مفاجأة علمية: محرك خفي لمرض الزهايمر قد ينشط خارج الدماغ تماماً
اكتشف باحثون في جامعة واشنطن مساراً مناعياً غير متوقع ينطلق من العقد الليمفاوية خارج الدماغ ويؤدي دوراً رئيسياً في التنكس العصبي المرتبط بالزهايمر، فتح آفاقاً علاجية جديدة.

توصل فريق بحثي من كلية الطب في جامعة واشنطن إلى اكتشاف مسار مناعي غير متوقع ينشأ خارج الدماغ تماماً، في العقد الليمفاوية، ويُسهم بشكل مباشر في التنكس العصبي المرتبط بمرض الزهايمر، في تحول لافت عن الفهم التقليدي السائد الذي ركّز لعقود على آليات تنشأ حصراً داخل أنسجة الدماغ نفسها.
ويتمحور الاكتشاف حول دور خلايا مناعية تُعرف بالخلايا التغصنية، وتحديداً نوعاً فرعياً منها يُشار إليه اختصاراً بـcDC1، والتي تنشط في العقد الليمفاوية وتُحفّز نوعاً آخر من الخلايا المناعية يُعرف بالخلايا التائية CD8. وبحسب الفريق البحثي، فإن هذه الخلايا التائية، بعد تنشيطها في العقد الليمفاوية، تنتقل عبر مجرى الدم إلى الدماغ، حيث تُسهم في إحداث ضرر مباشر بالأنسجة العصبية.
ويعتقد الباحثون أن السلسلة تبدأ حين يتسبب تراكم بروتين تاو غير الطبيعي داخل الدماغ في إطلاق مواد تنتقل إلى العقد الليمفاوية الموجودة في منطقة الرقبة، لتلتقطها الخلايا التغصنية هناك وتتعرف عليها بوصفها هدفاً يستوجب هجوماً مناعياً، فتُحفّز بدورها الخلايا التائية CD8 على التوجه نحو الدماغ لمهاجمة ما تعتبره تهديداً، رغم أن هذا الهجوم المناعي هو نفسه ما يُلحق الضرر بالخلايا العصبية السليمة.
ولاختبار هذه الفرضية، أجرى الباحثون تجربة على فئران معدّلة وراثياً لتطوير تشابكات ليفية من بروتين تاو مشابهة لتلك التي تظهر في أدمغة مرضى الزهايمر. وعند إزالة الخلايا التغصنية من هذه الفئران، لاحظ الفريق اختفاء الارتفاع الملحوظ في أعداد الخلايا التائية داخل الدماغ بشكل كبير، وتراجعاً حاداً في التنكس العصبي المرتبط بهذه الظاهرة، إلى جانب الحفاظ على القدرات الإدراكية للفئران بشكل ملحوظ. والأهم من ذلك، أن كمية تشابكات بروتين تاو نفسها لم تتغير، ما يعني أن تحسّن الحالة الإدراكية لم ينتج عن التخلص من بروتين تاو المتراكم، بل عن كبح الاستجابة المناعية الثانوية الناتجة عنه.
وتحمل هذه النتيجة دلالة علاجية بالغة الأهمية: فهي تشير إلى أن كبح نشاط الخلايا التائية قد يُقلل من التدهور المعرفي بشكل مستقل تماماً عن التعامل مع تراكم بروتين تاو ذاته، وهو ما يفتح مساراً علاجياً بديلاً لم يكن محل تركيز رئيسي في أبحاث الزهايمر سابقاً، والتي انصبت غالباً على محاولة إزالة أو منع تراكم بروتينات تاو والأميلويد المرتبطة بالمرض.
وقاد الدراسة الدكتور ديفيد إم هولتزمان، بمشاركة رئيسية من الباحثين هاو هو، المؤلف الرئيسي للدراسة، وجيسون أولريش، ونُشرت نتائج البحث في الثالث من سبتمبر الجاري في مجلة Nature Neuroscience المرموقة.
وتكمن الأهمية العملية لهذا الاكتشاف في أن المسار المناعي المكتشف يعمل خارج نطاق الحاجز الدموي الدماغي، وهو الطبقة الانتقائية من الخلايا التي تحيط بالأوعية الدموية في الدماغ وتمنع كثيراً من الأدوية من الوصول إلى الأنسجة العصبية بفعالية. وبما أن هذا المسار يبدأ ويُنظَّم في العقد الليمفاوية الموجودة خارج الدماغ تماماً، فإنه يُتيح احتمالية استهدافه علاجياً بطرق أسهل نسبياً وأقل تعقيداً من محاولة إيصال أدوية عبر الحاجز الدموي الدماغي المحكم.
وتتجلى أهمية هذا الاكتشاف بشكل خاص في العالم العربي الذي يشهد ارتفاعاً متسارعاً في أعداد المصابين بالزهايمر، مع شيخوخة سكانية لا سيما في دول الخليج ومصر والمغرب؛ إذ تُشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ستشهد تضاعفاً في أعداد مرضى الخرف بحلول عام 2050. ويفتح كون المسار المناعي المُكتشف يعمل خارج نطاق الحاجز الدموي الدماغي آفاقاً واعدة لأبحاث الأدوية في مراكز متخصصة كمستشفى كليفلاند كلينك أبوظبي ومدينة الملك عبدالله للعلوم والتقنية (كاوست)، وسط توجه متزايد في المنطقة نحو الاستثمار في الرعاية الصحية للمسنين.
ويرى الباحثون أن تقنيات التلاعب بالخلايا التائية المعتمدة بالفعل لعلاج أمراض أخرى، مثل بعض أنواع السرطان والأمراض المناعية الذاتية، قد يُعاد توظيفها مستقبلاً لعلاج أمراض التنكس العصبي كالزهايمر، بعد إجراء الدراسات السريرية اللازمة للتحقق من أمانها وفعاليتها في هذا السياق الجديد تماماً. ويمثل هذا الاكتشاف تذكيراً بأن أمراضاً يُنظر إليها تقليدياً بوصفها مقتصرة على عضو واحد قد تنطوي في حقيقتها على شبكة معقدة من التفاعلات تمتد عبر أجهزة الجسم المختلفة، بما فيها الجهاز المناعي بعيداً عن موقع الإصابة الظاهر.
المزيد من الهندسة الطبية الحيوية

دراسة جديدة: القهوة بكافيين أو بدونه تُعيد تشكيل ميكروبيوم الأمعاء والمزاج
وجدت دراسة أيرلندية أن القهوة بنوعيها العادي ومنزوع الكافيين تُغيّر بكتيريا الأمعاء وتخفض الشعور بالتوتر والاكتئاب، فيما تحسّن النسخة منزوعة الكافيين التعلم والذاكرة وتعزز نسخة الكافيين التركيز.
بروتينات عمرها 160 مليون عام تتفوق على أدويتنا الحديثة في مواجهة البكتيريا
أعاد باحثون في جامعة أوريغون إحياء ببتيدات مضادة للميكروبات من ثدييات منقرضة عاشت قبل 160 مليون عام، ووجدوا أن بعض نسخها القديمة أكثر فعالية من نظيراتها البشرية الحديثة في قتل البكتيريا المقاومة للمضادات الحيوية.
دراسة: بكتيريا الأمعاء تفسر سبب إصابة رواد الفضاء بالإمساك في المدار
تحليل عينات دم 52 رائد فضاء كشف أن الجاذبية الصغرى تُبطئ حركة الأمعاء وتدفع بكتيريا القناة الهضمية إلى تخمّر البروتين بدلًا من الألياف، بما قد يؤثر في الكلى والمزاج خلال الرحلات الطويلة.

الأعضاء المزروعة تتكيف مع عمر مستقبلها: نهاية خرافة التجديد بزراعة أعضاء الشباب
دراسة من مستشفى بريغهام والنساء تُثبت أن القلوب المزروعة تُغيّر عمرها البيولوجي لتتوافق مع مستقبلها لا متبرعها خلال أشهر، مُقوّضةً نظريات ناشئة حول تجديد الشباب عبر استبدال الأعضاء.

دراسة إسبانية: أدوية تيرزيباتيد تُنشّط الأنسجة الدهنية البنية الحارقة للسعرات
كشف باحثو جامعة برشلونة أن تيرزيباتيد (موونجارو وزيبباوند) يُنشّط الأنسجة الدهنية البنية في نماذج الفئران مما يزيد حرق الطاقة ويُفرز باتوكينات مفيدة، بما يتجاوز مجرد كبح الشهية.

دراسة: مكمل الغلوكوزامين الشعبي قد يُسرّع تدهور الذاكرة نحو الخرف
تحليل لسجلات أكثر من أربعة آلاف مريض يربط بين استخدام الغلوكوزامين وارتفاع احتمال تطور الضعف الإدراكي الخفيف إلى خرف بنسبة 25%، مع الحاجة إلى تجارب سريرية لإثبات العلاقة السببية.