مدينة وهمية بناها مكتب التحقيقات الفيدرالي لمحاكاة الهجمات السيبرانية الحقيقية

شيّد مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي مدينة مصغّرة بمساحة 22 ألف قدم مربع في هانتسفيل بألاباما، تضم أكثر من 200 خادم لتدريب المحققين على التصدي للهجمات السيبرانية وحماية البنية التحتية الحيوية.

تحرير
ألمعي · هيئة التحرير
النشر
١٤ يونيو ٢٠٢٦
المصدر
TechCrunch
القراءات
٠
الوقت
قراءة 3 دقائق
منظر شوارع مدينة المحاكاة السيبرانية التابعة لمكتب التحقيقات الفيدرالي

في زاوية هادئة من مدينة هانتسفيل بولاية ألاباما الأمريكية، يقف مبنى لا يوحي شكله الخارجي بشيء عن الأسرار التي يحتضنها في داخله. فخلف جدرانه الرمادية المحكمة، أقام مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي مدينة متكاملة مصغّرة مساحتها 22 ألف قدم مربع، مزوّدة بأكثر من 200 خادم فعلي، صُمِّمت تحديداً لمحاكاة الهجمات السيبرانية الحقيقية وتدريب المحققين على التعامل معها.

افتُتحت هذه المنشأة الفريدة في فبراير 2025، وتضم في جنباتها كل ما قد تجده في بلدة أمريكية صغيرة نموذجية: منازل سكنية وفندقاً ومحطة وقود وسوبرماركتاً ومحكمة ومستشفى وشركة لتوليد الطاقة الكهربائية، وحتى شوارع تسلكها سيارات وإشارات مرور تومض وتتوقف وفق جداولها المبرمجة. غير أن هذه المدينة لا يسكنها بشر؛ إذ تدور فيها معارك صامتة من نوع مختلف تماماً.

وعلى مدى الأشهر التي أعقبت افتتاح المنشأة، تلقّى فيها أكثر من 1400 طالب ومحقق تدريباً مكثفاً على فنون التحقيق الجنائي الرقمي، والتصدي لهجمات برمجيات الفدية، وحماية البنية التحتية الحيوية كشبكات الكهرباء والمياه والمستشفيات من الاختراق الإلكتروني. وكان التدريب العملي داخل بيئة محاكاة واقعية كهذه ضرورة باتت ملحّة في ضوء التقارير المتصاعدة عن تطور أساليب المجرمين الإلكترونيين.

وتكشف الأرقام حجم التحدي الذي يواجه الأمن السيبراني الأمريكي: فوفقاً لتقرير الجرائم الإلكترونية لعام 2025 الصادر عن مكتب التحقيقات الفيدرالي، بلغت خسائر الولايات المتحدة جراء الجرائم الإلكترونية 20.9 مليار دولار، بارتفاع حاد بلغ 26 بالمئة مقارنة بالعام السابق. وتتصدر برمجيات الفدية قائمة التهديدات الأكثر خطورة، وهي برامج خبيثة تتسلل إلى أنظمة الضحايا وتشفّر بياناتهم ثم تطالبهم بفدية مالية باهظة مقابل فك التشفير.

وتبرز أهمية هذا النوع من التدريب حين ندرك أن أي هجوم ناجح على شبكة كهرباء أو مستشفى أو محطة معالجة مياه قد يتحول إلى كارثة إنسانية حقيقية. فالفارق بين محقق يعرف كيف يتصرف في اللحظات الحرجة الأولى وآخر لا يعرف قد يكون الفارق بين إنقاذ المنظومة بأكملها وانهيارها التام. ومن هنا جاءت فكرة إنشاء بيئة تدريبية تحاكي العالم الحقيقي بكل تفاصيله وتشابكاته.

ويُشار إلى أن مفهوم المدن المحاكاة ليس جديداً تماماً في سياق التدريب الأمني؛ فقد لجأت أجهزة عسكرية واستخباراتية إلى تشييد مواقع مشابهة لتدريب وحداتها على سيناريوهات القتال في المناطق الحضرية. بيد أن توظيف هذا الأسلوب في مجال الأمن السيبراني بهذا الحجم والتفصيل يُعدّ خطوة لافتة تعكس مدى جدية واشنطن في التعامل مع التهديدات الرقمية باعتبارها خطراً وجودياً لا يقل عن التهديدات التقليدية.

وتعمل المنشأة كـ"حقل إلكتروني" يمكن فيه استنساخ سيناريوهات هجوم حقيقية بعيداً عن أي خطر على البنية التحتية الفعلية. فحين يُشنّ هجوم برمجيات فدية على المستشفى التجريبي داخل المدينة الوهمية، يواجه المتدربون الضغط الحقيقي لاتخاذ قرارات في ظل معلومات ناقصة وأجهزة معطوبة، تماماً كما سيحدث في الميدان الحقيقي لكن دون أن تتأثر حياة مريض أو يُعطّل نظام حيوي فعلي.

ويأتي الكشف عن هذه المنشأة في توقيت دقيق، إذ تتصاعد التقارير عن عمليات قرصنة تستهدف بنى تحتية أمريكية حيوية، يُرجّح أن تقف وراءها جهات حكومية من دول كروسيا والصين وكوريا الشمالية. وقد أصبح الفضاء الرقمي ساحة مواجهة بالغة الأهمية لا تقل في تأثيرها عن أي ساحة قتال تقليدية.

ويُلهم هذا النموذج دول المنطقة العربية الساعية إلى بناء منظومات أمن سيبراني استباقية؛ فقد أسّست المملكة العربية السعودية هيئتها الوطنية للأمن السيبراني وأطلقت برامج طموحة لتأهيل الكوادر الوطنية، كما أنشأت الإمارات مجلسها للأمن السيبراني ووسّعت قدراتها التدريبية عبر شراكات دولية متعددة. وقد أثبتت استضافة قطر لبطولة كأس العالم 2022 أهمية الاستعداد السيبراني حين واجهت جهاتها الحكومية موجة من محاولات الاختراق. ومع تنامي التهديدات الموجَّهة ضد البنية التحتية الحيوية بالمنطقة، يصبح نموذج بيئة التدريب التحاكي الذي ابتكره مكتب التحقيقات الفيدرالي أمثولةً جديرة بالاستلهام والتكيّف مع السياقات العربية.

ويرى المراقبون أن مبادرة مكتب التحقيقات الفيدرالي هذه تمثل تحولاً في نهج الاستعداد السيبراني الأمريكي، من مجرد الاستجابة التفاعلية للحوادث إلى بناء كفاءات استباقية مدربة ومجهزة قبل وقوع الهجوم. وفي عالم تتضاعف فيه التهديدات الرقمية بوتيرة متسارعة، قد تكون مدينة وهمية في هانتسفيل هي خط الدفاع الأول عن الواقع.

المصدر الأصلي
TechCrunch
قراءة المقال الأصلي ↗
قصة اليوم · كل صباح

أعجبك التقرير؟ استلم واحداً كل صباح.

قصةٌ تقنية واحدة تستحقّ وقتك، بالعربية. بلا إعلانات، بلا إزعاج.

بلا إعلانات · إلغاء الاشتراك بنقرة واحدة · بياناتك آمنة

اقرأ أيضًا

المزيد من أمن

مفهوم الأمن السيبراني وحماية البيانات الرقمية

هجمات ClickFix: أسلوب جديد يخدع المستخدمين لاختراق أجهزتهم بأيديهم

يتصاعد تهديد هجمات ClickFix الإلكترونية في 2026 إذ تُقنع المستخدمين بتنفيذ أوامر خبيثة بأنفسهم عبر نوافذ تبدو رسمية، متجاوزةً برامج مضاد الفيروسات التقليدية.

TechCrunch
شعار تطبيق ريفولوت للخدمات المالية

ريفولوت تؤكد اختراق بيانات عملائها عبر طلبات حكومية مزيّفة

أقرّت شركة ريفولوت البريطانية للخدمات المالية بتعرّضها لاختراق في بيانات عملائها نفّذه مهاجمون انتحلوا صفة جهة حكومية رسمية للحصول على معلومات حساسة تشمل وثائق الهوية وكشوف الحسابات.

TechCrunch
عملة بيتكوين مادية على خلفية داكنة ترمز إلى مخاطر العملات المشفرة

اختراق مزوّد البريد لـTrezor يُعرِّض 347 ألف عميل لهجمات تصيّد احتيالي

أكدت Trezor لمحافظ العملات المشفرة أن اختراق مزود التسويق Brevo أتاح لمهاجمين إرسال 347 ألف رسالة تصيّد احتيالي تستهدف سرقة كلمات مرور المحافظ بصورة لا رجعة فيها.

TechCrunch
شعار أنثروبيك على شاشة هاتف أمام خريطة العالم

أنثروبيك تكشف عن حملات تقطير واسعة شنّتها علي بابا وموونشوت وديب سيك

كشفت أنثروبيك في تقرير استخبارات التهديدات عن حملات ممنهجة شنّتها شركات صينية كبرى لاستخلاص قدرات نموذج كلود، مُنتزِعةً ما يقارب 200 مليون محادثة لتدريب نماذجها الخاصة.

TechCrunch
صورة رخصة قيادة أمريكية تُجسّد الاختراق الضخم الذي طال بيانات الهوية

شركة IDScan تؤكد اختراق بياناتها وسرقة أكثر من 150 مليون رخصة قيادة

أكدت شركة IDScan الأمريكية للتحقق من الهوية الرقمية تعرضها لاختراق ضخم أسفر عن سرقة أكثر من 150 مليون سجل لرخص القيادة وبيانات جوازات السفر، فيما يحقق مكتب التحقيقات الفيدرالي في الحادثة.

TechCrunch
قراصنة معلوماتية - أمن إلكتروني وحماية البيانات

قراصنة يسرقون جلسات كلود عبر برمجيات تجسس لاستنزاف حصص المشتركين الشهرية

حذّرت أنثروبيك من موجة هجمات تعتمد على برمجيات سرقة المعلومات لاختطاف جلسات مستخدمي كلود واستنزاف حصصهم، بعدما رصد مستشار بريطاني استهلاكاً غير مبرر لرموز واجهة برمجة التطبيقات.

TechCrunch