محاكٍ كمي يعيد تمثيل لحظة ولادة المادة من الطاقة

علماء جامعة ديوك يستخدمون محاكياً كمياً بالأيونات المحاصرة مؤلفاً من 13 أيوناً لإعادة تمثيل ظاهرة «كسر الوتر»، وهو النموذج الفيزيائي الذي يُفسّر نشأة المادة من الطاقة بعد الانفجار العظيم.

تحرير
ألمعي · هيئة التحرير
النشر
٢٧ سبتمبر ٢٠٢٦
المصدر
Science Daily ↗
القراءات
٠
الوقت
قراءة 3 دقائق
رسم توضيحي لمحاكٍ كمي يعيد تمثيل ظاهرة كسر الوتر

نشرت دورية «نيتشر فيزيكس» في الثالث والعشرين من سبتمبر 2026 دراسةً علميةً بالغة الأهمية، أعلن فيها فريق من علماء جامعة ديوك الأمريكية نجاحهم في استخدام محاكٍ كمي مؤلف من ثلاثة عشر أيوناً لإعادة تمثيل ظاهرة تُعرف بـ«كسر الوتر»، وهي العملية الفيزيائية التي يُعتقد أنها تفسّر كيف نشأت المادة من الطاقة في الفترة الأولى التي أعقبت الانفجار العظيم مباشرةً.

تتعلق الظاهرة بمبدأ حبس الكواركات، إذ لا يمكن لهذه الجسيمات الأولية أن تتواجد منفردةً في الطبيعة. حين يُحاول العلماء فصل كواركَين مرتبطَين عبر ما يُسمى «الوتر اللوني»، فإن الطاقة اللازمة للشد تتراكم تدريجياً حتى تبلغ مستوىً يكفي لخلق أزواج جديدة من الجسيمات تلقائياً، فيتفكك الوتر وتنبثق المادة من العدم في ظاهرة تُجسّد مبادئ ميكانيكا الكم في أعمق صورها.

استخدم الباحثون في هذه التجربة محاكياً كمياً بالأيونات المحاصرة، وهو منصة تستخدم أيونات محبوسة داخل مجالات كهربائية دقيقة يُتحكّم فيها بأشعة ليزر متطورة. ومن خلال إعداد هذه الأيونات في حالات التراكب الكمي بالغة الدقة، وتتبع تطور المنظومة خارج حالة الاتزان، تمكّن الفريق من رصد كيف تظهر جسيمات جديدة وتنشأ المادة من الطاقة عند نقاط بعينها في التطور الزمني للنظام.

وصف البروفيسور كريستوفر مونرو من جامعة ديوك هذا الإنجاز بقوله: «المحاكاة الكمية توفر أفضل منصة للتحقيق في الأسئلة المعقدة المتعلقة بنشأة المادة، وهي تفوق كل الأدوات المتاحة باستثناء مشاهدة الانفجار العظيم نفسه.» وهذا يعكس قدرة الحوسبة الكمية على محاكاة أنظمة ديناميكية بالغة التعقيد تعجز عنها الحواسيب الكلاسيكية مهما بلغت قدراتها.

تتجاوز أهمية هذا الإنجاز حدوده التجريبية المباشرة لتفتح آفاقاً بحثية واسعة. فمنذ عقود وعلماء الفيزياء النظرية يُحاولون فهم ديناميكيات كسر الوتر كأحد العمليات الأساسية في نشأة الكون، غير أن هذه الدراسات كانت حكراً على النماذج الرياضية المجردة بسبب استحالة إجرائها تجريبياً بالأدوات التقليدية.

يأتي هذا الإنجاز في سياق تسارع غير مسبوق في مجال الحوسبة الكمية، حيث تتنافس شركات كجوجل وآي بي إم وإنتل ومؤسسات بحثية حكومية على بناء حواسيب كمية أكثر استقراراً وأوسع نطاقاً. وإذا كانت التجارب السابقة قد أثبتت تفوق الحواسيب الكمية في حل مسائل رياضية نظرية معينة، فإن تجربة ديوك تفتح الطريق نحو استخدام الحوسبة الكمية أداةً علميةً لاستكشاف الطبيعة الأساسية للكون في مجالات الفيزياء والكيمياء وعلم المواد.

تكمن القيمة العملية في أن المحاكيات الكمية قادرة على مضاهاة التفاعلات الجسيمية في ظروف متطرفة لا يمكن بلوغها في المعجّلات التقليدية. ومن خلال تصميم تجارب على غرار تجربة ديوك، قد يستطيع العلماء محاكاة الأحوال التي سادت في اللحظات الأولى بعد الانفجار العظيم، وتقديم إجابات عملية لأسئلة ظلت حبيسة النظرية قروناً.

تُسرّع إنجازات الحوسبة الكمية وتيرة الاهتمام بها في العالم العربي؛ إذ تعمل جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية (كاوست) في السعودية على تطوير برامج بحثية في الحوسبة الكمية، فيما استضافت أبوظبي مشاريع تعاون مع IBM في هذا المجال. وتضخّ قطر استثمارات متنامية في الحوسبة المتقدمة عبر مؤسسة قطر للبحث والتطوير والابتكار. وتمثّل محاكاة ظواهر فيزيائية أساسية كـ«كسر الوتر» فرصةً لهذه المؤسسات للإسهام في البحث الكوني العلمي الأساسي عوضاً عن الاقتصار على التطبيق التجاري، مما قد يُمهّد لتطبيقات في علم المواد المتقدمة والكيمياء الحسابية ذات الأهمية الاستراتيجية للمنطقة.

يقول الفريق إن الخطوة التالية ستكون توسيع حجم المحاكي ليشمل أعداداً أكبر من الأيونات، مما سيتيح دراسة أنظمة أكثر تعقيداً وتقاطعاً مع نماذج الفيزياء عالية الطاقة. كما تُشير الورقة البحثية إلى إمكانية تطبيق المنهجية ذاتها على محاكاة ظواهر فيزيائية أخرى تتعلق بالمادة المظلمة وتفاعلات الكواركات واللبتونات.

المصدر الأصلي
Science Daily
قراءة المقال الأصلي ↗
قصة اليوم · كل صباح

أعجبك التقرير؟ استلم واحداً كل صباح.

قصةٌ تقنية واحدة تستحقّ وقتك، بالعربية. بلا إعلانات، بلا إزعاج.

بلا إعلانات · إلغاء الاشتراك بنقرة واحدة · بياناتك آمنة

اقرأ أيضًا

المزيد من علوم

شخص يرتدي قفازات يستخدم منتج تنظيف عطري على النافذة

رائحة المنظفات العطرية تُطلق مليارات الجسيمات الدقيقة داخل منازلنا

كشف بحث من جامعة بوردو أن المركبات العطرية في منتجات التنظيف تتفاعل مع الأوزون الداخلي لتُولّد جسيمات دقيقة جداً قادرة على اختراق الرئتين والدم، بتركيزات تفوق ما يُستنشق على جوانب الطرق المزدحمة.

Science Daily
رسم تخطيطي لدماغ بشري مع مؤشر طاقة منخفض

مفارقة النوم: الدماغ يستنفد طاقته في ذروة إمدادها خلال طور الأحلام

كشف باحثو جامعة توهوكو أن الدماغ يرفع إمدادات الدم خلال نوم حركة العين السريعة بينما تنخفض الطاقة الخلوية للخلايا العصبية، في مفارقة أيضية تُعيد رسم فهمنا لوظيفة النوم.

Science Daily
تصوّر لبيت زجاجي لزراعة الغذاء على سطح المريخ

الفطريات سلاح العلماء لزراعة الغذاء على المريخ والقمر

يبحث علماء أمريكيون وبرازيليون في إمكانية استخدام الفطريات الحوصلية النسيجية لتحويل التربة الكوكبية الفقيرة على المريخ والقمر إلى أرض قابلة للزراعة، في خطوة محورية نحو الاكتفاء الغذائي في الفضاء.

Science Daily
صدع عميق في منطقة الاندساس تحت قاع المحيط

باحثون يرصدون صفيحة تكتونية تتمزق تدريجياً تحت شمال غرب المحيط الهادئ

كشف باحثون من جامعة لويزيانا ستيت أن منطقة الاندساس الكاسكيدية تنكسر إلى قطع بصورة بطيئة، في أول توثيق لمنطقة اندساس تمر بمرحلة الاحتضار التدريجي.

ScienceDaily
خلية سرطانية وسط خلايا الدم الحمراء

كريسبر يُقدّم حلاً ثورياً لسرطان الدم دون الإضرار بالخلايا السليمة

أثبتت تجربة سريرية بجامعة واشنطن نجاح تقنية كريسبر في تعديل الخلايا الجذعية المانحة مما يُتيح علاج ابيضاض الدم النخاعي الحاد دون تدمير خلايا الدم الصحية.

ScienceDaily
حاسوب كمومي مستقبلي في بيئة مختبرية

اختراق في الحوسبة الكمومية: أنيونات غير أبيلية تُثبت القدرة على الحوسبة الشاملة

حقّق باحثون اختراقاً بإثبات قدرة الأنيونات غير الأبيلية على تنفيذ أي عملية كمومية، فاتحين باباً نحو حوسبة كمومية محمية طبولوجياً وأكثر كفاءةً.

ScienceDaily
محاكٍ كمي يعيد تمثيل لحظة ولادة المادة من الطاقة — ألمعي