مشروع ميغاترون الحاسوبي يكشف كيف أعادت أولى نجوم الكون تشكيل محيطها
أطلق باحثون من جامعة باث أربع دراسات ضمن مشروع محاكاة عملاق يربط بين رصد تلسكوب جيمس ويب لمجرات الكون الوليد وبين الآثار الكيميائية المحفوظة في أقدم نجوم مجرتنا، لفهم كيف أعادت أولى النجوم تشكيل الكون المبكر.

كشف فريق بحثي بقيادة جامعة باث البريطانية، بالتعاون مع جامعة شيكاغو الأمريكية ومعهد باريس للفيزياء الفلكية، عن أربع دراسات جديدة ضمن مشروع محاكاة حاسوبية ضخم يُعرف باسم ميغاترون، يهدف إلى إعادة بناء تفاصيل دقيقة عن أولى النجوم والمجرات التي تشكلت في الكون المبكر، وكيف ساهمت هذه النجوم في نشر العناصر الكيميائية الأساسية اللازمة لتكوّن الكواكب والحياة في مراحل لاحقة من عمر الكون.
ويحاول المشروع تجسير الهوة بين مصدرين مختلفين تماماً من الأدلة الرصدية حول نشأة الكون الأولى: من جهة، البيانات الحديثة التي يرصدها تلسكوب جيمس ويب الفضائي لمجرات رضيعة بعيدة جداً، تعود إلى حقبة قريبة من بداية الكون؛ ومن جهة أخرى، المنهج المعروف بعلم الآثار النجمية، الذي يدرس التركيب الكيميائي لأقدم النجوم الباقية حتى اليوم داخل مجرة درب التبانة، بحثاً عن آثار كيميائية محفوظة منذ تلك الحقبة البعيدة. ويوضح الباحث مارتن ري، المتحدث الرئيسي باسم المشروع، أن ميغاترون يوفر جسراً فيزيائياً حقيقياً يربط بين هذين المصدرين من الأدلة، بما يسمح بفهم أعمق لكيفية تطابق أو تباين النتائج المستخلصة من كل منهما.
ويتميز مشروع ميغاترون بضخامة الموارد الحاسوبية المخصصة له، حيث استُخدم نحو 40 مليون ساعة معالجة على حواسيب عملاقة فائقة في المملكة المتحدة، وهو ما يعادل تشغيل خمسة ملايين حاسوب محمول في آن واحد لمدة عام كامل متواصل. وبدأ المشروع فعلياً في عام 2023، ومن المقرر أن يستمر العمل عليه حتى عام 2030، في ظل خطط لإصدار مزيد من الدراسات التفصيلية تباعاً مع تقدم العمل.
ومن أهم ما توصلت إليه الدراسات الأربع الأخيرة أن النماذج الحاسوبية الأبسط المستخدمة سابقاً في هذا المجال كانت تقلل من حجم تأثير الإشعاع النجمي والعمليات الكيميائية المصاحبة لتكوّن النجوم الأولى على الغازات المحيطة بالمجرات الناشئة. فحين تتكون النجوم الأولى من الغاز البدائي للمجرة، فإنها تصدر كميات هائلة من الإشعاع تُسخّن الغاز المحيط وتعيد توزيعه، كما تنفث عند موتها عناصر كيميائية ثقيلة تخلّقت داخلها إلى الفضاء المحيط، في عملية تُعرف بالتخصيب الكيميائي للمجرات، وهي العملية التي تزداد بها تدريجياً نسبة العناصر الثقيلة في غاز المجرات بمرور الزمن.
وتحمل هذه النتيجة أهمية خاصة لأنها تعني أن النماذج النظرية المستخدمة سابقاً للتنبؤ بخصائص المجرات المبكرة ربما كانت غير دقيقة بما يكفي، وأن محاكاة أكثر تفصيلاً كتلك التي يقدمها مشروع ميغاترون ضرورية لفهم كيفية تطور المجرات الأولى بدقة تتوافق مع الأرصاد الحديثة التي يوفرها تلسكوب جيمس ويب، والذي يمكّن العلماء لأول مرة من رصد مجرات قريبة جداً من حقبة الكون المبكرة بوضوح غير مسبوق.
وتسمح هذه المحاكاة الدقيقة أيضاً بربط الأدلة النجمية القديمة الموجودة في مجرتنا مباشرة بظروف تكوّن النجوم في الكون البعيد زمنياً، وهو ربط كان يصعب تحقيقه بدقة كافية باستخدام الطرق النظرية التقليدية الأبسط. فعلم الآثار النجمية يعتمد على تحليل كيميائي دقيق لأقدم النجوم في مجرتنا لمعرفة بصمة كيميائية تشبه إلى حد بعيد ما كانت عليه الظروف وقت تكوّن النجوم الأولى في الكون، لكن ربط هذه البصمة بشكل كمي دقيق بظروف فيزيائية محددة يتطلب نماذج حاسوبية متطورة كتلك التي يوفرها ميغاترون.
ولا تقتصر أهمية هذه الأبحاث على الفضول العلمي وحسب؛ فدول المنطقة العربية باتت تُسهم بشكل متزايد في استكشاف الفضاء وعلم الكون. ومن أبرز الأمثلة مسبار الأمل الإماراتي الذي رصد الغلاف الجوي للمريخ في مهمة علمية ناجحة، وهيئة الفضاء السعودية التي تُطوّر قدراتها في الفيزياء الفلكية، فضلاً عن مراكز الفلك في مصر والجزائر والمغرب. وتُمثّل نتائج مشروع ميغاترون دعوةً ضمنية لهذه المؤسسات إلى الانخراط في أبحاث الكون المبكر والاستفادة من بيانات تلسكوب جيمس ويب في فهم النشأة الكونية التي تربطنا بعلماء العرب القدماء الذين أرسوا أُسس علم الفلك.
ويخطط الفريق البحثي لمواصلة إصدار نتائج إضافية من المشروع على مدى السنوات المقبلة حتى اكتماله في عام 2030، على أمل أن توفر هذه السلسلة من الدراسات فهماً أكثر اكتمالاً لكيفية انتقال الكون من حالته البدائية الخالية من العناصر الثقيلة إلى الحالة الغنية كيميائياً التي سمحت في النهاية بتكوّن الكواكب الصخرية والعناصر اللازمة لظهور الحياة.
المزيد من علوم

غاليليو سبيس تطوّر أقماراً صناعية تحوّل الإشارات إلى قرارات وهي في الفضاء
تعمل شركة غاليليو سبيس الناشئة على أقمار صناعية تدمج الذكاء الاصطناعي بالمعالجة على متنها، لتحويل الإشارات الخام إلى معلومات استخباراتية جاهزة في دقائق بدلاً من ساعات أو أيام من المعالجة الأرضية التقليدية.

أسبوع الفضاء العالمي 2026 يحتفي بـثورة الصواريخ وانخفاض تكاليف الإطلاق
ينطلق أسبوع الفضاء العالمي 2026 تحت شعار ثورة الصواريخ في مئة دولة حول العالم، احتفاءً بالتقدم الكبير في تقنيات الإطلاق الذي خفّض تكاليف الوصول إلى الفضاء وغذّى نمو الاقتصاد الفضائي العالمي.

مادة جديدة تنتج الهيدروجين من الماء بالضوء وحده دون محفزات معدنية مكلفة
طوّر باحثون في جامعة ولاية أوريغون مادة تُعرف باسم BVR-19 قادرة على إنتاج الهيدروجين من الماء باستخدام ضوء الشمس فقط، من دون الحاجة إلى محفزات معدنية غالية الثمن، في خطوة قد تخفض كلفة الهيدروجين النظيف.

فوهة أوكلاهوما القديمة أصغر مما ظنّ العلماء بمئة مليون سنة
أعاد علماء من جامعة تكساس في أوستن تحديد عمر فوهة الارتطام الواقعة تحت مدينة أميز في أوكلاهوما، باستخدام تأريخ الزركون، فتبيّن أنها أصغر بنحو مئة مليون سنة مما كان معتقداً.

مجالات مغناطيسية بدائية قد تفسر أحد أكبر لغز الكونيات: توتر هابل
يقترح علماء فلك أن مجالات مغناطيسية بدائية ضعيفة جداً تشكلت لحظات بعد الانفجار العظيم قد تكون المفتاح لحل التناقض المستمر بين طريقتين لقياس معدل تمدد الكون، المعروف بتوتر هابل.

تقلبات الفراغ الكمي تعزز قدرة التوصيل الفائق دون أي تلامس مباشر
أظهر باحثون صينيون أن تقلبات الفراغ الكمي داخل تجويف تيراهرتز رفعت درجة الحرارة الحرجة لمادة فائقة التوصيل بنسبة 5.4%، في أسلوب تحكم جديد غير تلامسي.