبكية ومنطق الحذف
تُوفّر هذه النتيجة فهمًا جديدًا لاللدونة المشبكية؛ أي قدرة الوصلات العصبية على التعديل. فبدلًا من أن تنشأ الوصلات المفيدة من لا شيء، يبدو أن الطبيعة تنتهج استراتيجية مغايرة: أنشئ وفرةً ثم احذف الزائد. هذا المنطق يُشبه نهج الفنان الذي ينحت تمثالًا من كتلة رخام بالحذف لا بالإضافة.
يُقترح أن هذه الاستراتيجية تمنح الدماغ مرونةً تكيّفية؛ إذ تتشكّل الشبكة العصبية بناءً على الخبرات المُكتسبة ومتطلبات البيئة، عبر تقوية الوصلات الأكثر استخدامًا والتخلص من الأقل فاعلية.
تداعيات على فهم الاضطرابات
تفتح هذه النتيجة المنشورة في مجلة Nature Communications آفاقًا جديدة لفهم اضطرابات النمو العصبي. فإذا كانت عملية التشذيب هي التي تُنضّم الشبكة العصبية، فإن أي خلل في هذه العملية قد يُفسّر جانبًا من جوانب اضطرابات كالتوحد، حيث تُشير بعض الدراسات إلى خلل في عملية التشذيب المشبكي، وكذلك بعض اضطرابات الفصام.
يُمثّل هذا الاكتشاف تحوّلًا في الفهم الأساسي لكيفية بناء الدماغ لنفسه، وقد يُعيد رسم الأسئلة التي يطرحها علماء الأعصاب عن نشوء الذاكرة والتعلم في مرحلة مبكرة من الحياة.
المزيد من الهندسة الطبية الحيوية

إنزيم UBE2N المكتشف حديثاً قد يبطئ تقدم مرض الكبد الدهني الخطير
حدد باحثون أمريكيون إنزيماً يحمي خلايا الكبد من التلف عبر تنظيف الميتوكوندريا وتكسير الدهون، في اكتشاف يبشر بعلاج مستقبلي لالتهاب الكبد الدهني MASH.

تقلبات الفراغ الكمي تعزز قدرة التوصيل الفائق دون أي تلامس مباشر
أظهر باحثون صينيون أن تقلبات الفراغ الكمي داخل تجويف تيراهرتز رفعت درجة الحرارة الحرجة لمادة فائقة التوصيل بنسبة 5.4%، في أسلوب تحكم جديد غير تلامسي.

عينات تشانغ آه-6 القمرية تكشف كبسولة زمنية مغناطيسية نادرة
اكتشف علماء صينيون حديد غاما النادر محفوظاً في زجاج ارتطامي ضمن عينات القمر الصينية، في اكتشاف يفتح نافذة على تاريخ المجال المغناطيسي القمري القديم.

بوابة زلزالية في كاليفورنيا تسجل أعلى إجهاد صدعي منذ ألف عام
كشفت دراسة سويسرية أن الإجهاد عند ملتقى صدعي سان أندرياس وسان خاسينتو بلغ مستويات قياسية، في تحذير من احتمال تمزق مزدوج يهدد جنوب كاليفورنيا.

تلسكوب رومان الفضائي يفتح عينه الكورونوغرافية لصيد الكواكب الخارجية
أثبت تلسكوب نانسي غريس رومان التابع لناسا دقة توجيه استثنائية والتقط كورونوغرافه أولى صوره الكونية، تمهيداً لاكتشاف آلاف الكواكب الخارجية الجديدة.

مسابقة جديدة تتحدى 500 مشارك لعكس أعمارهم البيولوجية خلال ستة أشهر
أطلقت طبيبة أعصاب أمريكية مسابقة تمتد ستة أشهر يحاول فيها نحو 500 مشارك تقليص الفارق بين عمرهم الزمني وعمرهم البيولوجي، باستخدام فحوصات جينية ودماغية وجسدية متعددة، ولوحة صدارة علنية.