علامات كرة دايسون: كيف تكشف التلسكوبات عن منشآت الحضارات الفضائية المتقدمة؟
تُحدد دراسة فلكية مجموعة من العلامات الرصدية للكشف عن المنشآت الطاقية الضخمة التي قد تبنيها حضارات فضائية، مع ترشيح تلسكوب جيمس ويب الفضائي أداةً مثلى للبحث في الأشعة تحت الحمراء.
هل بنت حضارة فضائية متقدمة قشرة عملاقة حول نجمها لاستيعاب طاقته الهائلة؟ قد تبدو الفكرة من نسيج الخيال العلمي، لكنها باتت اليوم محلّ دراسة علمية جادة. كشف علماء الفلك عن مجموعة من العلامات الرصدية التي يمكن للتلسكوبات الحديثة استخدامها للبحث عن ما يُعرف بـ«كرة دايسون»، ذلك الهيكل النظري الضخم الذي اقترحه الفيزيائي فريمان دايسون عام 1960.
تقوم الفكرة في جوهرها على أن حضارة بلغت مستوى تقنياً رفيعاً قد تبني حول نجمها هياكل ضخمة تجمع فيها الجزء الأكبر من طاقته الإشعاعية وتوظّفها. وبينما قد يتمثّل الشكل الكامل في قشرة صلبة مُحيطة بالنجم بالكامل، فإن الصورة الأكثر واقعية تتضمن سرباً من ملايين الأجسام الكبيرة في مدارات مُنسّقة حول النجم، على غرار مزرعة طاقة شمسية كونية ضخمة.
يُحدد بحث أميرنزام أميري، المنشور في قاعدة arXiv ومُرتقب نشره في دورية Universe، نوعين من النجوم باعتبارهما أكثر الأهداف الواعدة للبحث: الأقزام الحمراء والأقزام البيضاء. فالقزم الأحمر نجمٌ صغير الكتلة طويل العمر لا يُضيء كثيراً، مما يعني أن الكميات المطلوبة من المواد لبناء هيكل محيط به أقل بكثير. أما القزم الأبيض فهو بقية نجم فقد غلافه وتكثّفت مادته، مما يجعل الهيكل المُحيط به أسهل رصداً.
على الصعيد العملي، يصف البحث كيف ستبدو كرة دايسون في تلسكوباتنا. فبدلاً من أن يُشعّ النجم بضوئه المرئي المعتاد، ستمتص الهياكل المحيطة به معظم هذا الضوء وتُعيد إشعاعه على شكل إشعاع تحت الحمراء بدرجة حرارة منخفضة جداً. ويتوقع الباحث أن قزماً أحمر تبلغ درجة حرارته 3000 كلفن قد يبدو بدرجة حرارة 50 كلفن فقط في حال أحاطت به كرة دايسون، وهو نطاق درجات حرارة لا توجد فيه أي نجوم طبيعية على مخطط هرتسبرونج-راسل الذي يُصنّف النجوم وفق لمعانها ودرجات حرارتها.
يُكمل هذا الشذوذ الحراري علامتان إضافيتان: غياب الغبار الكوني الطبيعي المحيط بالنجم، وأنماط تذبذب غير معتادة في لمعانه ناجمة عن مرور أجزاء من الهيكل الضخم أمامه. ومجتمعةً، تُمثل هذه العلامات الثلاث دليلاً رصدياً يُقلّص الاحتمالات الطبيعية لأي تفسير بديل تقليدي.
يُعدّ تلسكوب جيمس ويب الفضائي الأداة الأنسب لمثل هذا البحث لعدة أسباب؛ فهو يعمل أساساً في نطاق الأشعة تحت الحمراء الذي تُعاد فيه الطاقة المُستوعَبة على شكل حرارة، فضلاً عن حساسيته الفائقة التي تُتيح رصد مصادر ضعيفة جداً على مسافات شاسعة عبر الكون.
لا تدّعي الدراسة بالطبع أن كرات دايسون موجودة حتماً في كوننا؛ بل تضع أُطراً رصدية قابلة للاختبار التجريبي. وفي العلم، هذا بالضبط ما يُحيل الفكرة الفلسفية الجريئة إلى سؤال علمي قابل للتحقق والاختبار. فبدلاً من الاكتفاء بالتساؤل «هل توجد حضارات فضائية؟»، يُقدّم البحث إجابة على السؤال الأكثر أهمية: «كيف نبحث عنها؟».
يتقاطع هذا البحث مع طموحات المنطقة العربية في استكشاف الفضاء؛ فمرصد الشيخ محمد بن راشد للفلك في دبي والمركز الوطني للبحوث الفضائية والفلكية في الأردن يمتلكان القدرة على المساهمة في برامج مراقبة الطيف الكهرومغناطيسي للنجوم. كما يُتيح تلسكوب جيمس ويب، الذي تشارك فيه هيئات علمية عربية من خلال تعاون دولي، رصدَ الشذوذات الطيفية الحرارية التي يصفها هذا البحث. وفي ظل توجه دول كالسعودية والإمارات نحو تطوير قدرات فضائية وطنية متكاملة، بات البحث العربي في علم الفلك المتقدم ركيزةً استراتيجية لا استثماراً ترفياً.
أما إذا وُجدت حضارة استثمرت ملايين السنين في بناء مثل هذه المنشآت الكونية، فإن مخطط هرتسبرونج-راسل وشذوذات الأشعة تحت الحمراء ربما يكونان أول ما يُخبرنا بوجودها عبر ظلام الكون الشاسع.
المزيد من علوم
لجنة الاتصالات الأمريكية تُجيز قمراً صناعياً عاكساً يُقلق الفلكيين وعلماء البيئة
أجازت هيئة الاتصالات الفيدرالية إطلاق القمر إيرنديل-1 العاكس لضوء الشمس رغم احتجاج قرابة ألفي معترض، في سابقة قد تفتح الباب أمام أساطيل أقمار صناعية تُضاعف التلوث الضوئي الليلي.
فيزيائيون ينجزون لأول مرة مادة كمية تنبأ بها العلماء قبل أكثر من عقد
أنجز فريق فنلندي تجسيد عازل بلوري طوبولوجي يُعدّ عازلاً في باطنه وموصلاً على حوافه، بخصائص قد تبقى مستقرة عند درجة حرارة الغرفة لتُمهّد الطريق لتقنيات إلكترونية من جيل مختلف.
علماء ييل يكشفون آلية انتشار داء باركنسون في الدماغ وسبيلاً لوقفه
رصد باحثو ييل بروتينَين سطحيَّين على الخلايا العصبية يُمهّدان الطريق لألفا سينوكلين لاختراق الخلايا ونشر المرض؛ حجبهما في تجارب الفئران أوقف تقدم باركنسون وخفّض معدل الوفاة.