تجربة حراجية نُسيت 30 عاماً تكشف أن تخفيف الغابات يخزّن كربوناً بقدر عدم لمسها
أعاد باحثون من جامعة ملبورن فتح تجربة حراجية أسترالية أُجريت في الثمانينيات ونُسيت لعقود، فتبيّن أن التخفيف الحراجي المدروس يمكن أن يحقق إنتاج أخشاب وموائل برية وتخزين كربون يعادل ما تحققه الغابات غير المحصودة كلياً.

أعاد فريق بحثي من جامعة ملبورن الأسترالية فتح ملف تجربة حراجية ضخمة أُجريت في ولاية فيكتوريا منذ منتصف الثمانينيات، بعد أن ظلت نتائجها الكاملة طي النسيان لعقدين من الزمن تقريباً، لتكشف نتائجها اليوم عن معلومات مفاجئة قد تغيّر النظرة التقليدية إلى العلاقة بين قطع الأخشاب وحماية الغابات الطبيعية.
فقد أنفقت حكومة فيكتوريا في منتصف الثمانينيات ما يعادل اليوم نحو 26 مليون دولار أسترالي لإنشاء ما عُرف بمشروع الأنظمة الحراجية الصناعية، في موقعين تجريبيين هما تانجيل برين وكابيج تري كريك، بهدف اختبار أساليب بديلة لقطع الأخشاب التقليدي الكامل. وقارنت التجربة بين ثلاثة أساليب مختلفة لإدارة الغابات: القطع الكامل التقليدي للغابة في مساحات تتراوح بين 250 و350 متراً عرضاً، والقطع الكامل في رقع أصغر تتراوح بين 50 و140 متراً عرضاً، والتخفيف الحراجي المكثف الذي يزيل ما بين 50% و70% من الأشجار فقط دون قطع الغابة بالكامل.
ونُشرت نتائج أولية للمشروع في مطلع الألفينيات، قبل أن يُهمل المشروع ويُنسى تدريجياً، إلى أن أعاد باحثون من جامعة ملبورن، من بينهم الباحثون هاموند ونيتشكه وبيكر وتروف، زيارة الموقعين التجريبيين في عام 2014 لتقييم ما حدث للأشجار على مدى العقود الثلاثة الماضية منذ بدء التجربة.
وأظهرت القياسات الحديثة أن الأشجار في المناطق التي خضعت للتخفيف الحراجي المكثف نمت بشكل لافت، حيث بلغ متوسط قطر الجذع على ارتفاع الصدر لهذه الأشجار أكثر من متر واحد، بل تجاوز بعضها متراً ونصف المتر، وهو ما يمثل زيادة تقارب 20% في قطر الجذع مقارنة بالأشجار في المناطق التي لم تخضع لأي عملية حصاد على الإطلاق وتُركت كمنطقة تحكم مرجعية. والأهم من ذلك، أن الغابات التي خضعت للتخفيف الحراجي المكثف تمكنت من استعادة قدرتها على تخزين الكربون بالكامل، لتتساوى مع الغابات التي لم تُلمس أبداً من حيث كمية الكربون المخزنة في الأخشاب، وذلك في غضون ثلاثين عاماً فقط منذ بدء التجربة.
ويؤكد الباحثون أن الأشجار في الأجزاء المخففة حراجياً خزّنت في أخشابها كمية كربون تعادل أو تزيد على ما خزّنته المناطق التي لم تُحصد على الإطلاق، وهي نتيجة تتناقض مع الافتراض الشائع بأن أي تدخل بشري في الغابات الطبيعية، حتى لو كان جزئياً، يقلل بالضرورة من قدرتها على تخزين الكربون على المدى الطويل.
وتحمل هذه النتائج أهمية خاصة لأنها تتحدى ما يصفه الباحثون بثنائية زائفة طالما سيطرت على النقاش العام حول إدارة الغابات، وهي الفكرة القائلة إن الحفاظ على البيئة وإنتاج الأخشاب هدفان متعارضان بالضرورة لا يمكن تحقيقهما معاً. فالنتائج الجديدة تشير إلى أن أسلوب التخفيف الحراجي المدروس بعناية، بدلاً من القطع الكامل التقليدي، يمكن أن يحقق توازناً فعلياً بين ثلاثة أهداف كانت تُعتبر متنافسة: الاستمرار في إنتاج الأخشاب اقتصادياً، والحفاظ على موائل الحياة البرية داخل الغابة، وضمان استمرار قدرة الغابة على تخزين الكربون بكفاءة عالية.
تحمل هذه النتائج أهمية خاصة لدول المنطقة العربية التي تعكف على إطلاق مبادرات تشجير ضخمة، لعل أبرزها مبادرة السعودية الخضراء التي تهدف إلى زراعة عشرة مليارات شجرة على الأراضي السعودية، ومبادرة الشرق الأوسط الأخضر الرامية إلى زراعة خمسين ملياراً على مستوى المنطقة. ومع تصاعد الحاجة إلى أرصدة الكربون في مسارات التنويع الاقتصادي كرؤية 2030، يكشف درس تجربة فيكتوريا أن الإدارة الذكية للغابات قد تحقق توازناً بين إنتاج الكتلة الحيوية الخشبية وأهداف خفض الانبعاثات، وهو مسار تحتاج إليه المنطقة العربية مع توسّعها الحراجي المرتقب.
وإذ يعيد هذا الاكتشاف المتأخر فتح النقاش حول سياسات إدارة الغابات في أستراليا ومناطق أخرى من العالم تعتمد على ممارسات حراجية مشابهة، يرى الباحثون أن تجربة فيكتوريا المنسية تقدم درساً مهماً حول قيمة التجارب البيئية طويلة المدى، التي قد تستغرق عقوداً كاملة قبل أن تكشف عن نتائجها الحقيقية والكاملة، وأهمية الحفاظ على بيانات هذه التجارب ومواقعها بدلاً من التخلي عنها بعد السنوات الأولى من انطلاقها.
المزيد من الهندسة الزراعية

مادة جديدة تنتج الهيدروجين من الماء بالضوء وحده دون محفزات معدنية مكلفة
طوّر باحثون في جامعة ولاية أوريغون مادة تُعرف باسم BVR-19 قادرة على إنتاج الهيدروجين من الماء باستخدام ضوء الشمس فقط، من دون الحاجة إلى محفزات معدنية غالية الثمن، في خطوة قد تخفض كلفة الهيدروجين النظيف.

بطاريات صغيرة في المواقد والدراجات الكهربائية تخفف الضغط عن شبكات الكهرباء
تتجه شركات ناشئة إلى تضمين بطاريات صغيرة داخل المواقد الحثية ومحطات تبديل بطاريات الدراجات الكهربائية، لتوفير طاقة احتياطية وتخفيف الضغط عن شبكة الكهرباء دون تراخيص المحطات الكبيرة.

نسيج زراعي مستوحى من دروع الجند يرفع إنتاج الفراولة 3.5 مرة
باحثون في جامعة ولاية كارولينا الشمالية يطورون غطاءً نسيجياً ثلاثي الأبعاد يحمي نبات الفراولة من الحشرات دون حجب الضوء أو الماء، ما يرفع المحصول بنسبة تصل إلى 3.56 مرة في تجارب حقلية.

فيرفو تنجز أول محطة جيوحرارية معززة في العالم خلال 23 شهراً فقط
شركة فيرفو إنرجي الأمريكية تربط أول محطة طاقة جيوحرارية معززة تجارياً بالشبكة الكهربائية قبل الموعد المحدد، في سابقة قد تعيد رسم خريطة الطاقة النظيفة لمراكز البيانات.

موجات الحر البحرية تُخفي شهوراً إضافية من الاحترار لا ترصدها القياسات التقليدية
دراسة أمريكية جديدة تكشف أن قياسات موجات الحر البحرية التقليدية تقلل التعرض الحراري الفعلي للكائنات البحرية بأكثر من 150%، إذ تتجاهل فترات احترار ممتدة تسبق الموجة وتليها.

الذكاء الاصطناعي يهيمن على نقاشات أسبوع المناخ: فرصة أم عبء إضافي؟
أسبوع المناخ 2026 بنيويورك يشهد جدلاً محتداً: استثمارات بـ26 مليار دولار في تقنيات المناخ بينما ترتفع انبعاثات كبرى شركات التكنولوجيا بسبب مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي.