فيزيائيون يعثرون على "شبح" التوصيل الفائق في مادة كمية نادرة
رصد باحثون أمريكيون نمطًا متموجًا من أزواج الإلكترونات يستمر في مادة يورانيوم ديتلورايد بعد أن تفقد خاصية التوصيل الفائق، في دليل يشير إلى أن هذه الأزواج قد تتشكل قبل دخول المادة فعليًا في الحالة الفائقة.

عثر فيزيائيون في جامعة إلينوي أوربانا شامبين، عبر كلية جرينجر للهندسة، على دليل مباشر لأول مرة على نمط غريب من "موجة كثافة الزوج" يستمر في مادة يورانيوم ديتلورايد حتى بعد أن تفقد هذه المادة خاصيتها كموصل فائق، في اكتشاف يصفه الباحثون بأنه "شبح" التوصيل الفائق الذي يبقى أثره حاضرًا حتى بعد زوال الظاهرة نفسها. ونُشرت نتائج الدراسة في دورية "وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم" تحت عنوان يتناول دلائل تشابك نظم موجة كثافة الزوج وموجة كثافة الشحنة في هذه المادة.
وتشير "موجات كثافة الزوج" إلى نمط متموج تتوزع فيه أزواج كوبر، وهي أزواج الإلكترونات المسؤولة عن ظاهرة التوصيل الفائق، بشكل غير منتظم عبر المادة بدلاً من انتشارها بكثافة موحدة في كل الاتجاهات. وقد طرح الباحث إدواردو فرادكين وزملاؤه هذه الفكرة نظريًا للمرة الأولى في عام 2007، لكن رصدها تجريبيًا بشكل مباشر ظل تحديًا صعبًا لسنوات طويلة.
وكانت مادة يورانيوم ديتلورايد تُعامَل في الغالب كمعدن عادي لا يحمل أي خصائص استثنائية، إلى أن اكتُشف في عام 2019 أنها تتحول إلى موصل فائق عند تبريدها إلى درجات حرارة تقل عن كلفن واحد تقريبًا (نحو درجتين كلفن). ومنذ ذلك الاكتشاف، ترجّح غالبية الأدلة العلمية أن هذه المادة تنتمي إلى فئة نادرة من الموصلات الفائقة الثلاثية الزوج، وإن كان هذا التصنيف، بحسب الباحثين، لم يُحسم بشكل كامل ونهائي حتى الآن.
ولإجراء الدراسة، نجح فريق البحث في زراعة بلورات أعلى جودة من المادة باستخدام طريقة جديدة قائمة على الصهر المنصهر، ثم استخدم مجهرًا ماسحًا نفقيًا مزوّدًا بقدرة على توليد مجال مغناطيسي متجه، لدراسة سطح المادة تحت تأثير مجالات مغناطيسية مُطبّقة من اتجاهات مختلفة. وقادت البحث مناصفةً أستاذة الفيزياء فيديا مادهافان، إلى جانب الباحث إدواردو فرادكين، بمساعدة من الباحثة زين تشو التي أجرت التجارب العملية، والباحث جوليان ماي-مان الذي عمل على الجانب النظري للدراسة.
وأظهرت النتائج أن أنماط موجة كثافة الشحنة في المادة تستجيب للمجالات المغناطيسية بالطريقة ذاتها التي تنبأت بها نظرية موجة كثافة الزوج، كما أن تطبيق مجال مغناطيسي كافٍ كان قادرًا على تدمير هذه الأنماط تمامًا. والأهم من ذلك أن بعض هذه الأنماط استمرت في الظهور حتى فوق درجة الحرارة التي تزول عندها خاصية التوصيل الفائق بالكامل، وهو ما يمثل أول رصد مقنع لهذا التنبؤ النظري الذي ظل بدون إثبات تجريبي واضح لسنوات.
ووصف الباحث إدواردو فرادكين هذه الظاهرة بقوله إن "موجات كثافة الزوج هي ابتسامة قطّة تشيشير الخاصة بالتوصيل الفائق"، في إشارة إلى الشخصية الخيالية التي تختفي تاركة ابتسامتها معلقة في الهواء، بما يعكس بقاء أثر الظاهرة حتى بعد اختفاء سببها الأصلي. وأضافت الباحثة فيديا مادهافان، في تعليقها على محاولات رصد هذه الأنماط في بيانات سابقة أقل دقة، أن الأمر "كان يشبه محاولة رصد ضوء خافت وسط سحابة من الضباب الكثيف"، وهو ما يوضح الصعوبة التقنية الكبيرة التي واجهها الفريق قبل التوصل إلى هذه النتيجة بفضل جودة البلورات الجديدة ودقة أداة القياس.
ويرى الفريق البحثي أن هذه النتائج تقدّم دليلاً قويًا يدعم فرضية أن أزواج الإلكترونات قد تبدأ بالتشكّل فعليًا قبل أن تدخل المادة في حالة التوصيل الفائق الكاملة، بما يفتح مسارات بحثية جديدة لفهم آلية التوصيل الفائق غير التقليدي بشكل عام، وهي ظاهرة لا تزال من أعقد الألغاز في فيزياء المادة المكثفة. ومع ذلك، يُشير الباحثون إلى أن أداة المجهر الماسح النفقي تقيس فقط ما يحدث على سطح المادة، ولا تتيح رصدًا مباشرًا لما يجري في عمقها الداخلي، وهو ما يترك الباب مفتوحًا لدراسات مستقبلية تتحقق من مدى انطباق هذه النتائج على المادة بأكملها لا على سطحها فقط.
وتحمل هذه النتائج أهمية خاصة بالنسبة لفيزياء المواد الكمية والحوسبة الكمية على المدى البعيد، إذ تُعد الموصلات الفائقة غير التقليدية، وبخاصة الثلاثية الزوج، من المرشحات الواعدة لبناء كيوبتات أكثر استقرارًا، نظرًا لخصائصها المغناطيسية والكمية المختلفة عن الموصلات الفائقة التقليدية الأكثر شيوعًا وبحثًا.
ويحمل هذا الاكتشاف أهمية بعيدة المدى بالنسبة لمساعي التحوّل نحو الحوسبة الكمية في المنطقة العربية، إذ أطلقت كل من المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة مبادرات طموحة للاستثمار في البنية التحتية للحوسبة الكمية، من بينها مشاريع مركز الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية (كاكست) ومركز الإمارات للثورة الصناعية الرابعة. فضلاً عن ذلك، تطرح الموصلات الفائقة غير التقليدية إمكانية نقل الطاقة الكهربائية دون فقد، وهو ما يمثل ميزة محورية لدول خليجية تستثمر مليارات الدولارات في شبكات الطاقة الذكية والمشاريع الكبرى لإنتاج الطاقة المتجددة.
ويأتي هذا الاكتشاف في سياق سباق بحثي عالمي متصاعد لفهم المواد فائقة التوصيل غير التقليدية، التي لا تخضع للتفسير النظري التقليدي القائم على نظرية باردين-كوبر-شريفر الذي يصف الموصلات الفائقة الاعتيادية. ويأمل الباحثون أن يفتح هذا الفهم الأعمق الباب أمام تصميم مواد جديدة تحافظ على خصائص التوصيل الفائق عند درجات حرارة أعلى من تلك المطلوبة حاليًا، وهو هدف طويل الأمد يسعى إليه الفيزيائيون منذ عقود نظرًا لإمكاناته الهائلة في تطبيقات نقل الطاقة الكهربائية دون فقد والحوسبة الفائقة السرعة.
المزيد من الهندسة الإلكترونية

ناسا تقيس بدقة غير مسبوقة تحرّك مركز كتلة الأرض مع تغير الفصول
طوّر باحثو وكالة ناسا طريقة أدق لقياس تحرّك مركز كتلة الأرض بضعة ملليمترات مع انتقال المياه والجليد والهواء بين الفصول، في تحديث يرفع دقة أنظمة تحديد المواقع والملاحة الفضائية.

تلسكوب جيمس ويب يرصد آثار تصادمات عنيفة بين أجرام شبيهة بالمريخ حول نجوم فتية
رصد تلسكوب جيمس ويب الفضائي 21 قرص حطام نادرًا حول نجوم حديثة التكوّن، تحمل آثار تصادمات عنيفة بين أجنّة كوكبية، في اكتشاف يلقي ضوءًا على كيفية تشكّل القمر من ارتطام الأرض الفتية بجرم شبيه بالمريخ.

فيزيائيون في سيرن يرصدون مباشرة موجات الكواركات داخل حساء الانفجار العظيم
باحثون في مصادم الهادرونات الكبير بسيرن يرصدون للمرة الأولى مباشرة كيفية صنع الكواركات المنفردة لموجات داخل بلازما الكواركات والغلوونات، مؤكدين سلوكها السائل الشبيه بالماء.
شركتا عقاقير إنقاص الوزن تكشفان عن أدلة أولية على تأخير الشيخوخة البيولوجية
إيلي ليلي ونوفو نورديسك تعرضان بيانات تشير إلى أن أدوية ناهضات مستقبل الببتيد الشبيه بالغلوكاغون قد تؤخر الشيخوخة البيولوجية بمقدار عامين إلى ثلاثة أعوام، وسط تحفظات علمية على التعميم.

اكتشاف المغناطيسية المتبدلة في مادة جديدة يفتح الباب لحواسيب أسرع
رصد فيزيائيون أمريكيون دليلاً تجريبياً على المغناطيسية المتبدلة في مادة طبقية جديدة، شكل حديث من المغناطيسية قد يمهّد لإلكترونيات أسرع وأوفر طاقة قائمة على سبين الإلكترون.

مشروع ميغاترون الحاسوبي يكشف كيف أعادت أولى نجوم الكون تشكيل محيطها
أطلق باحثون من جامعة باث أربع دراسات ضمن مشروع محاكاة عملاق يربط بين رصد تلسكوب جيمس ويب لمجرات الكون الوليد وبين الآثار الكيميائية المحفوظة في أقدم نجوم مجرتنا، لفهم كيف أعادت أولى النجوم تشكيل الكون المبكر.