فيزيائيون في سيرن يرصدون مباشرة موجات الكواركات داخل حساء الانفجار العظيم
باحثون في مصادم الهادرونات الكبير بسيرن يرصدون للمرة الأولى مباشرة كيفية صنع الكواركات المنفردة لموجات داخل بلازما الكواركات والغلوونات، مؤكدين سلوكها السائل الشبيه بالماء.

تمكّن فريق من الفيزيائيين العاملين في مصادم الهادرونات الكبير التابع لمنظمة سيرن للأبحاث النووية من رصد مباشر، للمرة الأولى، لكيفية صنع الكواركات المنفردة موجاتٍ وهي تتحرك داخل بلازما الكواركات والغلوونات، وهي حالة المادة الفائقة الحرارة التي كانت تملأ الكون في أجزاء من الثانية الأولى بعد الانفجار العظيم، في اكتشاف يقدّم دليلاً تجريبياً مباشراً على الطبيعة السائلة لهذه المادة البدائية.
وتشير بلازما الكواركات والغلوونات إلى حالة من المادة تنتج عن درجات حرارة وكثافات بالغة الارتفاع، تتحرر فيها الكواركات والغلوونات، وهي مكوّنات أساسية للبروتونات والنيوترونات، من قيودها الهدرونية المعتادة، لتشكّل بلازما متحركة حرة تحاكي الحالة التي كانت تسود الكون بأكمله في اللحظات الأولى من نشأته، حين كانت درجات الحرارة تصل إلى تريليونات الدرجات.
ووجد الباحثون أن الكوارك المنفرد، وهو جسيم دون ذري أولي يُشكّل اللبنة الأساسية للبروتونات والنيوترونات والهادرونات، يترك خلفه، وهو يشق طريقه عبر هذه البلازما، «تموجات وتدفقات ودوّامات دوّارة، تشبه إلى حد كبير حركة بطة تسبح عبر الماء»، في وصف دقيق يوضح كيف تتصرف هذه البلازما بصفتها سائلاً متماسكاً له خصائص فيزيائية مشتركة بين جزيئاته، لا مجرد تجمّع من جسيمات مستقلة تتحرك كل منها بشكل عشوائي منفصل عن الأخرى.
واستخدم الفريق البحثي كاشف المينويد العضلي المدمج، أحد الكاشفات الرئيسية العاملة في مصادم الهادرونات الكبير، واعتمد في طريقته على أسلوب مبتكر يختلف عن الوسائل التقليدية المستخدمة لرصد أزواج الكواركات والكواركات المضادة، التي تنتج اضطرابات متداخلة يصعب تفسيرها بدقة. فبدلاً من ذلك، استخدم الباحثون بوزونات زد، وهي جسيمات دون ذرية ثقيلة تنقل القوة النووية الضعيفة وتتحلل سريعاً جداً إلى جسيمات أخف، بصفتها علامات مرجعية تمر عبر البلازما بأقل قدر من التفاعل معها، مما سمح للفريق بعزل وقياس موجات الكواركات المنفردة بدقة غير مسبوقة.
وقد حلل الفريق كمية ضخمة من البيانات بلغت نحو 13 مليار تصادم بين أيونات ثقيلة، وهي تجارب فيزيائية تُسرَّع فيها نوى ذرية ثقيلة إلى سرعات تقترب من سرعة الضوء ثم تُصدَم ببعضها لدراسة المادة في ظروف درجات الحرارة والكثافة القصوى المماثلة لحالة الكون مباشرة بعد الانفجار العظيم. ومن بين هذا الكم الهائل من التصادمات، تمكن الباحثون من تحديد نحو ألفي حدث أنتجت بوزونات زد مصحوبة بكواركات ذات زخم عالٍ، وهي البيانات الدقيقة التي استندت إليها نتائج الدراسة.
ويمثل هذا الاكتشاف أول دليل مباشر على أن الكوارك يجرّ بالفعل كمية إضافية من البلازما معه خلال تحركه، وهو ما يؤكد تجريبياً تنبؤات نظرية سابقة حول الخصائص السائلة لبلازما الكواركات والغلوونات. ويفتح هذا الإنجاز إمكانيات بحثية غير مسبوقة لدراسة سلوك هذه البلازما البدائية التي كانت سائدة خلال الميكروثانية الأولى من عمر الكون، حين كانت درجات الحرارة تتجاوز تريليونات الدرجات، وهي ظروف قصوى لا يمكن إعادة تكرارها بدقة إلا داخل مسرّعات الجسيمات الضخمة كمصادم الهادرونات الكبير.
وللعالم العربي حضور متنامٍ في أبحاث فيزياء الجسيمات؛ إذ وقّعت المملكة العربية السعودية اتفاقيات تعاون رسمية مع سيرن في إطار دعم مساعي التحول العلمي ضمن رؤية 2030، كما يُسهم باحثون من جامعة القاهرة والجامعة الأمريكية في بيروت والجامعة الأردنية في أبحاث فيزياء الجسيمات النظرية. وتمثل اكتشافات كهذه حافزاً بالغ الأهمية لتشجيع الاستثمار العربي في الأبحاث الأساسية التي تُرسي الأسس العلمية لتقنيات المستقبل.
ويُعدّ مصادم الهادرونات الكبير، الذي يقع في مركز سيرن قرب جنيف ويضم كاشف المينويد العضلي المدمج ضمن مكوناته الرئيسية، أضخم مسرّع جسيمات في العالم، ويواصل تقديم اكتشافات متلاحقة تساعد الفيزيائيين على فهم اللحظات الأولى الحاسمة من تاريخ الكون بدقة متزايدة. ويرى علماء الفيزياء أن هذا النوع من الأبحاث لا يحمل فقط قيمة نظرية بحتة، بل يساعد أيضاً على فهم أعمق للقوى الأساسية التي شكّلت الكون المعروف بأكمله، بدءاً من أجزاء الثانية الأولى بعد نشأته وحتى تطوره إلى الصورة التي نراها اليوم.
المزيد من علوم
شركتا عقاقير إنقاص الوزن تكشفان عن أدلة أولية على تأخير الشيخوخة البيولوجية
إيلي ليلي ونوفو نورديسك تعرضان بيانات تشير إلى أن أدوية ناهضات مستقبل الببتيد الشبيه بالغلوكاغون قد تؤخر الشيخوخة البيولوجية بمقدار عامين إلى ثلاثة أعوام، وسط تحفظات علمية على التعميم.

اكتشاف المغناطيسية المتبدلة في مادة جديدة يفتح الباب لحواسيب أسرع
رصد فيزيائيون أمريكيون دليلاً تجريبياً على المغناطيسية المتبدلة في مادة طبقية جديدة، شكل حديث من المغناطيسية قد يمهّد لإلكترونيات أسرع وأوفر طاقة قائمة على سبين الإلكترون.

مشروع ميغاترون الحاسوبي يكشف كيف أعادت أولى نجوم الكون تشكيل محيطها
أطلق باحثون من جامعة باث أربع دراسات ضمن مشروع محاكاة عملاق يربط بين رصد تلسكوب جيمس ويب لمجرات الكون الوليد وبين الآثار الكيميائية المحفوظة في أقدم نجوم مجرتنا، لفهم كيف أعادت أولى النجوم تشكيل الكون المبكر.

مادة جديدة تنتج الهيدروجين من الماء بالضوء وحده دون محفزات معدنية مكلفة
طوّر باحثون في جامعة ولاية أوريغون مادة تُعرف باسم BVR-19 قادرة على إنتاج الهيدروجين من الماء باستخدام ضوء الشمس فقط، من دون الحاجة إلى محفزات معدنية غالية الثمن، في خطوة قد تخفض كلفة الهيدروجين النظيف.

فوهة أوكلاهوما القديمة أصغر مما ظنّ العلماء بمئة مليون سنة
أعاد علماء من جامعة تكساس في أوستن تحديد عمر فوهة الارتطام الواقعة تحت مدينة أميز في أوكلاهوما، باستخدام تأريخ الزركون، فتبيّن أنها أصغر بنحو مئة مليون سنة مما كان معتقداً.

مجالات مغناطيسية بدائية قد تفسر أحد أكبر لغز الكونيات: توتر هابل
يقترح علماء فلك أن مجالات مغناطيسية بدائية ضعيفة جداً تشكلت لحظات بعد الانفجار العظيم قد تكون المفتاح لحل التناقض المستمر بين طريقتين لقياس معدل تمدد الكون، المعروف بتوتر هابل.