دراسة ميدانية تكشف كيف تسمع أسماك القرش وتحدد مصدر الصوت من 74 متراً

أجرى باحثون أمريكيون أول دراسة ميدانية كمّية لسمع أسماك القرش الحرة في المحيط، وتبيّن أن أسماك القرش السوداء الزعنفة تكشف الأصوات منخفضة التردد من مسافة تصل إلى 74 متراً وتحدد اتجاهها بدقة.

تحرير
ألمعي · هيئة التحرير
النشر
٣ أكتوبر ٢٠٢٦
المصدر
ScienceDaily ↗
القراءات
٠
الوقت
قراءة 4 دقائق
سمكة قرش سوداء الزعنفة تسبح في مياه ضحلة وصافية قبالة سواحل فلوريدا

أجرى باحثون من جامعة فلوريدا أتلانتيك أول دراسة ميدانية كمّية لقياس قدرة أسماك القرش الحرة في المحيط على السمع، في بحث نُشر في دورية "إنتغريتيف أورغانيزمال بيولوجي" (Integrative Organismal Biology) لعام 2026، وكشف نتائج دقيقة حول المدى الذي تستطيع هذه الأسماك من خلاله كشف الأصوات تحت الماء وتحديد اتجاه مصدرها.

وركزت الدراسة على أسماك القرش السوداء الزعنفة (Carcharhinus limbatus) قبالة سواحل جنوب شرق ولاية فلوريدا، واختار الباحثون هذا النوع تحديداً لأنه يتجمّع بصورة متوقعة في مياه ضحلة وصافية خلال فصل الشتاء، وهو ما يسهّل رصد سلوكه وتفاعله مع المحفزات الصوتية المختلفة بدقة أكبر مقارنة بأنواع أخرى تتوزع في مياه أعمق أو أقل وضوحاً.

واعتمد فريق البحث على منهجية ميدانية مبتكرة، حيث نشروا مكبر صوت تحت الماء على مسافة تصل إلى 19 متراً من قارب ثابت، وأذاعوا من خلاله ثلاثة نطاقات صوتية منخفضة التردد تتراوح بين 100 و800 هرتز، إضافة إلى صوت تحكّم بتردد أعلى يبلغ 10 كيلوهرتز لمقارنة استجابة الأسماك بين النطاقين. وفي الوقت نفسه، حلّقت طائرة مسيّرة على ارتفاع يتراوح بين 40 و50 متراً فوق الموقع لتصوير حركة الأسماك وردود فعلها، ثم حلل الباحثون هذه اللقطات إطاراً بإطار لقياس المسافات الدقيقة التي استجابت الأسماك عندها، واتجاهات حركتها بعد سماع كل صوت.

وأظهرت النتائج أن أسماك القرش كانت قادرة على كشف الأصوات منخفضة التردد من مسافة تصل إلى 74 متراً، أي ما يقارب 243 قدماً، وهي مسافة كبيرة نسبياً بالنظر إلى طبيعة انتقال الصوت تحت الماء. وتبيّن أن أكثر من 70 بالمئة من استجابات الأسماك المسجّلة حدثت في ما يُعرف بـ "الحقل الصوتي البعيد"، وهي المنطقة التي تنتقل فيها الموجة الصوتية كضغط منتظم قابل للكشف، بخلاف "الحقل القريب" الذي تطغى فيه حركة الجسيمات الفعلية للماء بدلاً من الضغط الصوتي المنتظم.

واستجابت الأسماك لجميع النطاقات الثلاثة منخفضة التردد التي أُذيعت، بينما تجاهلت تماماً صوت التحكم ذا التردد الأعلى، وهو ما يؤكد أن حساسية سمع هذه الأسماك تتركز بوضوح في الترددات المنخفضة. ولاحظ الباحثون أيضاً أن الأسماك كانت تنفذ "دورات اتجاه سريعة بعيداً عن مكبر الصوت" عند سماع الصوت، في مؤشر واضح على وعيها الدقيق باتجاه مصدر الصوت، لا مجرد الشعور بوجوده فقط. وتبيّن كذلك أن حساسية الأسماك للترددات الأقل كانت أعلى عند المسافات الأبعد، وهو ما يعكس كفاءة بيولوجية متطورة في التمييز بين خصائص الأصوات المختلفة بحسب قربها أو بعدها.

وعلّق الباحث ستيفن كاجيورا، المشارك في الدراسة، على أهمية هذه النتائج بقوله إن اكتشاف قدرة الأسماك على استشعار "حركة الجسيمات المرتبطة بالصوت" على مسافات بعيدة نسبياً "لم يكن قد أمكن إثباته سابقاً في أسماك القرش الحرة السابحة في بيئتها الطبيعية"، في إشارة إلى أن معظم الدراسات السابقة حول سمع أسماك القرش أُجريت في بيئات مغلقة كالأحواض المائية، وليس في المحيط المفتوح حيث تتعرض الأسماك لظروف صوتية أكثر تعقيداً وواقعية.

وتكشف هذه النتائج كيف يوفر السمع لأسماك القرش معلومات حيوية عن وجود فرائس محتملة أو مصادر اهتمام أخرى على مسافات تمتد لمئات الأقدام، قبل أن تتمكن حواسها الأخرى كالبصر أو استشعار الحقول الكهربائية من الكشف عن نفس المصدر، وهو ما يمنحها ميزة بقاء مهمة في بيئة المحيط المفتوح. ومع ذلك، يؤكد الباحثون أن الكثير مما يتعلق بآليات معالجة هذه الأسماك للمعلومات الصوتية لا يزال غير مفهوم تماماً، وأن دراسات ميدانية إضافية ستكون ضرورية لفهم كيفية دمج أسماك القرش بين مختلف حواسها الحسية لتحديد موقع فريستها بدقة أكبر في مختلف الظروف البيئية.

وتحمل هذه النتائج أيضاً دلالات عملية تتجاوز حدود البحث الأكاديمي البحت، فمعرفة المسافات والترددات التي تستجيب لها أسماك القرش بوضوح قد تساعد في تطوير وسائل أكثر فعالية لإدارة التفاعل بينها وبين الأنشطة البشرية، مثل تصميم أجهزة ردع صوتية تحمي السباحين والصيادين دون إلحاق ضرر بالأسماك نفسها، أو ضبط مستويات الضجيج الناتج عن السفن والمنشآت البحرية في المناطق التي تتجمع فيها هذه الأسماك بكثافة، بما يقلل من التداخل مع قدرتها الطبيعية على استشعار بيئتها المحيطة بدقة.

وتمتد أهمية هذه النتائج لتطال سواحل المنطقة العربية التي تضم بيئات بحرية غنية بأسماك القرش، لا سيما في البحر الأحمر والخليج العربي وبحر عُمان. وتُعد هذه المعرفة الجديدة ذات صلة مباشرة بمشاريع كبرى كمشروع البحر الأحمر السعودي ومشروع نيوم الساحلي، حيث يتصاعد الاهتمام بالسياحة البحرية وفق معايير احترام الحياة البرية. كما تفيد نتائج الدراسة الصيادين العرب والجهات المعنية بالسلامة البحرية في المنطقة في تحديد الأصوات والترددات التي قد تستجلب أسماك القرش أو تُبعدها، مما يفتح مجالاً عملياً لتحسين أجهزة الردع الصوتي المستخدمة في حماية رياضيي الشواطئ والغواصين في المياه الخليجية.

ويرى الباحثون أن استخدام الطائرات المسيّرة في رصد سلوك الأسماك البحرية الحرة، كما فعلوا في هذه الدراسة، يفتح أفقاً جديداً لدراسة أنواع بحرية أخرى يصعب مراقبتها عن قرب بالوسائل التقليدية كالغوص المباشر، وهو ما قد يتيح خلال السنوات القادمة فهماً أعمق لمنظومة الحواس المعقدة التي تعتمد عليها الكائنات البحرية المختلفة في تفسير بيئتها واتخاذ قراراتها اللحظية بشأن الحركة والصيد والهروب من الخطر.

المصدر الأصلي
ScienceDaily
قراءة المقال الأصلي ↗
قصة اليوم · كل صباح

أعجبك التقرير؟ استلم واحداً كل صباح.

قصةٌ تقنية واحدة تستحقّ وقتك، بالعربية. بلا إعلانات، بلا إزعاج.

بلا إعلانات · إلغاء الاشتراك بنقرة واحدة · بياناتك آمنة

اقرأ أيضًا

المزيد من علوم

زوجان في منتصف العمر يمارسان الركض الخفيف برفقة رمزية ساعة ولولب للحمض النووي

مسابقة جديدة تتحدى 500 مشارك لعكس أعمارهم البيولوجية خلال ستة أشهر

أطلقت طبيبة أعصاب أمريكية مسابقة تمتد ستة أشهر يحاول فيها نحو 500 مشارك تقليص الفارق بين عمرهم الزمني وعمرهم البيولوجي، باستخدام فحوصات جينية ودماغية وجسدية متعددة، ولوحة صدارة علنية.

MIT Technology Review
تصور فني لذرات سترونشيوم محصورة بملاقط ضوئية في حقل ليزر متضمّن

فيزيائيون في كالتك يرصدون سلّماً طاقياً كمومياً تنبأت به نظرية قبل 40 عاماً

تمكّن فيزيائيون في معهد كالتك من قياس أنماط طاقة كمومية تنبأت بها نظرية الحقل المطابق منذ أربعة عقود، باستخدام ذرات سترونشيوم محصورة بملاقط ضوئية، في تأكيد تجريبي دقيق لنظرية رياضية طويلة الأمد.

ScienceDaily
رسم توضيحي لتراكم لويحات الكوليسترول داخل وعاء دموي متصلب

دراسة ضخمة: واحد من كل 13 شاباً يحمل تصلب شرايين صامتاً دون أن يعلم

كشفت دراسة REACT التي شملت أكثر من 16800 شخص سليم ظاهرياً أن تصلب الشرايين يبدأ في سن مبكرة أكثر من المتوقع، حيث يحمله واحد من كل 13 شاباً بين 18 و29 عاماً دون أي أعراض.

ScienceDaily
تصور فني لنجم مغناطيسي وحقله المغناطيسي القوي

رصد وميض سيني قياسي قد يكشف لحظة ولادة نجم مغناطيسي جديد

فريق بحثي دولي يرصد أطول وميض أشعة سينية مسجّل بعد اندماج نجمين نيوترونيين، في حدث يستمر نحو 10 دقائق ويقدّم دليلاً جديداً على كيفية ولادة النجوم المغناطيسية فائقة القوة.

ScienceDaily
تصور فني لبتات كمومية متشابكة في نظام حوسبة كمومية

بِت كمي من الهليوم فائق السيولة قد يقلل أخطاء الحوسبة الكمومية 100 مرة

باحثون بريطانيون وأمريكيون يصممون بتاً كمياً جديداً يعتمد على الهليوم فائق السيولة بدلاً من الدوائر فائقة التوصيل، بهدف تقليص معدلات الخطأ الناتجة عن التشويش الكهرومغناطيسي في الحواسيب الكمومية.

ScienceDaily
تصور فني لجزيء الحمض النووي الحلزوني المزدوج يرمز لتسلسلات الجينات التي تحللها أنظمة الذكاء الاصطناعي

متى يمكن القول إن الذكاء الاصطناعي حقق اكتشافاً علمياً فعلياً؟

أثار إعلان أنثروبيك عن اكتشاف نمط جيني عبر عملاء كلود جدلاً علمياً حول حدود نسب الاكتشافات للذكاء الاصطناعي، بعدما شكك باحثون في طبيعة الإنجاز الحقيقي.

MIT Technology Review