لماذا لا يستغرق يوم الأرض 24 ساعة بالضبط؟ الجواب في أعماق الكوكب
كشف باحثون من جامعة ألبرتا أن تغيرات طفيفة في دوران اللب الداخلي للأرض تولّد عزم جاذبية يفسّر تذبذب طول اليوم على مدى عقود، في اكتشاف يُظهر ديناميكية غير متوقعة في أعماق الكوكب.

توصل باحثون من جامعة ألبرتا الكندية إلى تفسير علمي جديد لظاهرة حيّرت العلماء لعقود: التذبذبات الطفيفة التي يشهدها طول اليوم على كوكب الأرض بمقدار أجزاء من الألف من الثانية على مدى عقود من الزمن. وتُظهر دراسة نُشرت في 23 سبتمبر 2026 في مجلة Nature، بإشراف الفيزيائي هوايفنغ تشانغ والأستاذ ماتيو دومبيري، أن "تغيرات طفيفة في سرعة دوران اللب الداخلي للأرض" هي ما يولّد تأثيرات جاذبية تنعكس على طول اليوم.
ويكمن جوهر الآلية المكتشفة في تبادل الزخم بين طبقات الكوكب المختلفة. فحين يتسارع اللب الخارجي السائل، يتباطأ الوشاح بالمقابل، والعكس صحيح أيضاً. وتُظهر الدراسة الجديدة أن اللب الداخلي الصلب، الذي لا يتخذ شكلاً كروياً مثالياً، يولّد عزم جاذبية ناتجاً عن تغيرات سرعة دورانه، وهذا العزم يتفاعل بدوره مع التوزيع غير المتجانس للكتلة داخل الوشاح، ما يؤدي إلى تعديل طفيف في سرعة دوران الكوكب ككل.
وفي المقابل، تعمل قوى معاكسة على كبح هذا التأثير، إذ يولّد ما يُعرف بعزم حدّ اللب-الوشاح احتكاكاً ومقاومة كهرومغناطيسية تقاوم شدّ الجاذبية، وهو ما يحدّ من مدى التغير الذي يطرأ على طول اليوم ويمنعه من التفاقم بشكل كبير.
وتشير هذه النتائج إلى أن اللب الداخلي للأرض يسلك سلوكاً ديناميكياً أكثر مما كان يُعتقد سابقاً، إذ يبدو قادراً على "التشوه بشكل لزج" ضمن دورات تمتد لنحو عشر سنوات. ويتحدى هذا الاكتشاف الافتراضات السابقة التي كانت تصوّر الطبقات الأعمق للكوكب باعتبارها بنى ساكنة جيولوجياً، ويكشف بدلاً من ذلك عن "عالم ديناميكي بشكل مفاجئ" يقبع على بُعد آلاف الكيلومترات تحت أقدامنا.
ويحل عمل تشانغ ودومبيري لغزاً علمياً استمر لعقود يتعلق بأسباب تغير طول يوم الأرض، فيما يكشف في الوقت ذاته عن تعقيد لم يكن مُقدَّراً بشكل كافٍ سابقاً في آليات عمل باطن الكوكب. وتستند الدراسة إلى نماذج فيزيائية دقيقة لحركة الطبقات الداخلية للأرض، مستفيدة من بيانات رصد طويلة المدى لتغيرات سرعة دوران الكوكب وقياسات جيوفيزيائية متراكمة على مدى عقود.
ولفهم حجم هذه الظاهرة، تجدر الإشارة إلى أن اللب الداخلي للأرض يتكون أساساً من الحديد مع نسبة من النيكل، ويبلغ نصف قطره نحو 1220 كيلومتراً، ويظل في حالته الصلبة رغم درجات الحرارة الهائلة بفعل الضغط الشديد الواقع عليه من طبقات الكوكب المحيطة به. أما اللب الخارجي، فهو طبقة سائلة من الحديد والنيكل المنصهرَين تمتد من عمق 2200 إلى نحو 5100 كيلومتر، وتولّد حركة هذا السائل الموصل للكهرباء المجال المغناطيسي الذي يحمي الأرض من الإشعاع الكوني. ويفصل حدّ اللب-الوشاح، على عمق نحو 2900 كيلومتر، بين هذا اللب السائل والوشاح الصلب شبه اللزج الذي يمتد حتى قشرة الأرض.
وتحمل هذه الاكتشافات أهمية تتجاوز حل اللغز العلمي المباشر المتعلق بطول اليوم، إذ تفتح الباب أمام فهم أعمق لكيفية تفاعل طبقات الأرض المختلفة على المدى الطويل، وما قد يترتب على ذلك من تأثيرات على الظواهر الجيوفيزيائية الأخرى، من قبيل توليد المجال المغناطيسي واستقرار محور دوران الكوكب. كما تفتح الدراسة آفاقاً جديدة أمام علماء الجيوفيزياء لدراسة سلوك اللب الداخلي بوصفه بنية نشطة تتفاعل ديناميكياً مع محيطها، بدلاً من اعتباره كتلة صلبة جامدة لا تتغير عبر الزمن الجيولوجي.
وتحمل هذه الاكتشافات تطبيقات عملية تمسّ منطقتنا مباشرة؛ فأنظمة ضبط التوقيت الدولي وملاحة الأقمار الاصطناعية تعتمد على نماذج دقيقة لدوران الأرض، وهو ما يصبّ في صالح منظومات الاتصالات والملاحة الفضائية العربية المتنامية. كما يمتلك علماء الجيوفيزياء في مراكز البحث العربية، كجامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية (كاوست) بالمملكة العربية السعودية، الأدوات اللازمة للمساهمة في دراسات النمذجة الجيوديناميكية تحت شبه الجزيرة العربية، المنطقة التي تتسم بثراء جيولوجي استثنائي لوقوعها على تقاطع صفائح تكتونية نشطة.
ويرى مراقبون في مجتمع علوم الأرض أن هذا البحث يمثّل خطوة مهمة نحو بناء نماذج أكثر دقة لتوقع سلوك دوران الأرض على المدى الطويل، وهو ما يحمل تطبيقات عملية في مجالات تعتمد على قياسات زمنية بالغة الدقة، كأنظمة الملاحة الفضائية وضبط التوقيت العالمي.
المزيد من علوم

اكتشاف فيروس جديد ينقله القراد وراء أعراض غامضة لدى المصابين
حدد باحثون صينيون فيروساً جديداً ينقله القراد يُدعى ALTNV، وكشفوا أن العدوى المشتركة به مع فيروس آخر معروف ترفع معدل الوفيات إلى 18.4%، ما يستدعي تطوير أساليب تشخيصية أدق للتمييز بين الفيروسين.

مركبة بحجم حقيبة سفر قد تسمع صدى الكون قبل ولادة أولى النجوم
تستعد جامعة كامبريدج لإطلاق مركبة CosmoCube الصغيرة خلف القمر لرصد إشارة الهيدروجين القادمة من العصور المظلمة الكونية، في مهمة قد تكشف كيف تشكّلت أولى النجوم والمجرات بمساعدة المادة المظلمة.

لماذا تُخرج نافورات قمر إنسيلادوس الجليدية أسراراً كيميائية غير متوقعة
كشفت تجارب مخبرية أن سرعة تجميد قطرات محيط إنسيلادوس تفصل أملاحه كيميائياً بشكل طبيعي، ما يسهّل على المركبات الفضائية المستقبلية كشف مؤشرات الحياة المحتملة في هذا القمر الجليدي.

هل الكون لانهائي؟ قياسات إشعاع الخلفية الكونية تكشف إجابة محيّرة
تُظهر قياسات دقيقة لإشعاع الخلفية الكونية الميكروي أن الكون مسطح هندسياً، لكن العلماء يوضحون أن التسطح لا يعني بالضرورة أن الكون لانهائي الامتداد.

من المختبر إلى الشبكة الكهربائية.. سباق تجاري لتوصيل طاقة الاندماج النووي
تستعد شركتا Commonwealth Fusion Systems وHelion لنقل طاقة الاندماج النووي من مرحلة الإثبات العلمي إلى محطات فعلية تغذي الشبكة الكهربائية، وسط تمويل يتجاوز مليارات الدولارات.

دراسة جديدة: القهوة بكافيين أو بدونه تُعيد تشكيل ميكروبيوم الأمعاء والمزاج
وجدت دراسة أيرلندية أن القهوة بنوعيها العادي ومنزوع الكافيين تُغيّر بكتيريا الأمعاء وتخفض الشعور بالتوتر والاكتئاب، فيما تحسّن النسخة منزوعة الكافيين التعلم والذاكرة وتعزز نسخة الكافيين التركيز.