تغذية الذكاء الاصطناعي مشكلةٌ في البنية لا في الطاقة

كشفت انقطاعات الكهرباء في فيرجينيا 2026 أن جذر أزمة الطاقة في مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي يكمن في البنية التحتية الكهربائية المتقادمة لا في نقص التوليد، وأن إصلاح ثلاث ثغرات معمارية رئيسية قد يُنقذ الشبكة من الانهيار.

تحرير
ألمعي · هيئة التحرير
النشر
١١ سبتمبر ٢٠٢٦
القراءات
٠
الوقت
قراءة 3 دقائق
مركز بيانات للذكاء الاصطناعي متصل بشبكة الكهرباء

في الثاني والعشرين من يوليو 2026، أصاب عطلٌ مفاجئ خطَّ نقل الكهرباء بالقرب من مدينة أشبيرن في ولاية فيرجينيا الأمريكية، فأودى بأكثر من ثلاثة غيغاواط من الأحمال الكهربائية في غضون ثوانٍ معدودة. لم يكن هذا الحادث معزولاً في سياقه؛ إذ سبقه عطل آخر تسبّب فيه فشل صارف موجات كهربائية واحد، أفضى إلى انقطاع الكهرباء عن ستين منشأة ومئة وخمسمائة ميغاواط دفعةً واحدة. تكشف هذه الحوادث المتكررة أن مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي باتت تمثّل نقطة ضعف حقيقية وبنيوية في شبكة الكهرباء الأمريكية.

لكن المفارقة اللافتة أن المشكلة في جوهرها ليست شحّ الطاقة المتولّدة، ولا نقصاً في محطات التوليد، بل هي عيب معماري هيكلي في الطريقة التي صُمِّمت بها مراكز البيانات للتفاعل مع الشبكة الكهربائية. منذ عقود، يعتمد هذا القطاع على منظومة طاقة بائدة لم تُصمَّم لمواكبة الطبيعة المتقلبة لأعباء الذكاء الاصطناعي الحديثة؛ إذ يمكن لأحمال التدريب أن تتأرجح بنسبة سبعين بالمائة في أجزاء من الثانية، ثم تنقطع بصورة مفاجئة فور ظهور أي اضطراب في التيار، مما يُضاعف العبء على الشبكة ويجعلها أكثر هشاشةً.

يقع الخلل الأساسي في ثلاث نقاط محورية من البنية التحتية الكهربائية لمراكز البيانات. النقطة الأولى تتعلق بأنظمة إمداد الطاقة غير المنقطع المثبَّتة في أعماق المباني؛ فهذه الأنظمة مُصمَّمة لتوفير احتياطي للدقائق لا للتعامل مع التذبذبات السريعة التي تشهدها أعباء الذكاء الاصطناعي على مدار الساعة. أما النقطة الثانية فتتمثّل في المحوّلات والمحركات القديمة غير المُرشَّحة التي تهدر قدراً كبيراً من الطاقة، مما يضطر المشغّلين إلى تشغيلها في وضع التجاوز، فتصل تأرجحات الحوسبة إلى الشبكة الكهربائية العامة مباشرةً دون أي فلترة. وتتمثّل النقطة الثالثة في منطق الحماية المتقادم المُصمَّم لأحمال خمسين ميغاواطاً؛ فبدلاً من المساهمة في تثبيت الشبكة عند حدوث الاضطرابات، يقطع الاتصال تلقائياً ويزيد الأمر سوءاً.

في مواجهة هذه التحديات، اقترح الباحثون والمهندسون المتخصصون في البنية التحتية للطاقة ثلاثة تحركات تقنية متناسقة. يتمثّل التحرك الأول في الانتقال من مستوى جهد 480 فولتاً إلى الجهد المتوسط عند مستوى 13.8 كيلوفولت وما فوق، وهو ما يُقلّص الخسائر ويرفع كفاءة النقل بصورة ملموسة. أما التحرك الثاني فيقوم على نقل الوحدات المعيارية إلى الخارج وتركيبها في محيط محطات التحويل الكهربائي بدلاً من إيوائها داخل المباني، مما يُقلّص الامتداد الكهربائي ويُبسّط متطلبات التوزيع. ويتمثّل التحرك الثالث في تركيب أنظمة خطية نشطة تمرّ من خلالها جميع الإلكترونات بصفة مستمرة، بحيث تتدخّل في المسار الكهربائي وتُدير الطاقة بصورة فاعلة.

في مطلع عام 2026، خضع هذا المنهج الجديد لاختبارات دقيقة في المختبر الوطني للجبال الصخرية، حيث جرى محاكاة أعطال شبكة حقيقية وتذبذبات أحمال على نطاق مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي في آنٍ واحد. اجتاز النظام متطلبات القدرة على تحمّل تذبذب الجهد الخاصة بشبكة ERCOT الأمريكية بهامش مريح، مثبتاً جدارته في التعامل مع أشد السيناريوهات تطرفاً.

تتجاوز فوائد هذا النهج مجرد تعزيز الاستقرار الكهربائي؛ فمع تبسيط متطلبات الربط الشبكي، تزداد الكثافة التشغيلية لمراكز البيانات وتتقلّص مدد الحصول على التصاريح الحكومية. والأهم من ذلك أن أنظمة الطاقة الاحتياطية تتحوّل من عبء صامت محدود الفائدة إلى أصول مدرّة للدخل، من خلال تقديم خدمات الشبكة الكهربائية كالاستجابة للطلب الكهربائي وتخفيف أحمال الذروة.

يُعيد هذا الواقع تشكيل أولويات دول الخليج العربي التي تضخّ عشرات المليارات في بناء مراكز البيانات ضمن مبادرات كـ"مشروع سديم" في السعودية واستراتيجية الإمارات للذكاء الاصطناعي 2031؛ إذ تُشير تقارير قطاع الطاقة إلى أن المملكة العربية السعودية وحدها تنوي توفير 2 غيغاواط من الطاقة الحاسوبية بحلول 2026. وتُعدّ البيئة الحارة في المنطقة عاملاً مُضاعِفاً لهذه التحديات، إذ ترتفع متطلبات التبريد بشكل حاد في الصيف، مما يجعل إصلاح البنية التحتية الكهربائية لمراكز البيانات ضرورةً استراتيجية لا مجرد خيار تقني.

يُجلّي هذا الواقع أن التحدي الحقيقي لصناعة الذكاء الاصطناعي لا يكمن في القدرة التوليدية للشبكة بقدر ما يكمن في كيفية تصميم نقطة التقاء مراكز البيانات بالبنية التحتية الكهربائية. مع تصاعد الطلب على الطاقة في مراكز البيانات حول العالم، بات من الضروري إعادة النظر جذرياً في تصميم هذه المراكز، لا الاكتفاء ببناء المزيد من محطات التوليد. إن إصلاح هذه الثغرات المعمارية سيحدّد ما إذا كانت شبكات الكهرباء قادرةً على استيعاب النمو المتسارع للذكاء الاصطناعي دون انهيارات متكررة تطال المدن والمناطق الصناعية.

المصدر الأصلي
MIT Technology Review
قراءة المقال الأصلي ↗
قصة اليوم · كل صباح

أعجبك التقرير؟ استلم واحداً كل صباح.

قصةٌ تقنية واحدة تستحقّ وقتك، بالعربية. بلا إعلانات، بلا إزعاج.

بلا إعلانات · إلغاء الاشتراك بنقرة واحدة · بياناتك آمنة

اقرأ أيضًا

المزيد من ذكاء اصطناعي

شعار أنثروبيك على شاشة هاتف أمام خريطة العالم

أنثروبيك تكشف عن حملات تقطير واسعة شنّتها علي بابا وموونشوت وديب سيك

كشفت أنثروبيك في تقرير استخبارات التهديدات عن حملات ممنهجة شنّتها شركات صينية كبرى لاستخلاص قدرات نموذج كلود، مُنتزِعةً ما يقارب 200 مليون محادثة لتدريب نماذجها الخاصة.

TechCrunch
جنسن هوانغ الرئيس التنفيذي لشركة إنفيديا خلال مؤتمر GTC

جنسن هوانغ يكشف أسباب ثقته بنمو إنفيديا 70% خلال العام المقبل

أعلن الرئيس التنفيذي لإنفيديا جنسن هوانغ ثقته بنمو شركته 70% خلال العام المقبل، مدعوماً بزيادة الطلب على رقائق الذكاء الاصطناعي وتعمّق موقعها في بنية التحتية للذكاء الاصطناعي العالمي.

TechCrunch
نموذج مرئي للجينوم البشري وتحليل الطفرات الجينية بالذكاء الاصطناعي

AlphaGenome Atlas من ديب مايند: خريطة تأثير 9 مليارات طفرة جينية بشرية

أطلقت شركة Google DeepMind أطلس AlphaGenome الجيني، قاعدة بيانات ضخمة بحجم بيتابايت واحد تُنبئ بالتأثيرات الجزيئية لجميع التغييرات الممكنة على حرف واحد من الحمض النووي البشري البالغة 9 مليارات تغيير.

Ars Technica
ساعة Apple Watch Series 12 بميزة الذكاء الصوتي

ساعة آبل Series 12 تُراقب محادثاتك وتُلخّصها بالذكاء الاصطناعي

أطلقت آبل ساعة Apple Watch Series 12 وUltra 4 بميزة «الذكاء الصوتي» التي تستمع إلى المحادثات المحيطة وتُلخّصها تلقائياً، مع تحسينات صحية جوهرية بسعر 399 دولاراً.

TechCrunch
هاتف iPhone Duo القابل للطي من آبل بشاشة 7.6 بوصة

آبل تُطلق «iPhone Duo»: أول هاتف قابل للطي بشاشة 7.6 بوصة وسعر 1999 دولاراً

كشفت آبل في حدث الخريف 2026 عن أول هاتفٍ قابل للطي في تاريخها بتصميم أفقي عريض وشاشة داخلية 7.6 بوصة ومعالج A20 Pro، وسيُطرح للبيع في 23 أكتوبر.

TechCrunch
قراصنة معلوماتية - أمن إلكتروني وحماية البيانات

قراصنة يسرقون جلسات كلود عبر برمجيات تجسس لاستنزاف حصص المشتركين الشهرية

حذّرت أنثروبيك من موجة هجمات تعتمد على برمجيات سرقة المعلومات لاختطاف جلسات مستخدمي كلود واستنزاف حصصهم، بعدما رصد مستشار بريطاني استهلاكاً غير مبرر لرموز واجهة برمجة التطبيقات.

TechCrunch