مفارقة النوم: الدماغ يستنفد طاقته في ذروة إمدادها خلال طور الأحلام
كشف باحثو جامعة توهوكو أن الدماغ يرفع إمدادات الدم خلال نوم حركة العين السريعة بينما تنخفض الطاقة الخلوية للخلايا العصبية، في مفارقة أيضية تُعيد رسم فهمنا لوظيفة النوم.

في نتيجة تعكس أسرار الدماغ النائم، توصّل باحثون من جامعة توهوكو اليابانية إلى اكتشاف يعيد رسم فهمنا لما يجري في الدماغ خلال طور الأحلام. تكشف الدراسة أن الدماغ يرفع إمدادات الدم إلى خلاياه في ذروة نوم حركة العين السريعة (REM)، لكن في المقابل تنخفض مستويات أدينوسين ثلاثي الفوسفات (ATP)، وهو الجزيء الذي يُعدّ العملة الطاقوية المباشرة للخلايا العصبية، مُشكِّلةً بذلك مفارقة أيضية محيرة لم يشهدها العلم من قبل.
«يبدو النوم هادئاً، لكن الدماغ يكون في غاية النشاط حين نحلم. أثارنا هذا التناقض وأردنا استكشاف أساسه العلمي.» هكذا عبّر البروفيسور كو ماتسوي من جامعة توهوكو عن الدافع وراء البحث الذي يكشف طبقة جديدة من التعقيد في أعمق مراحل النوم وأكثرها ارتباطاً بالذاكرة والإدراك.
اعتمد الباحثون على تقنية متطورة: تطبيق راتنج أكريليكي شفاف فوق جماجم الفئران بعد علاجها بالأشعة فوق البنفسجية، مما أتاح رصد حجم الدم في الدماغ وقياس مستويات أدينوسين ثلاثي الفوسفات في الخلايا العصبية عبر التصوير بالفلورة خلال دورات النوم الطبيعي. وأظهرت القياسات بوضوح لا لبس فيه أن زيادة إمداد الدم في طور نوم حركة العين السريعة تتزامن مع انخفاض في مستوى الطاقة الخلوية المباشرة.
يفتح هذا الاكتشاف الباب أمام تفسيرات عدة لا تزال قيد البحث: ربما يُصرَف أدينوسين ثلاثي الفوسفات بشكل مكثف لعمليات إعادة ترتيب الوصلات العصبية التي تُعزّز الذاكرة والتعلم؛ أو أن التواصل المتصاعد بين الحُصين والقشرة الدماغية في هذا الطور يستهلك طاقة كبيرة تفوق ما يُضخّ في البداية؛ أو أن آليات نقل الطاقة بين الخلايا النجمية والخلايا العصبية تتحوّل إلى نمط مختلف خلال الأحلام.
ما يجعل هذه النتيجة مثيرةً للاهتمام هو ارتباطها العميق بالسؤال القديم: لماذا ينام الكائن الحي أصلاً؟ الإجابة التقليدية المرتبطة بالتجديد والاستعادة تنسجم مع فكرة أن الدماغ يُعيد شحن طاقته خلال النوم. لكن إذا كان الطور الأعمق للنوم يستنفد الطاقة الخلوية بدلاً من تجديدها، فربما الوظيفة الأعمق للنوم ليست الراحة بالمعنى الحرفي بل إعادة المعالجة المعلوماتية والتوطيد الانتقائي للذكريات وترسيخها في الذاكرة طويلة الأمد.
تُكتسب هذه الاكتشافات أهمية خاصة في السياق العربي، حيث تُشير دراسات صادرة عن مراكز طب النوم في السعودية والإمارات إلى أن معدلات اضطرابات النوم في دول الخليج تفوق المتوسطات العالمية؛ ويُعزى ذلك جزئياً إلى التحولات في أنماط الحياة الليلية وتأثير الضوء الاصطناعي وضغوط العمل. وتُشكّل التغيرات في أنماط النوم خلال شهر رمضان ظاهرةً فريدة تُقلّص فرص نوم حركة العين السريعة لدى الملايين في العالم العربي. ويمنح هذا الاكتشاف دعماً علمياً لبرامج تعزيز نوعية النوم التي تطلقها وزارات الصحة الخليجية ضمن مبادرات الصحة الشاملة، إذ يُبيّن أن الحرمان من طور حركة العين السريعة خسارة حقيقية في الطاقة الخلوية اللازمة لمعالجة الذاكرة وتوطيدها.
تُضاف هذه النتيجة إلى سجل طويل من المفاجآت التي يحملها نوم حركة العين السريعة؛ فهذا الطور يُعرف منذ عقود بأنه الأكثر ارتباطاً بالأحلام النابضة بالحياة، واللدونة المشبكية، وتعزيز قدرات التعلم والإبداع، وإن كان لا يزال يُخفي كثيراً من أسراره.
المزيد من صحة

دراسة: أدوات الذكاء الاصطناعي في المستشفيات رفعت الإنفاق الصحي بمليار دولار
كشف اتحاد بلو كروس بلو شيلد الأمريكي أن الترميز الطبي المدعوم بالذكاء الاصطناعي أضاف 942 مليون دولار على فاتورة التأمين الصحي خلال عامين، دون تحسن حقيقي في جودة الرعاية المقدّمة.

رائحة المنظفات العطرية تُطلق مليارات الجسيمات الدقيقة داخل منازلنا
كشف بحث من جامعة بوردو أن المركبات العطرية في منتجات التنظيف تتفاعل مع الأوزون الداخلي لتُولّد جسيمات دقيقة جداً قادرة على اختراق الرئتين والدم، بتركيزات تفوق ما يُستنشق على جوانب الطرق المزدحمة.

الفطريات سلاح العلماء لزراعة الغذاء على المريخ والقمر
يبحث علماء أمريكيون وبرازيليون في إمكانية استخدام الفطريات الحوصلية النسيجية لتحويل التربة الكوكبية الفقيرة على المريخ والقمر إلى أرض قابلة للزراعة، في خطوة محورية نحو الاكتفاء الغذائي في الفضاء.

محاكٍ كمي يعيد تمثيل لحظة ولادة المادة من الطاقة
علماء جامعة ديوك يستخدمون محاكياً كمياً بالأيونات المحاصرة مؤلفاً من 13 أيوناً لإعادة تمثيل ظاهرة «كسر الوتر»، وهو النموذج الفيزيائي الذي يُفسّر نشأة المادة من الطاقة بعد الانفجار العظيم.

باحثون يرصدون صفيحة تكتونية تتمزق تدريجياً تحت شمال غرب المحيط الهادئ
كشف باحثون من جامعة لويزيانا ستيت أن منطقة الاندساس الكاسكيدية تنكسر إلى قطع بصورة بطيئة، في أول توثيق لمنطقة اندساس تمر بمرحلة الاحتضار التدريجي.

كريسبر يُقدّم حلاً ثورياً لسرطان الدم دون الإضرار بالخلايا السليمة
أثبتت تجربة سريرية بجامعة واشنطن نجاح تقنية كريسبر في تعديل الخلايا الجذعية المانحة مما يُتيح علاج ابيضاض الدم النخاعي الحاد دون تدمير خلايا الدم الصحية.