تغذية الذكاء الاصطناعي مشكلةٌ في البنية لا في الطاقة
كشفت انقطاعات الكهرباء في فيرجينيا 2026 أن جذر أزمة الطاقة في مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي يكمن في البنية التحتية الكهربائية المتقادمة لا في نقص التوليد، وأن إصلاح ثلاث ثغرات معمارية رئيسية قد يُنقذ الشبكة من الانهيار.

في الثاني والعشرين من يوليو 2026، أصاب عطلٌ مفاجئ خطَّ نقل الكهرباء بالقرب من مدينة أشبيرن في ولاية فيرجينيا الأمريكية، فأودى بأكثر من ثلاثة غيغاواط من الأحمال الكهربائية في غضون ثوانٍ معدودة. لم يكن هذا الحادث معزولاً في سياقه؛ إذ سبقه عطل آخر تسبّب فيه فشل صارف موجات كهربائية واحد، أفضى إلى انقطاع الكهرباء عن ستين منشأة ومئة وخمسمائة ميغاواط دفعةً واحدة. تكشف هذه الحوادث المتكررة أن مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي باتت تمثّل نقطة ضعف حقيقية وبنيوية في شبكة الكهرباء الأمريكية.
لكن المفارقة اللافتة أن المشكلة في جوهرها ليست شحّ الطاقة المتولّدة، ولا نقصاً في محطات التوليد، بل هي عيب معماري هيكلي في الطريقة التي صُمِّمت بها مراكز البيانات للتفاعل مع الشبكة الكهربائية. منذ عقود، يعتمد هذا القطاع على منظومة طاقة بائدة لم تُصمَّم لمواكبة الطبيعة المتقلبة لأعباء الذكاء الاصطناعي الحديثة؛ إذ يمكن لأحمال التدريب أن تتأرجح بنسبة سبعين بالمائة في أجزاء من الثانية، ثم تنقطع بصورة مفاجئة فور ظهور أي اضطراب في التيار، مما يُضاعف العبء على الشبكة ويجعلها أكثر هشاشةً.
يقع الخلل الأساسي في ثلاث نقاط محورية من البنية التحتية الكهربائية لمراكز البيانات. النقطة الأولى تتعلق بأنظمة إمداد الطاقة غير المنقطع المثبَّتة في أعماق المباني؛ فهذه الأنظمة مُصمَّمة لتوفير احتياطي للدقائق لا للتعامل مع التذبذبات السريعة التي تشهدها أعباء الذكاء الاصطناعي على مدار الساعة. أما النقطة الثانية فتتمثّل في المحوّلات والمحركات القديمة غير المُرشَّحة التي تهدر قدراً كبيراً من الطاقة، مما يضطر المشغّلين إلى تشغيلها في وضع التجاوز، فتصل تأرجحات الحوسبة إلى الشبكة الكهربائية العامة مباشرةً دون أي فلترة. وتتمثّل النقطة الثالثة في منطق الحماية المتقادم المُصمَّم لأحمال خمسين ميغاواطاً؛ فبدلاً من المساهمة في تثبيت الشبكة عند حدوث الاضطرابات، يقطع الاتصال تلقائياً ويزيد الأمر سوءاً.
في مواجهة هذه التحديات، اقترح الباحثون والمهندسون المتخصصون في البنية التحتية للطاقة ثلاثة تحركات تقنية متناسقة. يتمثّل التحرك الأول في الانتقال من مستوى جهد 480 فولتاً إلى الجهد المتوسط عند مستوى 13.8 كيلوفولت وما فوق، وهو ما يُقلّص الخسائر ويرفع كفاءة النقل بصورة ملموسة. أما التحرك الثاني فيقوم على نقل الوحدات المعيارية إلى الخارج وتركيبها في محيط محطات التحويل الكهربائي بدلاً من إيوائها داخل المباني، مما يُقلّص الامتداد الكهربائي ويُبسّط متطلبات التوزيع. ويتمثّل التحرك الثالث في تركيب أنظمة خطية نشطة تمرّ من خلالها جميع الإلكترونات بصفة مستمرة، بحيث تتدخّل في المسار الكهربائي وتُدير الطاقة بصورة فاعلة.
في مطلع عام 2026، خضع هذا المنهج الجديد لاختبارات دقيقة في المختبر الوطني للجبال الصخرية، حيث جرى محاكاة أعطال شبكة حقيقية وتذبذبات أحمال على نطاق مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي في آنٍ واحد. اجتاز النظام متطلبات القدرة على تحمّل تذبذب الجهد الخاصة بشبكة ERCOT الأمريكية بهامش مريح، مثبتاً جدارته في التعامل مع أشد السيناريوهات تطرفاً.
تتجاوز فوائد هذا النهج مجرد تعزيز الاستقرار الكهربائي؛ فمع تبسيط متطلبات الربط الشبكي، تزداد الكثافة التشغيلية لمراكز البيانات وتتقلّص مدد الحصول على التصاريح الحكومية. والأهم من ذلك أن أنظمة الطاقة الاحتياطية تتحوّل من عبء صامت محدود الفائدة إلى أصول مدرّة للدخل، من خلال تقديم خدمات الشبكة الكهربائية كالاستجابة للطلب الكهربائي وتخفيف أحمال الذروة.
يُعيد هذا الواقع تشكيل أولويات دول الخليج العربي التي تضخّ عشرات المليارات في بناء مراكز البيانات ضمن مبادرات كـ"مشروع سديم" في السعودية واستراتيجية الإمارات للذكاء الاصطناعي 2031؛ إذ تُشير تقارير قطاع الطاقة إلى أن المملكة العربية السعودية وحدها تنوي توفير 2 غيغاواط من الطاقة الحاسوبية بحلول 2026. وتُعدّ البيئة الحارة في المنطقة عاملاً مُضاعِفاً لهذه التحديات، إذ ترتفع متطلبات التبريد بشكل حاد في الصيف، مما يجعل إصلاح البنية التحتية الكهربائية لمراكز البيانات ضرورةً استراتيجية لا مجرد خيار تقني.
يُجلّي هذا الواقع أن التحدي الحقيقي لصناعة الذكاء الاصطناعي لا يكمن في القدرة التوليدية للشبكة بقدر ما يكمن في كيفية تصميم نقطة التقاء مراكز البيانات بالبنية التحتية الكهربائية. مع تصاعد الطلب على الطاقة في مراكز البيانات حول العالم، بات من الضروري إعادة النظر جذرياً في تصميم هذه المراكز، لا الاكتفاء ببناء المزيد من محطات التوليد. إن إصلاح هذه الثغرات المعمارية سيحدّد ما إذا كانت شبكات الكهرباء قادرةً على استيعاب النمو المتسارع للذكاء الاصطناعي دون انهيارات متكررة تطال المدن والمناطق الصناعية.
المزيد من ذكاء اصطناعي

دراسة: Grok يفضّل الجمهوريين وChatGPT يفضّل الديمقراطيين عند الاختيار القسري
دراسة جديدة تكشف أن نموذجي Grok من xAI وChatGPT من OpenAI يختلفان في أكثر من 90% من الحالات عند إجبارهما على ترشيح مرشح واحد في الانتخابات النصفية الأمريكية، فيما يميل كل نموذج إلى مصادر معلومات مختلفة.

اقتصادي في أبولو: الذكاء الاصطناعي لم يحقق مردوداً مالياً لمعظم الشركات
يرى كبير اقتصاديي أبولو غلوبال مانجمنت تورستن سلوك أن الإنفاق على الذكاء الاصطناعي لم يترجم إلى أرباح حقيقية خارج قطاع التقنية، مشككاً في قدرته على الحكم والتقدير الإداري.

هاجينغ فيس تطلق Carbon-X: نموذج ذكاء اصطناعي مفتوح المصدر يحاور الحمض النووي
أطلقت منصة Hugging Face نموذج Carbon-X، نموذجاً لغوياً جينومياً مفتوح المصدر يتيح للباحثين طرح أسئلة بلغة طبيعية عن تأثير الطفرات الجينية في التعبير الجيني والصحة.

ديسا: نموذج بلوك الصوتي الجديد يحاكي المشاعر البشرية بدقة مذهلة
كشفت شركة بلوك عن نموذج صوتي جديد يُدعى ديسا يعمل محليًا على الأجهزة ويحاكي الضحك والبكاء والتنهدات، في منافسة مباشرة لأنظمة مثل جي بي تي-لايف وإلفن لابس.

واشنطن تمنح كومنولث فيوجن 85 مليون دولار لتطوير أشباه موصلات للاندماج النووي
حصلت شركة كومنولث فيوجن سيستمز الأمريكية على 85 مليون دولار من الحكومة الفيدرالية لتطوير إلكترونيات طاقة ومولدات متقدمة تخدم محطات الاندماج النووي المستقبلية.

تُركت بلا مهمة.. عوامل ذكاء اصطناعي ابتكرت ألعابها الخاصة في تجربة MIT
تجربة لباحثي MIT تركت ثلاثة عشر عاملًا ذكيًا بلا مهمة على جزيرة افتراضية، فابتكروا ألعابًا من تلقاء أنفسهم وتحسّن أداؤهم في مهام لاحقة.