مجالات مغناطيسية بدائية قد تفسر أحد أكبر لغز الكونيات: توتر هابل
يقترح علماء فلك أن مجالات مغناطيسية بدائية ضعيفة جداً تشكلت لحظات بعد الانفجار العظيم قد تكون المفتاح لحل التناقض المستمر بين طريقتين لقياس معدل تمدد الكون، المعروف بتوتر هابل.

يواجه علماء الكونيات منذ سنوات معضلة محيّرة تُعرف بتوتر هابل: فحساب معدل تمدد الكون بطريقتين مختلفتين يؤدي إلى نتيجتين متباينتين بشكل يصعب تفسيره بالخطأ الإحصائي وحده. فالطريقة غير المباشرة، التي تعتمد على تحليل إشعاع الخلفية الكونية الميكروي المتبقي من مراحل الكون المبكرة، تعطي قيمة لثابت هابل تبلغ نحو 67 كيلومتراً في الثانية لكل ميغا فرسخ فلكي. في المقابل، تعطي الطريقة المباشرة، التي تعتمد على قياس المسافة إلى مستعرات عظمى بعيدة، قيمة أعلى تصل إلى نحو 73 كيلومتراً في الثانية لكل ميغا فرسخ فلكي. وبرغم أن الفارق بين القيمتين يبدو صغيراً عند النظرة الأولى، فإنه يحمل دلالة إحصائية مهمة تشير إلى احتمال وجود نقص في النموذج الكوني القياسي الذي يُفترض أن يفسر نشأة الكون وتطوره بدقة.
وفي بحث جديد، اقترح فريق من الباحثين يضم كارستن يدامزيك وليفون بوغوسيان وتوم أبيل أن المجال المغناطيسي البدائي، وهو مجال مغناطيسي ضعيف للغاية نشأ في اللحظات الأولى بعد الانفجار العظيم، قد يكون أثّر في عملية عصر الاندماج الكوني، وهي المرحلة التي اتحدت فيها الإلكترونات بالأنوية الذرية لتكوين ذرات هيدروجين متعادلة وسمحت للضوء بالانتشار بحرية عبر الكون لأول مرة. وبحسب الباحثين، فإن وجود هذا المجال المغناطيسي الضعيف يمكن أن يُغيّر بشكل دقيق من نمط إشعاع الخلفية الكونية الميكروي الذي نرصده اليوم، وهو ما ينعكس بدوره على القيمة المستخلصة لثابت هابل من هذه البيانات.
وتشير النتائج إلى أن مجالاً مغناطيسياً بقوة تتراوح بين 5 و10 بيكوغاوس فقط، أي أضعف بتريليون مرة من مجال مغناطيس الثلاجة العادي، يمكن أن يكون كافياً لإحداث هذا التأثير. وباستخدام محاكاة ثلاثية الأبعاد مفصلة، تبيّن للباحثين أن هذا الافتراض يصمد أمام أدق الاختبارات المتاحة حالياً لمقارنة النتائج النظرية بالرصد الفعلي، بتفضيل إحصائي يتراوح بين 1.5 و3 انحرافات معيارية لصالح وجود هذه المجالات المغناطيسية مقارنة بالنموذج الذي لا يفترض وجودها.
ولم تكن هذه الفرضية جديدة كلياً؛ فقد طُرحت لأول مرة في عام 2011، ثم جرى تطويرها عبر نموذج مبسط في عام 2020، قبل أن يصل الفريق البحثي أخيراً إلى محاكاة ثلاثية الأبعاد كاملة نُشرت نتائجها في مجلة Nature Astronomy. ويمثل هذا التطور خطوة مهمة لأن معظم الحلول المقترحة سابقاً لتوتر هابل كانت تتطلب تعديلات جوهرية وجذرية على فيزياء النموذج الكوني القياسي، في حين يحافظ هذا الحل على البنية الأساسية للنموذج مع إضافة عنصر فيزيائي واحد فقط.
وبرغم القوة النسبية لهذا التفسير، يُشدد الباحثون على أنه لا يزال فرضية تحتاج إلى مزيد من الأدلة الرصدية المستقلة قبل اعتمادها كحل نهائي للمشكلة. فحل توتر هابل، إن تحقق بالفعل عبر هذا المسار، سيحمل تداعيات واسعة تتجاوز مجرد تصحيح رقم واحد؛ إذ سيفتح الباب لفهم أعمق لطبيعة الكون في لحظاته الأولى، وتحديداً لآلية نشأة المجالات المغناطيسية الكونية التي تظهر اليوم في المجرات والعناقيد المجرية على نطاق واسع، من دون أن تكون نشأتها المبكرة مفهومة بشكل كامل حتى الآن.
ويمتد تراث علم الفلك العربي عبر قرون مضيئة؛ فعلماء كالبتاني والبيروني وابن الهيثم أرسوا منهجية الرصد الكوني الدقيق التي تقوم عليها الأبحاث الحديثة. واليوم تنخرط مؤسسات عربية في أبحاث الكونيات الرصدية، من بينها المركز الوطني لأبحاث الفضاء في مصر، ومركز محمد بن راشد للفضاء في الإمارات، والهيئة الملكية السعودية للفضاء. ويُمثّل توتر هابل أحد أعمق الأسئلة المفتوحة في الفيزياء الكونية، وحلّه عبر افتراض المجالات المغناطيسية البدائية قد يُعيد تشكيل نماذج التكوّن الكوني التي ترتكز عليها المشاريع الفضائية العربية المستقبلية، بما فيها توسعات مسبار الأمل الإماراتي وأبحاث الكون الأول المُخطَّط لها.
ويخطط الفريق البحثي لمواصلة العمل على اختبار هذه الفرضية باستخدام بيانات رصدية جديدة من تلسكوبات ومرصدات الجيل القادم، التي من المتوقع أن توفر دقة أعلى في قياس إشعاع الخلفية الكونية الميكروي، بما يسمح بحسم الجدل حول ما إذا كانت المجالات المغناطيسية البدائية هي المفتاح الحقيقي لحل أحد أعقد لغز علم الكونيات المعاصر.
المزيد من علوم

مشروع ميغاترون الحاسوبي يكشف كيف أعادت أولى نجوم الكون تشكيل محيطها
أطلق باحثون من جامعة باث أربع دراسات ضمن مشروع محاكاة عملاق يربط بين رصد تلسكوب جيمس ويب لمجرات الكون الوليد وبين الآثار الكيميائية المحفوظة في أقدم نجوم مجرتنا، لفهم كيف أعادت أولى النجوم تشكيل الكون المبكر.

غاليليو سبيس تطوّر أقماراً صناعية تحوّل الإشارات إلى قرارات وهي في الفضاء
تعمل شركة غاليليو سبيس الناشئة على أقمار صناعية تدمج الذكاء الاصطناعي بالمعالجة على متنها، لتحويل الإشارات الخام إلى معلومات استخباراتية جاهزة في دقائق بدلاً من ساعات أو أيام من المعالجة الأرضية التقليدية.

أسبوع الفضاء العالمي 2026 يحتفي بـثورة الصواريخ وانخفاض تكاليف الإطلاق
ينطلق أسبوع الفضاء العالمي 2026 تحت شعار ثورة الصواريخ في مئة دولة حول العالم، احتفاءً بالتقدم الكبير في تقنيات الإطلاق الذي خفّض تكاليف الوصول إلى الفضاء وغذّى نمو الاقتصاد الفضائي العالمي.

مادة جديدة تنتج الهيدروجين من الماء بالضوء وحده دون محفزات معدنية مكلفة
طوّر باحثون في جامعة ولاية أوريغون مادة تُعرف باسم BVR-19 قادرة على إنتاج الهيدروجين من الماء باستخدام ضوء الشمس فقط، من دون الحاجة إلى محفزات معدنية غالية الثمن، في خطوة قد تخفض كلفة الهيدروجين النظيف.

فوهة أوكلاهوما القديمة أصغر مما ظنّ العلماء بمئة مليون سنة
أعاد علماء من جامعة تكساس في أوستن تحديد عمر فوهة الارتطام الواقعة تحت مدينة أميز في أوكلاهوما، باستخدام تأريخ الزركون، فتبيّن أنها أصغر بنحو مئة مليون سنة مما كان معتقداً.

تقلبات الفراغ الكمي تعزز قدرة التوصيل الفائق دون أي تلامس مباشر
أظهر باحثون صينيون أن تقلبات الفراغ الكمي داخل تجويف تيراهرتز رفعت درجة الحرارة الحرجة لمادة فائقة التوصيل بنسبة 5.4%، في أسلوب تحكم جديد غير تلامسي.