فيزيائيون في كالتك يرصدون سلّماً طاقياً كمومياً تنبأت به نظرية قبل 40 عاماً

تمكّن فيزيائيون في معهد كالتك من قياس أنماط طاقة كمومية تنبأت بها نظرية الحقل المطابق منذ أربعة عقود، باستخدام ذرات سترونشيوم محصورة بملاقط ضوئية، في تأكيد تجريبي دقيق لنظرية رياضية طويلة الأمد.

تحرير
ألمعي · هيئة التحرير
النشر
٣ أكتوبر ٢٠٢٦
المصدر
ScienceDaily ↗
القراءات
٠
الوقت
قراءة 3 دقائق
تصور فني لذرات سترونشيوم محصورة بملاقط ضوئية في حقل ليزر متضمّن

تمكّن فريق بحثي في معهد كاليفورنيا للتقنية (كالتك) من قياس أنماط طاقة كمومية دقيقة، تنبأت بها نظرية فيزيائية منذ نحو أربعين عاماً، في تجربة تُعد أول تأكيد تجريبي مباشر لهذه التنبؤات النظرية التي ظلت حبيسة المعادلات الرياضية لعقود طويلة قبل أن تتوفر الأدوات اللازمة لاختبارها عملياً.

وقاد التجربة فريقان بحثيان مشتركان، أحدهما تجريبي بقيادة الباحث مانويل إندريس، والآخر نظري بقيادة الباحث جيسون أليكيا، واستخدم الفريقان ما يُعرف بـ "المحاكيات الكمومية"، وهي أنظمة فيزيائية قابلة للتحكم الدقيق تُستخدم لإعادة إنتاج سلوك أنظمة كمومية معقدة يصعب دراستها مباشرة أو حسابياً بالوسائل التقليدية.

وتقوم فكرة التنبؤ النظري الذي جرى اختباره على ما يُعرف بـ "نظرية الحقل المطابق"، وهي فرع من الفيزياء النظرية يصف كيف تتصرف أنظمة كمومية مختلفة تماماً في تركيبها الفيزيائي بطريقة متشابهة بشكل غريب عند الاقتراب من نقاط تحوّل طوري حرجة. وتتنبأ هذه النظرية بوجود نسب طاقة محددة، تشبه درجات سلّم، لم يسبق قياسها تجريبياً بشكل مباشر حتى هذه التجربة.

ولتنفيذ القياس، استخدم الباحثون أداة تُعرف بـ "الملاقط الضوئية"، وهي أشعة ليزر مركزة بدقة شديدة، لحبس ذرات عنصر السترونشيوم وترتيبها في خط واحد متسلسل. ثم أثار الباحثون هذه الذرات لتصل إلى ما يُعرف بـ "حالة ريدبرغ"، وهي حالة طاقة عالية جداً تجعل الإلكترونات الخارجية للذرة بعيدة جداً عن نواتها، مما يجعلها حساسة بشدة للتفاعل مع الذرات المجاورة وتدفعها للتصرف بشكل جماعي متماسك بدلاً من التصرف كذرات منفردة مستقلة.

وضبط الباحثون أشعة الليزر بدقة متناهية حتى وصلوا إلى نقاط التحول الحرجة الخاصة بنظريتين من نظريات الحقل المطابق، هما نظرية "آيزنغ" ونظرية "آيزنغ ثلاثية الحرج". ولرصد مستويات الطاقة الناتجة بدقة، طوّر الفريق تقنية جديدة أسموها "التحليل الطيفي بالتضمين متعدد الأجسام"، تعتمد على اضطراب سلسلة الذرات بلطف عند ترددات مختلفة، وقياس قوة استجابتها لكل تردد، في عملية تشبه إلى حد كبير تمرير إصبع حول حافة كوب نبيذ للعثور على تردده الرنيني الطبيعي.

وأظهرت نتائج القياسات تطابقاً دقيقاً مع التنبؤات النظرية التي صيغت قبل أربعة عقود، حيث لاحظ الباحثون أن "الأطياف المرصودة تتقارب جميعها نحو منحنى عام واحد بعد إعادة قياسها حسب حجم النظام"، وهو ما يؤكد صحة نسب الطاقة التي تنبأت بها كل من نظريتي آيزنغ المختبرتين. كما تمكّن الفريق من تحديد أنماط طاقية خفية إضافية عبر تصنيف الإثارات الذرية وفقاً لخصائصها التماثلية الدقيقة، في تفصيل يتجاوز ما كانت تسمح به القياسات النظرية المجردة فقط.

وتحمل هذه النتيجة أهمية بالغة لفيزياء المادة المكثفة والفيزياء الكمومية بشكل عام، لأنها تؤكد أن نظرية الحقل المطابق، التي طُوّرت أصلاً كإطار رياضي مجرد، تصف بدقة متناهية سلوك أنظمة فيزيائية حقيقية يمكن بناؤها واختبارها في المختبر. وتفتح هذه النتائج الباب لتطبيقات مستقبلية محتملة في مجال الحوسبة الكمومية، التي تعتمد بشكل متزايد على محاكيات كمومية مشابهة لتلك المستخدمة في هذه التجربة، إذ تساعد مثل هذه التأكيدات التجريبية الدقيقة على بناء ثقة أكبر في النماذج النظرية التي توجّه تصميم الأنظمة الكمومية المستقبلية الأكثر تعقيداً.

ويخطط الفريق البحثي لمواصلة استخدام هذا النوع من المحاكيات الكمومية القائمة على ذرات محصورة بالليزر لاختبار تنبؤات نظرية أخرى من نظرية الحقل المطابق لم يسبق اختبارها تجريبياً، في مسار بحثي قد يفتح آفاقاً جديدة لفهم السلوك الجماعي للأنظمة الكمومية المعقدة عند نقاط التحول الحرجة بين حالات المادة المختلفة.

ولا تبدو هذه النتيجة بعيدة عن تطلعات المنطقة العربية التي تُضاعف استثماراتها في الحوسبة الكمومية؛ إذ تتبنى دولة الإمارات العربية المتحدة استراتيجية وطنية للتقنيات الكمومية ضمن برنامجها الأشمل للاقتصاد الرقمي، فيما تُشغّل جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية (كاوست) مختبرات بحثية متخصصة في الفيزياء الكمومية والمواد المتقدمة. وتمثّل التأكيدات التجريبية من قبيل التحقق من تنبؤات نظرية الحقل المطابق ركيزةً علمية بالغة الأثر لبناء ثقة أكبر في المحاكيات الكمومية، وهو ما تحتاجه المراكز البحثية العربية الطامحة إلى تصميم أجهزة كمومية عملية خلال العقد المقبل.

ويُعدّ هذا النوع من التجارب مثالاً بارزاً على كيفية تلاقي الفيزياء النظرية البحتة، التي قد تبدو بعيدة كل البعد عن أي تطبيق عملي وقت صياغتها، مع تطورات تقنية لاحقة تتيح اختبارها بعد سنوات أو عقود طويلة. فنظرية الحقل المطابق صاغها فيزيائيون نظريون في الثمانينيات دون أن يتوقعوا بالضرورة أن تتوفر يوماً أدوات تجريبية بدقة الملاقط الضوئية الحديثة القادرة على التحكم في ذرات مفردة بهذا المستوى من الدقة. ويرى الباحثون أن استمرار تطور تقنيات التحكم الذري والليزري سيتيح في المستقبل القريب اختبار طيف أوسع من النظريات الكمومية التي ظلت حتى الآن حبيسة الأوراق البحثية النظرية فقط، بما يعزز الثقة المتبادلة بين الفيزياء النظرية والتجريبية في هذا المجال سريع التطور.

المصدر الأصلي
ScienceDaily
قراءة المقال الأصلي ↗
قصة اليوم · كل صباح

أعجبك التقرير؟ استلم واحداً كل صباح.

قصةٌ تقنية واحدة تستحقّ وقتك، بالعربية. بلا إعلانات، بلا إزعاج.

بلا إعلانات · إلغاء الاشتراك بنقرة واحدة · بياناتك آمنة

اقرأ أيضًا

المزيد من علوم

زوجان في منتصف العمر يمارسان الركض الخفيف برفقة رمزية ساعة ولولب للحمض النووي

مسابقة جديدة تتحدى 500 مشارك لعكس أعمارهم البيولوجية خلال ستة أشهر

أطلقت طبيبة أعصاب أمريكية مسابقة تمتد ستة أشهر يحاول فيها نحو 500 مشارك تقليص الفارق بين عمرهم الزمني وعمرهم البيولوجي، باستخدام فحوصات جينية ودماغية وجسدية متعددة، ولوحة صدارة علنية.

MIT Technology Review
سمكة قرش سوداء الزعنفة تسبح في مياه ضحلة وصافية قبالة سواحل فلوريدا

دراسة ميدانية تكشف كيف تسمع أسماك القرش وتحدد مصدر الصوت من 74 متراً

أجرى باحثون أمريكيون أول دراسة ميدانية كمّية لسمع أسماك القرش الحرة في المحيط، وتبيّن أن أسماك القرش السوداء الزعنفة تكشف الأصوات منخفضة التردد من مسافة تصل إلى 74 متراً وتحدد اتجاهها بدقة.

ScienceDaily
رسم توضيحي لتراكم لويحات الكوليسترول داخل وعاء دموي متصلب

دراسة ضخمة: واحد من كل 13 شاباً يحمل تصلب شرايين صامتاً دون أن يعلم

كشفت دراسة REACT التي شملت أكثر من 16800 شخص سليم ظاهرياً أن تصلب الشرايين يبدأ في سن مبكرة أكثر من المتوقع، حيث يحمله واحد من كل 13 شاباً بين 18 و29 عاماً دون أي أعراض.

ScienceDaily
تصور فني لنجم مغناطيسي وحقله المغناطيسي القوي

رصد وميض سيني قياسي قد يكشف لحظة ولادة نجم مغناطيسي جديد

فريق بحثي دولي يرصد أطول وميض أشعة سينية مسجّل بعد اندماج نجمين نيوترونيين، في حدث يستمر نحو 10 دقائق ويقدّم دليلاً جديداً على كيفية ولادة النجوم المغناطيسية فائقة القوة.

ScienceDaily
تصور فني لبتات كمومية متشابكة في نظام حوسبة كمومية

بِت كمي من الهليوم فائق السيولة قد يقلل أخطاء الحوسبة الكمومية 100 مرة

باحثون بريطانيون وأمريكيون يصممون بتاً كمياً جديداً يعتمد على الهليوم فائق السيولة بدلاً من الدوائر فائقة التوصيل، بهدف تقليص معدلات الخطأ الناتجة عن التشويش الكهرومغناطيسي في الحواسيب الكمومية.

ScienceDaily
تصور فني لجزيء الحمض النووي الحلزوني المزدوج يرمز لتسلسلات الجينات التي تحللها أنظمة الذكاء الاصطناعي

متى يمكن القول إن الذكاء الاصطناعي حقق اكتشافاً علمياً فعلياً؟

أثار إعلان أنثروبيك عن اكتشاف نمط جيني عبر عملاء كلود جدلاً علمياً حول حدود نسب الاكتشافات للذكاء الاصطناعي، بعدما شكك باحثون في طبيعة الإنجاز الحقيقي.

MIT Technology Review