لماذا تُخرج نافورات قمر إنسيلادوس الجليدية أسراراً كيميائية غير متوقعة
كشفت تجارب مخبرية أن سرعة تجميد قطرات محيط إنسيلادوس تفصل أملاحه كيميائياً بشكل طبيعي، ما يسهّل على المركبات الفضائية المستقبلية كشف مؤشرات الحياة المحتملة في هذا القمر الجليدي.

اكتشف فريق دولي من العلماء أن حبيبات الجليد المنبعثة من النافورات الجليدية على قمر زحل إنسيلادوس تحمل تنوعاً كيميائياً غير متوقع، إذ لا تعكس كل حبيبة التركيب الكيميائي الكامل للمحيط تحت السطح كما كان يُفترض، بل تحمل كل حبيبة على حدة تركيزاً مختلفاً جذرياً عن الأخرى. فبعض الحبيبات غنية بكلوريد الصوديوم، وأخرى مركّزة في الكربونات أو الفوسفات أو كلوريد البوتاسيوم، مع ملاحظة لافتة مفادها أن الكلوريدات والكربونات "نادراً ما تظهران معاً في الحبيبة الغنية بالصوديوم ذاتها".
وأعاد باحثون من معهد علوم الأرض والحياة (ELSI) في طوكيو، بقيادة الأستاذ ياسوهيتو سيكينه، محاكاة ظروف المحيط الموجود على إنسيلادوس في المختبر، عبر تجميد قطرات تحتوي على الأملاح المكتشفة في هذا المحيط بمعدلات تبريد مختلفة. وكشفت التجارب أن سرعة التجميد هي العامل الحاسم في الفصل الكيميائي بين الأملاح: فالقطرات التي يبلغ قطرها نحو 200 ميكرومتر، والتي تتجمد ببطء بمعدل يقارب 10 كلفن في الدقيقة أو أبطأ، أظهرت انفصالاً واضحاً للأملاح إلى مناطق متمايزة داخل القطرة الواحدة، في حين حافظ التجميد السريع على مزيج متجانس من الأملاح.
ويقترح الباحثون آلية محددة لتفسير هذه الظاهرة داخل باطن القمر: تتشكل القطرات أولاً في المحيط تحت السطح، ثم تتحرك ببطء عبر شبكة من القنوات الجوفية، وتتجمد تدريجياً أثناء عبورها الشقوق الصخرية والجليدية. وكلما اقتربت من السطح، يتسبب تسارع الغازات المرافقة في اصطدام القطرات المتجمدة بجدران قنوات الجليد، فتتفتت إلى شظايا صغيرة، تحمل كل شظية منها تركيباً كيميائياً يعكس منطقة مختلفة من القطرة الأصلية التي انفصلت عنها.
وشارك في الدراسة أيضاً الأستاذ فرانك بوستبرغ من جامعة برلين الحرة، الذي حلّل 961 طيفاً كتلياً جُمعت بواسطة مسبار كاسيني خلال مروره عبر نافورات إنسيلادوس، إلى جانب فريق دولي من مؤسسات بحثية متعددة.
وتحمل هذه النتيجة دلالات عميقة لعلم الأحياء الفلكي. فمن الناحية العملية، تُختصر خطوة أساسية من خطوات التحليل المخبري: "غالباً ما تُنفض المختبرات جهداً كبيراً في فصل المواد الكيميائية وتركيزها قبل تحليل أي عينة، ويبدو أن إنسيلادوس ينجز هاتين الخطوتين بشكل طبيعي"، بحسب ما أشار إليه الباحثون، إذ يركّز القمر المركّبات المخفّفة أصلاً داخل حبيبات فردية يسهل تحليلها لاحقاً.
كما تشير أبحاث سابقة إلى أن المركبات العضوية تخضع لعملية فصل وتركيز مشابهة، ما قد يسهّل بشكل كبير كشف التوقيعات البيولوجية المحتملة في مهمات فضائية مستقبلية. وعلاوة على ذلك، فإن التجميد البطيء يحبس جيوباً من المحلول الملحي المركّز بين بلورات الجليد، وهي ظروف مواتية لعمليات الكيمياء ما قبل الحيوية التي يُعتقد أنها سبقت ظهور الحياة على الأرض. ويضيف الباحثون أن سقوط المادة على إنسيلادوس بشكل متكرر يتيح دورات متعاقبة من التجميد والتركيز وإعادة التدوير، وهو ما قد يعزز تراكم التعقيد الكيميائي داخل القمر مع مرور الوقت.
وتشير هذه المعطيات مجتمعة إلى أن المركبات التي قد تجمعها المركبات الفضائية المستقبلية من نافورات إنسيلادوس لن تكون عينات خامّ غير معالجة، بل عينات خضعت أصلاً لعملية فرز وتركيز طبيعية، وهو ما يرفع بشكل كبير من قدرة هذه المهمات على تقييم مدى صلاحية القمر للحياة والبحث عن مؤشرات بيولوجية محتملة فيه.
وتنعكس هذه الاكتشافات على مستقبل برامج الفضاء العربية؛ فالإمارات التي أرسلت مسبار الأمل إلى المريخ تدرس مهمات فضائية أبعد مدىً في أفق استكشاف المجموعة الشمسية، وقد يكون الفهم المتعمق لكيمياء الأقمار الجليدية بوصفها بيئات محتملة للحياة أحد محاور اهتمام المخططات الإماراتية والسعودية للعلوم الفضائية المتقدمة. ويُقدّم مركز محمد بن راشد للفضاء ووكالة الفضاء السعودية مساهمات متنامية في الأبحاث الفضائية الدولية، وتبقى الأسئلة المتعلقة بقابلية أجرام المجموعة الشمسية لدعم الحياة من أكثر المجالات التي تتباحث فيها الوكالات الدولية مع شركائها في الخليج.
وتضيف هذه الدراسة طبقة جديدة من الفهم لأحد أبرز الأهداف المرشحة للبحث عن حياة خارج كوكب الأرض في المجموعة الشمسية، بعد أن كشفت رصدات سابقة عن وجود محيط سائل تحت الجليد على إنسيلادوس، ونشاط جيولوجي نشط يقذف مادة هذا المحيط إلى الفضاء عبر شقوق قطبية، ما يجعله موقعاً محورياً في تخطيط بعثات استكشاف المحيطات الجليدية المستقبلية.
المزيد من علوم

اكتشاف فيروس جديد ينقله القراد وراء أعراض غامضة لدى المصابين
حدد باحثون صينيون فيروساً جديداً ينقله القراد يُدعى ALTNV، وكشفوا أن العدوى المشتركة به مع فيروس آخر معروف ترفع معدل الوفيات إلى 18.4%، ما يستدعي تطوير أساليب تشخيصية أدق للتمييز بين الفيروسين.

مركبة بحجم حقيبة سفر قد تسمع صدى الكون قبل ولادة أولى النجوم
تستعد جامعة كامبريدج لإطلاق مركبة CosmoCube الصغيرة خلف القمر لرصد إشارة الهيدروجين القادمة من العصور المظلمة الكونية، في مهمة قد تكشف كيف تشكّلت أولى النجوم والمجرات بمساعدة المادة المظلمة.

لماذا لا يستغرق يوم الأرض 24 ساعة بالضبط؟ الجواب في أعماق الكوكب
كشف باحثون من جامعة ألبرتا أن تغيرات طفيفة في دوران اللب الداخلي للأرض تولّد عزم جاذبية يفسّر تذبذب طول اليوم على مدى عقود، في اكتشاف يُظهر ديناميكية غير متوقعة في أعماق الكوكب.

هل الكون لانهائي؟ قياسات إشعاع الخلفية الكونية تكشف إجابة محيّرة
تُظهر قياسات دقيقة لإشعاع الخلفية الكونية الميكروي أن الكون مسطح هندسياً، لكن العلماء يوضحون أن التسطح لا يعني بالضرورة أن الكون لانهائي الامتداد.

أوروبا أمام قرار تاريخي: هل تبني قدرتها الخاصة لإطلاق روادها إلى الفضاء؟
يلتقي وزراء أوروبيون في روما ديسمبر المقبل لحسم قرار بناء منظومة كاملة لنقل رواد الفضاء الأوروبيين، ضمن دفعة أوسع يقودها مدير وكالة الفضاء الأوروبية لتعزيز استقلالية القارة في الفضاء.

من المختبر إلى الشبكة الكهربائية.. سباق تجاري لتوصيل طاقة الاندماج النووي
تستعد شركتا Commonwealth Fusion Systems وHelion لنقل طاقة الاندماج النووي من مرحلة الإثبات العلمي إلى محطات فعلية تغذي الشبكة الكهربائية، وسط تمويل يتجاوز مليارات الدولارات.