تلسكوب جيمس ويب يكتشف «نجم الثقب الأسود» في فجر الكون

رصد تلسكوب جيمس ويب الفضائي جسمًا فلكيًا استثنائيًا في الكون المبكر يُنتج طاقةً تعادل مئة مليار ضعف طاقة أي نجم معروف، ويُرجَّح أنه نجم الثقب الأسود: ثقب أسود هائل يحيطه غلاف غازي ضخم.

تحرير
ألمعي · هيئة التحرير
النشر
١٥ أغسطس ٢٠٢٦
المصدر
ScienceDaily ↗
القراءات
١
الوقت
قراءة 3 دقائق
تصور فني لنجم الثقب الأسود في الكون المبكر

رصد فريق من علماء معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا باستخدام تلسكوب جيمس ويب الفضائي جسمًا فلكيًا استثنائيًا في الكون المبكر، يعود عهده إلى بضعة مئات من ملايين السنين بعد الانفجار العظيم فحسب. يتميّز هذا الجسم بلونه الأحمر اللافت وسطوع خارق للمعتاد، إذ يُنتج ما يعادل نحو مئة مليار ضعف طاقة أي نجم معروف في الكون. نُشرت نتائج الدراسة في مجلة "نيتشر" في الثاني عشر من أغسطس 2026، وأثارت موجةً واسعة من الاهتمام في أوساط علم الفلك والكونيات.

لا يندرج هذا الجسم ضمن أي فئة فلكية مألوفة؛ فمستويات إشعاعه تتجاوز ما تستطيع النجوم أو الأجسام السديمية العادية إنتاجه، وتقترب من مستويات الطاقة الصادرة عن الثقوب السوداء النشطة الفائقة الكتلة. وقد أربك ذلك الفريق البحثي في بادئ الأمر، إذ لا ينسجم هذا الإشعاع الهائل مع النماذج النظرية الراهنة لتكوّن النجوم والمجرات في الكون الفتيّ.

أطلق الفريق البحثي على هذا الكيان اسم نجم الثقب الأسود، وهو مصطلح يُشير إلى بنية كونية مُقترحة تتمحور حول ثقب أسود مركزي هائل تبلغ كتلته نحو مئة ألف مرة كتلة الشمس، يحيطه غلاف غازي ضخم يمتد لمسافة تعادل أبعاد مجموعتنا الشمسية بأكملها. وبموجب هذا النموذج، يُشعّ الثقب الأسود طاقةً هائلة بفعل احتكاكه بالمادة المتراكمة حوله، تنبعث عبر الغلاف الغازي المحيط على شكل إضاءة استثنائية الشدة تُوهم المراقب بأنه يرى نجمًا عملاقًا من نوع لم يُعرف من قبل.

يُرجّح الباحثون أن هذا الاكتشاف يُقدّم أخيرًا تفسيرًا وجيهًا لظاهرة لطالما حيّرت علماء الفلك منذ انطلاق مهمة تلسكوب جيمس ويب الفضائي؛ وهي ظاهرة ما يُعرف بـ"النقاط الحمراء الصغيرة". هذه النقاط تظهر في كل صورة تقريبًا يلتقطها التلسكوب لأعماق الكون، وهي شائعة بشكل لافت في الحقبة الكونية المبكرة، لكنها تختفي تدريجيًا مع اقترابنا من العصر الحاضر، وهو ما يُلمّح إلى أنها ظاهرة مرحلية تخص فجر الكون ولا يُفسّرها العلم الحالي تفسيرًا شافيًا.

تعددت الأدلة التي أقنعت الفريق بهذا التفسير. فقد رصد الباحثون في طيف الجسم أعمق انكسار بالمر يُسجَّل على الإطلاق في تاريخ الرصد الفلكي، وهو مؤشر طيفي يدل على كثافة الغاز المحيط وبنيته. فضلًا عن ذلك، لم تُكتشف أي آثار لعناصر ثقيلة أو معادن في الطيف سوى الهيدروجين والهيليوم، مما يُشير إلى نشأة هذا الجسم في مرحلة كونية مبكرة قبل أن تُنضج النجوم الأولى العناصر الأثقل وتنثرها في الفضاء. وكانت الطاقة الكلية الصادرة أعلى بكثير مما يمكن لأي نجم اعتيادي، مهما بلغت ضخامته، أن يُنتجه.

جاء هذا الاكتشاف ثمرةً لمسح فلكي يُعرف بـ"المعجزة أم السراب" (MoM)، صُمِّم أصلًا للبحث عن أبعد المجرات في الكون البدائي وأقدمها. وقد أسفر هذا المسح عن رصد كيان فلكي لا يندرج ضمن أي نموذج نظري قائم، مما يُجسّد قدرة تلسكوب جيمس ويب الفضائي الفريدة على المفاجأة العلمية واختراق حدود الفهم المألوف بكل عملية رصد جديدة.

يُسهم هذا الاكتشاف في معالجة واحدة من أعضل الإشكاليات في علم الكونيات الحديث؛ وهي كيف نشأت الثقوب السوداء الفائقة الكتلة في الكون المبكر قبل أن يكون ثمة وقت كافٍ لتكوّنها عبر التراكم التدريجي للمادة. ويقترح نموذج نجم الثقب الأسود مسارًا بديلًا لتوليد ثقوب سوداء ضخمة بسرعة أكبر مما تتيحه الآليات التقليدية، وهو ما قد يمثّل مفتاحًا لحل هذا اللغز الكوني العتيق.

لا يُشكّل هذا الاكتشاف الفلكي الفذّ إضافةً علميةً خالصة فحسب، بل يُعزز توجّه المنطقة العربية نحو الاستثمار في علوم الفضاء والكونيات. فمنذ نجاح مسبار الأمل الإماراتي في بلوغ مدار المريخ، بات علم الفلك يحتل مكانةً متناميةً في الأجندة البحثية العربية. وتُتابع مراكز الفضاء في الوكالة الفضائية الإماراتية والهيئة السعودية للفضاء مثل هذه الاكتشافات المتعلقة بنشأة الكون وطبيعة الثقوب السوداء، إذ تُمثّل فرصةً لتعميق التعاون مع مؤسسات كمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا في إطار برامج البيانات المفتوحة لتلسكوب جيمس ويب، وتُغذّي الجيل الجديد من الفلكيين العرب في جامعات كجامعة الشارقة وجامعة الأميرة نورة بنت عبدالرحمن.

يعتزم الفريق البحثي الاستمرار في رصد هذا الجسم العجيب وتحليل طيفه بمزيد من الدقة، بهدف التحقق من وجود نجم الثقب الأسود في قلبه وتحديد خصائصه الديناميكية بصورة حاسمة. ويظل تلسكوب جيمس ويب الفضائي الأداة الأمثل لهذه المهمة، بفضل حساسيته الفائقة للأشعة تحت الحمراء التي تُمكّنه من النفاذ عبر مليارات السنين الضوئية ورؤية ما اختبأ وراء الزمن الكوني الموغل في القِدَم.

المصدر الأصلي
ScienceDaily
قراءة المقال الأصلي ↗
قصة اليوم · كل صباح

أعجبك التقرير؟ استلم واحداً كل صباح.

قصةٌ تقنية واحدة تستحقّ وقتك، بالعربية. بلا إعلانات، بلا إزعاج.

بلا إعلانات · إلغاء الاشتراك بنقرة واحدة · بياناتك آمنة

اقرأ أيضًا

المزيد من علوم

خريطة إشعاع الخلفية الكونية الميكروي كما رصدها القمر الصناعي بلانك

هل الكون لانهائي؟ قياسات إشعاع الخلفية الكونية تكشف إجابة محيّرة

تُظهر قياسات دقيقة لإشعاع الخلفية الكونية الميكروي أن الكون مسطح هندسياً، لكن العلماء يوضحون أن التسطح لا يعني بالضرورة أن الكون لانهائي الامتداد.

ScienceDaily / Universe Today
صاروخ أريان 6 التابع لوكالة الفضاء الأوروبية

أوروبا أمام قرار تاريخي: هل تبني قدرتها الخاصة لإطلاق روادها إلى الفضاء؟

يلتقي وزراء أوروبيون في روما ديسمبر المقبل لحسم قرار بناء منظومة كاملة لنقل رواد الفضاء الأوروبيين، ضمن دفعة أوسع يقودها مدير وكالة الفضاء الأوروبية لتعزيز استقلالية القارة في الفضاء.

SpaceNews
موقع بناء مفاعل الاندماج النووي سبارك التابع لشركة Commonwealth Fusion Systems

من المختبر إلى الشبكة الكهربائية.. سباق تجاري لتوصيل طاقة الاندماج النووي

تستعد شركتا Commonwealth Fusion Systems وHelion لنقل طاقة الاندماج النووي من مرحلة الإثبات العلمي إلى محطات فعلية تغذي الشبكة الكهربائية، وسط تمويل يتجاوز مليارات الدولارات.

TechCrunch
كوب قهوة تقليدي

دراسة جديدة: القهوة بكافيين أو بدونه تُعيد تشكيل ميكروبيوم الأمعاء والمزاج

وجدت دراسة أيرلندية أن القهوة بنوعيها العادي ومنزوع الكافيين تُغيّر بكتيريا الأمعاء وتخفض الشعور بالتوتر والاكتئاب، فيما تحسّن النسخة منزوعة الكافيين التعلم والذاكرة وتعزز نسخة الكافيين التركيز.

ScienceDaily
صورة مجهرية ملونة لخلية مناعية تلتهم بكتيريا مقاومة للمضادات الحيوية

بروتينات عمرها 160 مليون عام تتفوق على أدويتنا الحديثة في مواجهة البكتيريا

أعاد باحثون في جامعة أوريغون إحياء ببتيدات مضادة للميكروبات من ثدييات منقرضة عاشت قبل 160 مليون عام، ووجدوا أن بعض نسخها القديمة أكثر فعالية من نظيراتها البشرية الحديثة في قتل البكتيريا المقاومة للمضادات الحيوية.

ScienceDaily
محطة الفضاء الدولية في المدار

دراسة: بكتيريا الأمعاء تفسر سبب إصابة رواد الفضاء بالإمساك في المدار

تحليل عينات دم 52 رائد فضاء كشف أن الجاذبية الصغرى تُبطئ حركة الأمعاء وتدفع بكتيريا القناة الهضمية إلى تخمّر البروتين بدلًا من الألياف، بما قد يؤثر في الكلى والمزاج خلال الرحلات الطويلة.

ScienceDaily